الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات لقاء صحيفة الميثاق مع الأستاذ فالح الخطاب (باحث من العراق)

لقاء العدد (40) لصحيفة الميثاق، مع الأستاذ فالح الخطاب (باحث من العراق)
الميثاق: بماذا تفسر تصاعد زيارات السفيرة الأميركية في العراق إلى قادة القوى الولائية المهيمنة على القرار السياسي في البلاد؟

الخطاب: تعيش الولايات المتحدة الآن ما يمكن أن نسميه اللحظة الأميركية في العراق حيث بلغت استراتيجية الاحتلال غاياتها من خلال الاستخدام الأقصى للميليشيات الإيرانية الولاء في عملية إعادة تشكيل العراق وإيصاله للمرحلة التي يجب أن يصل إليها وفقا للاستراتيجية الأميركية. الولايات المتحدة التي تركت الميليشيات تمارس كل أنواع الجرائم في العراق طيلة عقدين كاملين دون أن تتحرك أو تتصرف طبقا لمسؤولياتها حين قامت بغزو العراق في العام 2003، اكتفت بمراقبة ما يجري وتسجيل كل شاردة وواردة، حققت اليوم هدفين مهمين. الأول إيقاع أكبر وأشد أنواع الضرر بالبنية الأساسية للعراق في كل المجالات في عملية تفكيك كبرى لكل مرتكزاته السياسية والاجتماعية بهدف إعادة صياغة العراق طبقا للتصورات الأميركية الغربية، فيما تمثل الهدف الثاني في تقديم نفسها، الآن، باعتبارها المخلص الوحيد للعراقيين من الميليشيات المتوحشة التي تعيث في العراق فسادا واعتبارها البديل الوحيد الممكن والمتاح للخروج من الوضع الراهن. ووفقا لهذا تعتبر السفيرة الأميركية اليوم الشخصية الأقوى في العراق بل الأقوى من أي شخصية سياسية عراقية حيث تتوجه لها أنظار الكثير من العراقيين باعتبارها القوة التي يمكن أن تساهم في خروجهم مما هم فيه.

ولتوضيح هذه النقطة يلزم العودة قليلا إلى الوراء حيث أن الوضع الحالي في العراق ليس إلا مخرجات حتمية لمدخلات بدأ تنفيذها بعد احتلال العراق وتحديدا منذ العام 2003 وما نراه الآن ليس إلا نتائج لمقدمات جرى الترتيب لها عن سابق قصد وتصميم ولم يكن كل ما جرى مجرد (أخطاء) كما تريد الولايات المتحدة الترويج دائما لتبرير الواقع الحالي، ولكن السجل التراكمي يشير إلى سياسات حقيقية كان يجب أن تستقر في الجذور العميقة للواقع العراقي ببعديه السياسي والاجتماعي بهدف تغييره وتهيئة الأجواء لمرحلة قطف الثمار.

وفضلا عن معاقبة الشعب العراقي بقسوة من خلال الحصار الذي امتد لأكثر من عقد طويل ومؤلم من الزمن، عمل الاحتلال الأميركي البريطاني على إحداث تغييرات منهجية عميقة في الواقع العراقي من أجل بلوغ حل نهائي وأخير للتخلص من عقدة العراق باعتباره مشكلة دائمة وصداع مزمن للولايات المتحدة وخلفائها في المنطقة؛ ذلك أن العراق هو الدولة الأكثر أهمية استراتيجيا في المنطقة لاعتبارات عديدة أبرزها توفره على مفاتيح القوة والثروة والعنصر البشري والتاريخ والموارد والموقع الجيوسياسي الفريد.

جاء الاحتلال الأميركي وهو يحمل أجندة محددة بهدف واحد يتلخص بتدمير العراق وليس فقط إعادته إلى عصر ما قبل الصناعة كما وعد وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر. وتجلى برنامج التدمير في الخطوات الأولى التي قام بها حاكم العراق المطلق بول بريمر من خلال عدد من الإجراءات التي فتحت أبواب الفساد وأرست منهجية التدمير الشامل لبنى الدولة العراقية ومؤسساتها قبل الولوج لمنهجية التدمير الاجتماعي الشامل

وكلنا يعلم ماذا جرى في السنوات الأولى من عمر الاحتلال المباشر وكيف تم صناعة الميليشيات على عين الاحتلال وبرعايته من أجل مواجهة عدو مشترك تمثل يومها بالمقاومة العراقية التي انفردت لوحدها بمواجهة ذلك الاحتلال. ومن أجل تأمين الاستراتيجية الأميركية وإيصالها إلى نتائجها المرسومة؛ برز التكامل الأميركي الإيراني أو ما يعرف بالتخادم، الذي تكرس عبر تعاون وثيق وبعيد المدى في خطوات تمكنت معها إيران من ملأ (فراغ) متوهم أحدثه الاحتلال عن سابق تصور وتصميم من أجل تمكين إيران وميليشياتها في الواقع العراقي لإحداث أكبر تغيير ممكن على الواقع العراقي وبما لا يستطيعه الاحتلال نفسه.

كانت مرحلة اقتلاع العراق التاريخي واقتلاع العراقيين من جذورهم العراقية وإحداث أكبر انقلاب اجتماعي وقيمي في الوسط العراقي؛ مهمة تشبه مهمة بلدوزر يقوم باكتساح ما يوجد أمامه ويحيله إلى خراب، وهو ما فعلته إيران وميليشياتها خلال عقدين من الزمن كانت كفيلة بإيصال العراق إلى حافات النهاية وتسليم العراقيين لحافات الموت الشامل. وما جرى خلال الأعوام العشرين الماضية لا يمكن وصفه في أسطر قليلة ولا يمكن أن تضمه صفحات كتاب ولكن يمكن القول بأن المهمة أنجزت وبنجاح حيث بات العراقيون بلا أمل ولا رؤية وأصبحوا من ثم في جاهزية كاملة لقبول ما لم يكونوا ليقبلوا به من قبل.

اليوم تبدو الولايات المتحدة أكثر من سعيدة بالنتائج التي تحققت وهي ترى العراق بلدا آخر غير العراق التقليدي بعد عملية تفكيكه الطويلة وتفكيك بناه السياسية والاجتماعية وحيث تم استنزاف طاقاته وموارده وثرواته بطريقة غير مسبوقة كما كان حصاره أيضا حصارا غير مسبوق وفي كلا الحالتين كان الفاعل هي الولايات المتحدة الأميركية. العراقيون اليوم بلا أمل بعد أن تحولت بلادهم إلى مزرعة يستفيد منها الجميع باستثناء العراقيين أنفسهم.

الميثاق: أين يكمن أسباب النشاط الأميركي في العراق الذي ركز على ما يسمى محور المقاومة؟

الخطاب: محور المقاومة هو مجموع المنظمات والميليشيات التي تدين بالولاء لإيران والتي تم صناعة قسم كبير منها في إيران قبل الاحتلال الأميركي وقسم آخر معتبر منها تم تأسيسه وتكوينه بعد الاحتلال الأميركي تحت النفوذ الإيراني ولكن برعاية قوات الاحتلال الأميركي التي دخلت في تفاهمات واسعة مع إيران بهدف تنفيذ استراتيجية جيوسياسية بالغة الخطورة لا تشمل العراق فحسب، رغم أنه يقع في قلب تلك الاستراتيجية؛ بل تعداه ليشمل سوريا ولبنان واليمن وأماكن أخرى. الميليشيات الولائية، كما باتت تعرف، نشأت في ظل عدوين لدودين للعراق أولهما إيران وثانيهما الولايات المتحدة، وهما عدوان محاربان وليسا عدوان في إطار المصالح فقط. الميليشيات الولائية لا تملك من أمرها شيئا ولا تملك قرارها بل هي مجرد أداة من أدوات إيران وعنصر من عناصر القوة الخشنة في التوسع الإيراني، هكذا كانت وهكذا هي الآن وستبقى كذلك حتى تتضح نهايات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة وغاياتها.

الميليشيات الولائية وبحكم نشأتها وظروف تطورها وصولا لوضعها الحالي، ولأسباب ذاتية وأخرى موضوعية لم تقاتل الاحتلال الأميركي أو تدخل في إطار مقاومته أبدا ولم تكن تفكر في مواجهة ذلك الاحتلال لاعتبارين الأول هو أن المقاومة قرار سياسي وهذا خاضع للمرجع الإيراني في طهران والذي تأكد للجميع أنه كان متورطا في سياق تفاهمات كبرى مع الولايات المتحدة لترتيب الأوضاع في العراق بعد احتلاله وإسقاط حكمه الوطني. الاعتبار الثاني يتمثل في الكيفية التي نشأت فيها معظم الميليشيات، خصوصا تلك التي تم تشكيلها في أعقاب الاحتلال وعند اشتداد المقاومة العراقية السنية، حيث صبغت تلك الميليشيات، خصوصا في السنين الأولى للاحتلال، بطابع وظيفي بحت تمثل في إعدادها وتجهيزها والتمكين لها من أجل وظيفة واحدة فقط تتمثل في مواجهة وقتال المقاومة السنية، واعتبارها العدو الأول والوحيد لأسباب طائفية بحتة فضلا عن خضوع تلك الميليشيات الوظيفية للفتاوى الدينية وتلك السياسية الإيرانية. والخلاصة أن تلك الميليشيات لم تقاتل الاحتلال الأميركي ولم تقم بمقاومته طالما أن " عدو عدوي صديقي" وطالما أن الاحتلال لم يشمل إيران بل العراق الذي لا تشعر الميليشيات الولائية الطائفية بالانتماء إليه بل تجاهر بعدم الانتماء هذا.

أما علاقة الولايات المتحدة بهذه الميليشيات، فهي علاقة معقدة يندرج قسم منها في إطار العمليات القذرة التي تولاها ضباط أميركيون أبرزهم جيمس ستيل، وهو الشخصية الوحيدة التي تمت الإشارة إليها وإن بشكل غامض ولكنه ليس الوحيد في تلك الجرائم التي قامت بارتكاب أفظع أنواع الجرائم في العراق خصوصا في الأعوام 2004- 2007 بدعم كامل من الميليشيات ورجال إيران في العراق. كما تتركز العلاقة بين الاحتلال الأميركي وتلك الميليشيات كما تقدم، في المهمات الوظيفية لتلك الميليشيات التي قامت بعمليات مشتركة وعلى أعلى درجات التنسيق لمواجهة المقاومة العراقية السنية وكانت دليلا لقوات الاحتلال وشريكا في مطاردة وتعقب المقاومين العراقيين. ومع تطور الوضع سياسيا في العراق في إطار العملية السياسية التي كانت الإطار الجامع لكل ما جرى ويجري في العراق والتي كرست المخطط الاستراتيجي للاحتلال الأميركي ومن ثم الإيراني؛ تطورت تلك الميليشيات وتعززت مكانتها في أعقاب إنهاء سيطرة تنظيم الدولة على الموصل ومناطق أخرى عبر تحالف دولي وبمشاركة إيرانية وما جرى كما هو معروف.

وبحكم تبعيتها الولائية ومنها التبعية السياسية لإيران، وبسبب تضخم الدور الإيراني في العراق وفقا للتفاهمات العميقة بين الاحتلال الأميركي وإيران، فقد تحولت الميليشيات إلى أحجار سياسية بيد إيران في مواجهة الولايات المتحدة التي لم تترك المشهد العراقي، ولكنها ولأسباب تتعلق باستراتيجيتها فيه، تركت المجال واسعا لإيران وذيولها كي يقوموا بما يجب القيام به في العراق، انسجاما مع الرؤية الأميركية له. ودخلت الميليشيات في صراع النفوذ في العراق بين إيران والولايات المتحدة باعتبارها قوى تابعة للولي الفقيه وفي ذات الوقت قامت بتقديم نفسها باعتبارها قوى مقاومة، أي مقاومة الوجود الأميركي الحالي.

وفي إطار التحرك الأميركي الحالي فإن مهمة السفيرة الأميركية باتت تركز، ضمن أمور أخرى ولكن بتأكيد خاص، على شمول ما يسمى قوى المقاومة أي ميليشيات إيران الولائية الطابع، في تحركاتها واتصالاتها إمعانا في إيصال رسالة واشنطن للعراقيين أولا، ولجهات أخرى، بأن موضوع (المقاومة) هذا أصبح جزء من الماضي وأنه يتوجب على ما يعرف بقوى المقاومة أن تكيف أوضاعها حسب متطلبات المرحلة الجديدة التي ستكون مرحلة أميركية مباشرة. وكان لافتا في هذا الشأن، على سبيل المثال لا الحصر، إصرار السفيرة الأميركية على حضور ندوات منتدى العراق، الذي عقد مؤخرا، رغم معرفتها المسبقة بحضور زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي كمتحدث مباشر ورئيس في المنتدى، رغم تصنيفه أميركيا كواحد من الشخصيات الإرهابية المطلوبة للولايات المتحدة. السفيرة الأميركية لم ترفض حضور أعمال المنتدى رغم وجود الخزعلي، لا بل سجلت حضورها صحبة وكيلة وزير الخارجية الأميركية باربرا ليف والأكثر من هذا تم تداول صورة لها وفي الخلفية يظهر الخزعلي، وهي صورة لم يتم التأكد من صدقيتها والأغلب أنها كانت صورة مفبركة، ولكن الصورة واللغط الذي أثير عنها، حققت الغرض المطلوب، والمتمثل في إظهار الخزعلي وهو يشارك في نشاط ترعاه السفيرة الأميركية والخارجية الأميركية وعلى أعلى المستويات، وهي رسالة بالغة الدلالة.

الميثاق: هناك من يعتقد أن السفيرة الأميركية في العراق نقلت رسائل لصناع القرار في العراق برغبة بلادها في استمرار التهدئة؟

الخطاب: يمكن القول إن السياسة الأميركية الجديدة في العراق، ورغم أنها تتبنى نهجا يقوم على التهدئة والدبلوماسية الناعمة من خلال تكثيف العمل الدبلوماسي والحضور السياسي والاجتماعي للسفيرة الأميركية التي تمثل بلادها في العراق، ومن خلال تكثيف الزيارات السياسية على كل المستويات بدء من رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، نزولا لكل درجات السلم الحكومي ولكل أنواع المسؤولين.. رغم كل هذا الحراك الذي يقوم على الدبلوماسية والتهدئة، إلا أن الصورة الأخرى التي تنقلها وسائل الإعلام عن تحركات السفيرة وتصريحاتها، تشير إلى بعد آخر أكثر أهمية وأدعى للاهتمام. إذ باتت السفيرة تحرص على الإدلاء بتصريحات غير دبلوماسية وتقع خارج إطار التهدئة التي يتم الحديث عنها. ولعل أبرز تصريحات السفيرة قولها في مقابلة تلفزيونية مع سكاي نيوز مؤخرا قالت السفيرة " عندما أخرج وأتحدث إلى العراقيين، يتبين لي بوضوح شديد أنهم لا يريدون دولة تسيطر عليها الميليشيات بل يريدون نزع السلاح من أيدي الميليشيات وإعادتها للدولة " وهو تصريح خطير جدا بل لا ينطوي على أي لغة دبلوماسية أو لغة تهدئة. كما أنها في ذات المقابلة صرحت وبدون مواربة " إن الولايات المتحدة "لن ترحل عن المنطقة وأن العراق يمثل أهمية استراتيجية كبيرة لدى واشنطن " وهو بمثابة رد مباشر على دعاوى (المقاومة) بضرورة إخراج القوات الأميركية من العراق.

الميثاق: إلى أي مدى سيستمر ويثبت شهر العسل بين واشنطن والقوى الموالية لإيران في العراق؟

الخطاب: التحرك الأميركي الحالي في العراق قد يتعزز ويستمر في ظل المعطيات والمتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة التي تؤشر لتثبيت، أهمية استراتيجية إضافية للعراق، رغم أهميته الاستراتيجية المعروفة. فالمنطقة تشهد متغيرات كبيرة كما أن التوازن العالمي الحالي، قد لا يستمر طويلا في هذا الوضع، خصوصا فيما سيترتب على نتائج الحرب في أوكرانيا، وهي حرب بالغة الأهمية من الناحية الجيواستراتيجية للعالم كله. وإذا كانت الانتخابات التركية التي جرت مؤخرا، قد سجلت مستويات عالية جدا من الاهتمام في الشرق والغرب، وأمكن النظر إليها باعتبارها عامل ترجيح لكل الاحتمالات وحسب توقعات كل دولة من الدول الكبرى والدول الإقليم، فلنا أن نتصور نتائج الحرب في أوكرانيا وأبعادها الجيواستراتيجية دوليا. وسط هذه الظروف المعقدة دوليا، وبالنظر لمآلات الوضع في العراق بعد عقدين مأساويين من عمر العملية السياسية وما انتهى إليه الوضع الداخلي الذي بات يتوق للتغيير ويترقبه، ولكن دون الاهتداء للسبيل إليه، أصبح التدخل الأميركي المباشر وطوي صفحة العمل غير المباشر في العراق باتجاه آخر يتوسل العمل المباشر والبروز السافر للعراقيين ومخاطبتهم بلا واسطة. هذا الخيار ليس خيارا سهلا للولايات المتحدة بل هو خيار ينطوي على مخاطر المواجهة مع إيران التي صنعت، وبعناية ومكث لمدة عقدين من الزمن في العراق بنية تحتية استراتيجية بالغة الأهمية. سياسات التفويض الأميركي لإيران في إدارة المشهد العراقي تكاد تصل إلى نهاياتها ولكن النتائج غير المقدمات بسبب ارتهان إيران شبه الكامل للوضع العراقي ومآلاته التي ستؤثر على مصير إيران ذاتها. لذلك فإن الاحتمالات كلها مفتوحة في العراق وربما نشهد متغيرات كثيرة في الحالة العراقية وتفاوت في المواقف بين تقدم أو تراجع، بسبب دقة وحساسية وأهمية العراق لكل من إيران والولايات المتحدة.

الميثاق: هل تغيرت استراتيجية القوى الولائية تجاه التواجد الأميركي وأسبابه في العراق؟

الخطاب: نعم يمكن القول إن استراتيجية القوى الولائية قد تغيرت في العراق ولكن ينبغي فهم هذا التغير في إطار الحالة الجديدة التي تمر بها تلك القوى التي باتت أكثر انكشافا من السابق، بسبب الأوضاع الداخلية في العراق بعد عقدين أسودين في تاريخ العراقيين، ونتيجة لارتباط تلك الميليشيات الشديد بالسياسات الإيرانية وحساباتها المعقدة في العراق، والتي تعتمد على محاولة التكيف مع الموقف الأميركي الجديد واستيعابه قبل محاولة احتواءه إن أمكن وقبل الدخول في مواجهة مع الأميركيين أو الدفاع عن المكتسبات الإيرانية الواسعة التي حققتها إيران في العراق. وستبقى القوى الولائية رهينة القرار الإيراني والسياسات الإيرانية، ولكنها أيضا ستكون في وضع قد تضطر معه للاستجابة لتحديات الداخل العراقي الذي بات يضغط بقوة من أجل التغيير ويسعى إليه، من أي مصدر كان فقط للانعتاق من إيران وميليشياتها وهو ما ترتكز عليه الاستراتيجية الأميركية في العراق.

الميثاق: على عكس التصريحات الرسمية العراقية النافية للتواجد الأميركي في العراق أكدت السفيرة الأميركية على استمرار هذا التواجد بماذا تفسر هذا التباين بالموقفين؟

الخطاب: لا يمكن اخذ التصريحات الرسمية في العراق على محمل الجد وذلك لغياب مفهوم الدولة بشكل شبه كامل ولانعدام تأثير تلك التصريحات إلا على الداخل العراقي. وبخصوص التواجد الأميركي في العراق فإن هذا الموضوع يعتبر من الموضوعات بالغة الحساسية وتدرك حكومة السوداني وكذلك الميليشيات دقة وحساسية هذا الأمر ومن ثم فإنه يلاحظ أن التصريحات والمواقف بهذا الشأن تراجعت إلى حد كبير ولم يعد هناك تهديدات خطابية أو مواقف رسمية أو غير رسمية. إن الوضع داخل العراق قد تغير إلى حد كبير وهو تغير من شأنه أن يؤدي إلى التأثير على وضع الميليشيات فضلا عن مواجهة التطورات الأخيرة في المنطقة وأيضا بسبب السياسات الإيرانية الأخيرة التي تسعى للتهدئة خصوصا في أعقاب الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية. وبخصوص التواجد الأميركي في العراق أكدت الولايات المتحدة على لسان سفيرتها في العراق على هذا الموضوع وحسمت الأمر بعيدا عن أي مناورة دبلوماسية أو فذلكة بلاغية" قبل نحو عام، وبالضبط في يوليو الماضي، زار الرئيس الأميركي جو بايدن السعودية، والتقى بزعماء المنطقة، وأوضح بشكل جلي أن الولايات المتحدة لن ترحل عن المنطقة، فهي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية، وتربطنا علاقات قديمة وطويلة في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم". وتابعت السفيرة قائلة في مقابلتها مع سكاي نيوز "عملنا مع شركائنا في المنطقة لوقت طويل من أجل مواجهة عدد من التحديات، خصوصا لوضع حد لمختلف الأزمات في المنطقة. واضح إذن أن الولايات المتحدة ستظل موجودة بالمنطقة وستبقى مهتمة بتعميق شراكاتها مع دولها، خصوصا مع العراق".

هذا الوضوح الأميركي بات سياسة أميركية مقررة ويتوجب الآن على الحكومة العراقية والميليشيات الولائية أن تحدد سياسة الرد المطلوب على هذا التحدي، وهو رد سوف لن يكون ممكنا دائما أو سهلا في ضوء إصرار كلا المعسكرين على موقفه من هذه القضية الحساسة.

الميثاق: في الوقت الذي يمر العراق بأزمة مالية تقرر واشنطن مصادرة سندات السحب العراقية من الفيدرالي الأميركي وانعكاس ذلك على الاقتصاد العراقي؟

الخطاب: في إطار سياستها الجديدة في العراق وانسجاما مع معطيات الوضع العراقي الداخلي قررت الولايات المتحدة ممارسة ضغوط اقتصادية قوية على الحكومة العراقية تتناغم مع مجمل سياستها التي تقوم على فرض إرادتها ووجودها المباشر خصوصا تلك التي تتعلق بتفاصيل الحياة اليومية للعراقيين وفي أخص خصائصها وتحديدا تلك المتعلقة بالمعيشة وقوت العراقيين. إذ قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي فرض إجراءات مشددة على التحويلات بالدولار في العراق، الأمر الذي كانت له تداعياته على عرض الدولار في السوق العراقية حيث تراكم الطلب مقابل تدني العرض ما أدى إلى تراجع سعر الصرف مع انخفاض تحويلات المصارف بالدولار.

وبرر مسؤولون أميركيون هذه الإجراءات بأنها “تهدف إلى الحد من غسيل الأموال والتحويل غير القانوني للدولار إلى إيران وغيرها من الدول التي تخضع لعقوبات شديدة”. وتتضمن الإجراءات تثبيت منصة إلكترونية تعمل وفقا لنظام التحويلات الدولي المعروف باسم سويفت، تتضمن تفاصيل دقيقة عن الحوالات الخارجية التي تجري من العراق. المصارف العراقية تبلغت بضرورة تطبيق هذا النظام منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في حال أرادت الوصول إلى احتياطات العراق من الدولار الموجودة في الولايات المتحدة والتي تبلغ 100 مليار دولار. المسؤولون الأميركيون رفضوا عرضا عراقيا بتأجيل العمل بهذه الإجراءات إلى حين اعتياد المصارف العراقية على هذا النظام. وبدلا من ذلك شدد الجانب الأميركي على ضرورة تسجيل المصارف العراقية تحويلاتها بالدولار على تلك المنصة الالكترونية فيما يقوم الاحتياطي الفدرالي الأميركي بفحص تلك التحويلات ووقف أي منها في حال كانت هناك شكوك حول العملية والوجهة النهائية لها . وتقول تقارير مؤكدة إن الاحتياطي الفدرالي الأميركي رفض ومنذ بدء تنفيذ هذه القيود 80 في المئة من طلبات التحويلات المالية للمصارف العراقية بسبب شكوك حول الوجهة النهائية لتلك المبالغ التي يجري تحويلها.

السفيرة الأميركية في العراق، وفي معرض ردها على هذا الموضوع الذي أثار انتقادات واسعة من جانب مؤيدي الحكومة وإيران، قالت إن الولايات المتحدة لا تحدد سعر صرف الدولار ولا تضع عقوبات على مصارف عراقية جديدة ولكن" واشطن تواصل آلية استغرقت عدة سنوات لتقوية القطاع المصرفي العراقي لمساعدته على الامتثال للنظام العالمي وضمان منع غسيل أموال الشعب العراقي وتهريبها إلى خارج العراق". واعتبرت السفيرة أن هذه الآلية " مصممة لمنع وتقييد غسيل الأموال كون تعليقها أو تأجيلها يؤدي إلى العودة بالمنظومة إلى الوراء". السفيرة الأميركية، وفي تأكيد آخر على نهج سياسة واشنطن الجديدة تتحدث عن منع غسيل " أموال الشعب العراقي وتهريبها إلى خارج العراق" ولا يخفى أنها رسالة موجهة للعراقيين بشكل مباشر. ولتحديد وجهة التهريب قال مسؤولون أميركيون إن نظام سويفت يهدف إلى الحد من استخدام النظام المصرفي العراقي لتهريب الدولارات إلى طهران ودمشق وملاذات غسل الأموال في أنحاء الشرق الأوسط.

ووفقا لسياسة الحضور الأميركي المباشر في الشأن العراقي والذي بدأ قبل فترة ليست بالطويلة، اعتمدت تلك السياسة على مواجهة الميليشيات الإيرانية واللوبي الإيراني في العراق وحكومته العميقة من خلال أزمة العملة العراقية التي برزت كإحدى أهم نتائج المنافسة الأميركية الإيرانية على الساحة العراقية، حيث تسعى الولايات المتحدة لمحاصرة تدفق أموال من إيران إلى وكلائها في المنطقة. التوجه الأميركي في الضغط بهذا الاتجاه يأتي في وقت تتسع فيه رقعة الفقر في العراق حيث يتزايد عدد من يعيشون تحت خط الفقر وتزداد معدلات البطالة بين الشباب بسبب الفساد غير المسبوق في نظام العملية السياسية.

وتكمن مشكلة انخفاض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار إلى تلاعب مجموعة من المصارف الخاصة التي تخضع لإدارة قادة أحزاب وميليشيات وتعمل لصالح إيران وتقوم بمضاربات وتحويلات تتجه إلى إيران مباشرة عن طريق مصارفها في العراق، كما تتجه بعض الأموال إلى دول أخرى، قبل أن تستقر في مصارف دولية أخرى وذلك بالاستفادة من نافذة بيع العملات التي يفتحها البنك المركزي العراقي وكذلك التسهيلات التي يقدمها للشركات والمصارف الخاصة الأخرى للحصول على مئات الملايين من الدولارات يوميا. هذه اللعبة، يؤكد محللون، أنها بدأت تحت حكومة نوري المالكي بين عامي 2006 و2014 وظلت تتواصل إلى اليوم من خلال مصارف خاصة نشأت عقب الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. هذه المصارف باتت تمثل ظاهرة من أكبر الظواهر في العراق رغم أنه لا يوجد لها مبرر اقتصادي حقيقي يخدم الاقتصاد العراقي سوى الاتجار بالعملة لصالح إيران وتمثل إحدى أهم مرتكزات الهيمنة الإيرانية على العراق وأحد أهم شرايين الحياة للنظام الإيراني.

الضغط الأميركي في هذا الاتجاه يعادل، في رأيي نزع سلاح الميليشيات أو يوازيه وذلك بسبب مدى اتكال إيران على السيولة المالية الآتية من العراق كل يوم، وهي قضية بالغة الخطورة والحساسية ومن شأن تطبيقها بشكل فعال حرمان إيران من معين لا ينضب من الأموال التي تدعم بها نظامها الداخلي وتسلح به عدوانها الخارجي. ومن غير المعروف المدى الذي ستصل إليه الولايات المتحدة في هذا الضغط، وإن كان المرجح أنه سيكون ضغطا جزئيا قابل للتفاوض، حيث أن واشنطن لا تريد كسر طهران ولا مشروعها بالكامل، كما أن الأخيرة لن تخضع بالضرورة لأي توجه من هذا القبيل والموضوع أكثر تعقيدا مما يبدو في ظاهره وطبيعة العلاقة الأميركية الإيرانية طبيعة لا تخضع للمتغيرات الدراماتيكية أو الجذرية بل تتناول هوامش محددة بدقة والكلام في هذا يطول.

الميثاق: كيف تفسر أسباب فشل ما يسمى بالبرلمان العراقي في إقرار الموازنة المالية؟

الخطاب: رغم تكرار التصريحات بشأن إقرار الموازنة ورغم تقديم مواعيد عديدة لإقرارها، إلا أنه لم يتم التوصل لاتفاق بشأنها في مجلس النواب بهدف إقرارها. وعلى طريق إقرار الموازنة برزت عقبات كان أبرزها طابعها الزمني حيث أنها ستكون موازنة لثلاث سنوات بدلا من سنة واحدة وهو ما أثار مخاوف من إمكانية سوء استخدام السلطة لمفردات الميزانية وطرق إنفاقها بعيدا عن رقابة مجلس النواب الذي يستطيع الحد من أي تجاوزات للسلطة التنفيذية عن طريق التحكم في الموازنة وسيطرته على مبدأ إقرارها من عدمه، وهو ما لا يتوفر في المدة الثلاثية المقترحة. كما أن وجود عجز في الميزانية المقترحة يتجاوز بكثير العشرين مليار دولار ويرتبط بأسعار النفط كثيرة التقلب وعدم الاستقرار ما يعني إمكانية تزايد هذا العجز في حال انخفاض أسعار النفط دون التسعير الافتراضي للميزانية، وهو ما يمكن أن يؤثر على قطاع الموظفين والرواتب التي تتجاوز 50 مليار دولار. وفضلا عن هذا فإن هناك خلافات مع أربيل بخصوص مواد محددة في الميزانية تخص المستحقات المالية لإقليم كردستان العراق، يصر أعضاء في مجلس النواب على تغييرها، وهو ما ترفضه حكومة الإقليم استنادا إلى التفاهم الذي أقره تحالف "إدارة الدولة" الذي يضم القوى السياسية الرئيسة في العراق (الإطار التنسيقي، القوى الكردية، تحالف السيادة) واتفاق تحالف إدارة الدولة على تمرير الموازنة المالية للعام 2023، باعتبارها واحدة من بنود الاتفاق السياسي الذي شكلت على أساسها حكومة محمد شياع السوداني.

ويؤكد خبراء اقتصاديون على أن الأرقام التي تظهرها الميزانية المقترحة هي أرقام من شأنها أن تتسبب بأزمة مستقبلية إذ أنها تتضمن عجزا بمبلغ 48 مليار دولار ويعتبر الأكبر منذ العام 2004 ويساوي 16 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. ويقول الخبراء إن هذا العجز بالنسبة لحجم الاقتصاد العراقي يعتبر ثاني أعلى نسبة في العالم. كما يبلغ إجمالي الإنفاق 152 مليار دولار منها 115 مليار للإنفاق التشغيلي. وبارتباط الميزانية بأسعار النفط التي في حال انهيارها سوف يتم اللجوء للفوائض النفطية خصوصا على زيادة أجور موظفي الدولة ما يؤدي إلى وقوع أزمات متكررة والمهرب منها اللجوء لصندوق النقد وهي سياسات تلحق ضررا كبيرا باقتصاد العراق خصوصا على المدى الطويل.

الميثاق: ما هي انعكاسات الصراع السياسي بين أحزاب السلطة على أوضاع العراق في شتى الميادين؟

الخطاب: تتسبب الصراعات السياسية بين أحزاب السلطة في العراق في استمرار الأوضاع الكارثية التي تمر بها البلاد منذ سنين طويلة وتعكس المآلات الوخيمة التي ترتبت على استمرار العملية السياسية منذ تأسيسها على يد الاحتلال الأميركي. والصراعات السياسية بين الأطراف الحاكمة أو المشاركة، منها ما جديد ونشأ كنتيجة لتداعيات الاحتلال وتراكمات سياساته المقصودة، ومنها ما يسبق الاحتلال، وتحديدا في إطار الصراعات الشيعية- الشيعية والتي تفاقمت بعد الاحتلال بسبب الصراع على نهب ثروات العراق ومقدراته ودخول عامل السلطة فيها. والصراعات متنوعة فهي شيعية سنية وسنية سنية وشيعية شيعية وشيعية كردية، وإن كان الصراع الشيعي الشيعي هو الأشد بسبب هيمنة الميليشيات الشيعية على مراكز القوة والقرار والسلاح. قبل الاحتلال كان التنافس بين الحركات الشيعية يسير خلف وهم الأفكار والمعتقدات والتنازع على المرجعيات وإن تخلله بعد سياسي تمثل في مسألة الولاء لدولة خارجية وتحديدا إيران فيما كان فصيل آخر، والمقصود به أتباع محمد محمد صادق الصدر خارج ذلك الولاء الخياني. تطورت تلك الخلافات بعد الاحتلال ولكنها أخذت بعدا سلطويا لتدخل في منظومة الفساد والمصالح السياسية الواسعة.

ومنذ بدايات الاحتلال شرعت سلطاته في إقرار سياسات خبيثة بهدف إفساد الحركات السياسية وتلك المجموعة من السياسيين الذين وفدوا مع الاحتلال، عبر الأموال ونهب النفط وإجراءات مقصودة لإفساد ذمم الجميع وإدخالهم في بدورة الفساد السلطوي الذي ستعود آثاره الخطيرة على العراقيين. وفي السنوات الأولى جدا من الاحتلال كان ما يقرب من ربع إنتاج النفط العراقي في الجنوب يذهب إلى جيوب الميليشيات الشيعية المتنافسة في البصرة، كما يؤكد ذلك باحثون في الشأن العراقي. ومنذ البدايات أيضا أفادت تقارير لجان الكونغرس بأن 12 إلى 18 مليار دولار من أموال إعمار العراق طالتها يد النهب والاختلاس والتي يعود قسم كبير منها إلى ميزانية العراق. ولئن كان كل هذا في سنوات الاحتلال الأولى فما الظن بالسنوات التالية وبعد عقدين من الزمن حيث أصبحت (الدولة) في العراق إقطاعيات موزعة على الأحزاب والميليشيات من خلال عمليات توظيف في القطاع العام تفتقد للكفاءة والأمانة وتتسبب في خسائر هائلة للميزانية حيث بلغت، على سبيل المثال، الأموال المخصصة للقطاع التشغيلي في موازنة 2023 المقترحة 115 مليار دولار وهو رقم مرتفع جدا ويفوق حتى تلك الأرقام التي أوصى بها صندوق النقد الدولي مرجع الحكومات الحالية وطوق نجاتها.

إن القطاع الوظيفي يمتلأ بجماعات الأحزاب والميليشيات وكل شلل الجماعات المتنافسة التي تأخذ حصتها في كل وزارة بل في كل قطاع من قطاعات الدولة على حساب الكفاءات التي لا تجد سبيلا للوظيفة الحكومية وفيما تزداد نسب البطالة بشكل كبير. إن واقع الدولة في العراق يشير إلى سلطة تفتقد للسيادة الحقيقية وتستمد قوتها من قوى أجنبية موزعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث تقوم هذه السلطة بتوسيع القطاع البيروقراطي من أجل دخوله ضمن نطاق السلطة وكقاعدة سياسية لها، وهي لعبة خبيثة ماكرة أسس لها الاحتلال الأميركي ودعمتها الهيمنة الإيرانية.

إن الصراعات البينية التي تشهدها أحزاب السلطة على المغانم والثروات واستحلال كل المحرمات تركت العراق فريسة للشلل وتراكم عوامل التخلف وباتت تهدد كل قطاعات الحياة ومرافقها. وتقريبا في كل المجالات الحيوية التي تهم حياة المواطن العراقي يتراجع التعليم ويتدهور القطاع الصحي وتستمر مشكلة الطاقة فضلا عن سائر مقومات الحياة والدولة.

الميثاق: رغم مرور أكثر من نصف عام على حكومة السوداني إلا أن وعوده لم تجد مكان لها على واقع العراق.. بماذا تعلق؟

الخطاب: تذكر تقارير صحفية استنادا إلى مسؤولين من القوى السياسية الرئيسة أن عدد الملفات التي تم التفاهم عليها بين القوى السياسية العربية السنية والكردية من جهة وبين قوى الإطار التنسيقي، بلغت 30 ملف لم ينفذ منها سوى ملفين اثنين. التفاهمات كانت شروطا من القوى السياسية على الإطار التنسيقي للتصويت على منح الثقة لحكومة محمد شياع السوداني مرشح الإطار التنسيقي القريب من إيران. نظرة في عدد من الوعود التي قدمها السوداني، ممثلا عن الإطار التنسيقي وإيران، تؤكد بأنها وضعت كصفقة سياسية بين الأطراف لتمرير الحكومة وليست وعودا للتنفيذ لأنها ببساطة، وفي ضوء الواقع العراقي الحالي، غير ممكنة التطبيق أو قسم مهم منها. فمثلا كان من أبرز تلك التفاهمات، حسب تقارير صحفية، إنهاء وجود الفصائل والمليشيات المسلحة في المدن والأحياء السكنية، وإطلاق برنامج حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة النازحين، وإنهاء ظاهرة المدن منزوعة السكان التي تستولي عليها مليشيات حليفة لإيران، وتشكيل محكمة مستقلة لملفات الفساد بأثر رجعي منذ عام 2006. ونظرة واقعية لهذه الوعود تشي بأن اقتراح هذه المطالب من جهة، وقبولها على شكل وعود من جهة أخرى، لم يكن إلا تمريرا لاتفاق سياسي ليس له علاقة بهذه الوعود التي أكد برلمانيون عراقيون أن الضامن في تطبيقها كان إيران، وهو تذكير بمثل شعبي عراقي يقول" عصفور كفل زرزور واثنينهم طيارة " فلا المطالب واقعية ولا الوعود كذلك ولا الضامن مؤتمن خصوصا على بعض تلك الوعود – المطالب التي صنعت مأساتها إيران ذاتها وكرستها واقعا ميليشياتها المؤتمرة بأمرها.

وبصراحة فإن هذه المطالب المقترحة من أصحابها والوعود بتنفيذها ترقى إلى أن تكون برنامج انقلاب شامل أو ثورة وطنية كانت ستبدأ مشوارها الأول بهذه الخطوات.. هل هناك جدية في الطلب من إيران أو نوري المالكي أو هادي العامري بإنهاء وجود ميليشياتهم الموجودة في الموصل وصلاح الدين وجرف الصخر والطارمية ؟ أو إعادة النازحين، وهو موضوع حساس ودقيق لارتباطه بالخريطة الديموغرافية الجديدة للعراق والتي ليس فقط أنها لم تكتمل بل أن مناطق أخرى تنتظر ذات المصير!! أم إنهاء ظاهرة المدن منزوعة السكان، فيما لا يستطيع أحد، بدء من رئيس الوزراء أو وزير الدفاع أو الداخلية دخول مدينة جرف الصخر.. أم تشكيل محكمة مستقلة لملفات الفساد بأثر رجعي منذ عام 2006 أي الطلب من نوري المالكي أن يقدم نفسه للمحاكمة، وبالطبع ليس وحده، إنما يشمل الأمر عدد كبير بل كبير جدا من السياسيين الفاسدين وزعماء الحرب والإقطاعيات الميليشياوية وغيرها وسواه الكثير.. أي واقعية تحملها وعود السوداني للتطبيق.. لا شيء. وبالمجمل فإن نظرة واحدة إلى تلك الوعود تؤكد أن وراءها اتفاق سياسي لأطراف التحكم بالوضع من أجل الفوز بمناصب وإقطاعيات وحصص تحت ستار وعود لا تطبق ولا يمكن تطبيقها..

ولفهم خلفيات المشهد: منح البرلمان العراقي الثقة لحكومة السوداني في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد سلسلة مفاوضات غير سهلة وأزمة امتدت لأكثر من عام كامل، أفضت إلى تشكيل ما عرف بـ"ائتلاف إدارة الدولة"، من القوى السياسية السنية والشيعية والكردية، لتشكيل الحكومة وفقاً لتفاهمات مسبقة، قاطعتها قوى أخرى حصلت على 47 مقعداً من البرلمان من أصل 329 مقعداً. وكانت إيران هي الضامن للتفاهمات السياسية...

الميثاق: فضيحة القرن العراقية انتجت فضائح مالية انعكست على أوضاع العراقيين ونهب وسرقة ثرواتهم

الخطاب: رغم الأصداء الواسعة التي كشفت عنها فضيحة "سرقة القرن"، والتي أعلن عنها في عام 2022، باعتبارها أكبر سرقة للمال العام في تاريخ العراق، إلا أنها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. الفضيحة أثارت غضبا واسعا بسبب حجم الأموال المختلسة التي تبلغ 2.5 مليار دولار من أموال الضريبة، وبسبب ما أبانت عنه من حجم وسعة الفساد المستشري في أجهزة السلطة ومؤسسات الحكم على حساب العراقيين الذين يعيشون أزمات اقتصادية لا تنتهي وأوضاع معيشية بالغة الصعوبة. والأكثر إيلاما أن العراقيين باتوا يدركون أن هذه الفضائح سوف لن تنتهي وأن أصحابها سوف يفلتون من العقاب لوجود حماية سياسية من قيادات عليا لكل المشتبه فيهم أو المتورطين في سرقة المال العام ونهب ثروات البلاد. والأنكى من كل ذلك أدراك الشعب أن هذه الأموال ذهبت ولن تعود لخزينة الدولة ولا للشعب الذي سيدفع وحده ثمن هذا الفساد المستشري، فقراً وجوعاً وعطشاً ويعاني انعدام الكهرباء والمياه الصالحة للشرب وخدمات البنية التحتية، وغياب المشاريع التي توفر الفرص للخريجين والعاطلين عن العمل، بينما تذهب ثروات البلاد إلى جيوب الفاسدين الذين يظلون بمنأى عن المحاسبة، بسبب الحماية السياسية الموفرة لهم.

ورغم ما احتلته هذه الفضيحة من تغطية واسعة بسبب حجم الأموال المسروقة، إلا أن التقارير الصحفية نقلت عن وزير المالية السابق علي علاوي في ندوة اقتصادية بتاريخ 3 تشرين الأول 2020، أي قبل الكشف عن سرقة القرن بعامين تقريبا، قوله" إن هنالك 250 مليار دولار سرقت من العراق منذ العام 2003 وحتى الان، وهذا المبلغ يبني عدة دول” وأضاف وزير المالية السابق “أن إنفاق هذه الأموال لم يكن هدفه اقتصاديا وإنما استفادة مالية لبعض الجهات مما أدى إلى تراجع قدرات الدولة”. وفي مقابلة تلفزيونية، نقلتها تقارير صحفية، صرح الوزير علاوي في الخامس من شباط فبراير 2021 قائلا " لدينا ما يكفي من الأدلة بأن مزاد العملة للبنك المركزي كان سابقاً جزءاً مهماً في نشر الفساد وهناك بعض الكتل السياسية الكبيرة متورطة به وتتخذ من أسماء وشخصيات مشاركة في المزاد واجهة لها”. وطبعاً بسبب هذه السرقة شحت الأموال في البنك المركزي، ولتلافي انهيار العملة قام البنك المركزي بتخفيض قيمة الدينار العراقي والنتيجة ازدياد البطالة والفقر والأمراض.

الميثاق: ما هي خطورة عجز حكومة السوداني في الحفاظ على المال العام وملاحقة سراقه واسترداد الأموال؟

الخطاب: "جائحة الفساد تهديد خطير للدولة العراقية " هكذا وصف السوداني الفساد المستشري في العراق نتيجة عقدين كاملين من عملية سياسية قامت على الفساد وسلطة محاصصة اعتمدت التوافق على اقتسام ميراث العراق ونهب مقدراته. غير أن إدراك السوداني لهذا الأمر لا يجعل منه قريب المنال فالفارق كبير ببين الإدراك وبين القدرة على الفعل. فكما أن لكل حرب زعمائها فكذلك لكل جماعة فاسدة أو شبكة فساد جهات سياسية تقف خلفها وتحميها بقدرات الميليشيات والسلاح الذي يطلق عليه المنفلت.

الفساد في العراق شبكة واسعة كثيرة التعقيد بسبب ارتباطاتها السياسية الداخلية والخارجية وبسبب قوة سلاح الميليشيات وكذلك بسبب الدعم الخارجي الذي بات يعيش على قدرات العراق وثرواته، ليتحول الشأن العراقي الآن إلى شأن عربي وإقليمي فضلا عن بعده الدولي الأميركي البريطاني. إن العراق بات الآن مركزا لتغذية صراعات المنطقة واضطراباتها، بعد أن حولته إيران لخزينة كبيرة سائبة يمكن الغرف منها بلا حدود، وبعد أن أسس الاحتلال الأميركي لكل المرتكزات الحالية التي تقوم عليها منظومة الفساد. ويجري تمويل دول وجماعات وأحزاب من الخزينة العراقية ومقدرات العراق، وهو أمر بالغ الخطورة ويجعل من استقلال العراق ونيل حريته مسألة لا تخص العراقيين وحدهم. ولعله من اللافت للنظر قول السفيرة الأميركية "من المهم جدا بالنسبة لنا اعتبار العراق بلدا له أهمية استراتيجية كبيرة، ومنخرطا في دعم استقرار المنطقة وأمنها وتنميتها الاقتصادية ". دعم استقرار المنطقة وأمنها وتنميتها طبقا للاستراتيجية الأميركية وتصورها لشكل المنطقة ونهاياتها.

إن مواجهة الفساد يحتاج إلى توفر السيادة والقرار الوطني والإرادة المستقلة التي لا تخضع لأي ضغوط مهما كانت، وتبقى مواجهة الفساد، مثلها مثل مسائل الأمن القومي، مرهونة لقرار سياسي قوي ويتمتع بإرادة فولاذية. ونظرة للواقع العراقي بصدق تنبأ عن افتقاد السلطة في العراق لكل هذه الأدوات أو ضعفها أمام موجات قوية من الفاسدين الذين استوطنوا في مكامن الدولة وبيروقراطيتها لعقدين طويلين.

الميثاق: بماذا تفسر تأخر إعادة إعمار المدن المدمرة جراء العمليات العسكرية ومخاطر تواجد ميليشيات الحشد بينها بحجة التدقيق الأمني؟

الخطاب: رغم مرور وقت طويل على انتهاء العمليات العسكرية في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة تنظيم الدولة، والتي باتت تعرف بالمناطق المدمرة بسبب حجم الدمار الذي تعرضت له، إلا أن تلك المناطق المنكوبة لا تزال تعيش أوضاعا مأساوية بسبب غياب الإرادة السياسية في إعادة إعمارها وبسبب من تعقيدات المعادلة الطائفية في العراق حيث أخذت هذه المناطق بعدين اثنين. الأول الوضع الديموغرافي واحتمالاته حيث أن هناك رفضا لعودة كثير من المهجرين إلى ديارهم تحسبا للأبعاد الديموغرافية الجديدة، إذ بات غرب الموصل قاعدة أساسية من قواعد الفصائل الشيعية المسلحة لإدارة وإحكام السيطرة الديموغرافية في أعالي غرب العراق بغاية تحقيق ربط إيران بالحليفة سوريا عبر العراق. والثاني هو استقرار ميليشيات الحشد الشعبي في بعض تلك المناطق وتحولها إلى قوات احتلال ونهب غير مشروع بعد أن قام تلك الميليشيات بفتح مكاتب تجارية لها في تلك المناطق.

ومثل قضية الفساد وتشابك علاقاته الداخلية والخارجية، تتشابك خيوط محاولات إعادة الإعمار حيث تستمر الصراعات الإقليمية في بعديها الأميركي والإيراني على النفوذ وإدارة المحافظات وبيع المناصب وتضارب المصالح. وإذا كانت مناطق العراق في أغلبها لا تشهد حركة حقيقية للإعمار فما هو الظن بمناطق جرى تصنيفها تصنيفا معينا من قبل قوى فاسدة وولائية. أما ما يسمى بالتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، فإنه وبعد أن انتهى من تدمير الموصل، كمثال، بعمليات عسكرية بمشاركة كاملة مع الإيرانيين، فإنه تنصل بعد انتهاء المهمة وعاد ليتبرأ من المشاركة في الإعمار بحجة وجود نفوذ إيراني وجماعات إيرانية ستقوم باستغلال أموال إعادة الإعمار. وكما هو الحال في الموصل فإن صراع إرادات قوي يجري في غرب العراق حيث يتصارع النفوذ الإيراني والأميركي ويتنافس لكسب مجموعات قبلية و(سنية) برزت حديثا وباتت تنطق باسم السنة.

الميثاق: ما زالت مدينة جرف الصخر تعاني من حصارها وتهجير أبنائها رغم وعود السلطة الكاذبة؟ من المستفيد ولماذا؟

الخطاب: تعتبر منطقة جرف الصخر، جنوب العاصمة بغداد، أبرز مثال على طبيعة النوايا التي تكنها إيران لشكل العراق الجديد في حال تمكنت منه عبر سيطرة وهيمنة ميليشياتها. ففي الوقت الذي شن تحالفا دوليا حرب استئصال على المناطق التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة، وقام ذلك التحالف بدعم وتأييد قوة (عراقية) على الأرض من ميليشيا الحشد الشعبي تأتمر بأوامر جنرال في الحرس الثوري الإيراني، في مشهد يؤكد من جديد مدى التفاهم العميق بين الولايات المتحدة والغرب وبين إيران على الساحة العراقية. ورغم انحسار سيطرة تنظيم الدولة، قامت الميليشيات الولائية بمنع أهالي المنطقة من العودة إليها واستوطنتها بدلا منهم. إذ قامت ميليشيات ما يسمى بحزب الله وبدر والعصائب باحتلال المنطقة واتخاذها قاعدة إرهابية.

ورغم كثرة الكلام عن دواعي السيطرة على المنطقة واعتبارها معسكرا للسلاح أو المخدرات أو كونها معتقلات خاصة، إلا أن الحقيقة تبقى بأن جرف الصخر مثال واضح على مصائر السنة في العراق الذين يتعرضون لموجات من التغيير الديموغرافي المتتابع وحسب الظروف المتاحة. وتمثل جرف الصخر نقطة ارتكاز ورأس جسر في مشروع التغيير الديموغرافي حيث أن أهميتها الرمزية تنبع من كونها تقع في حزام بغداد المنيع وهو حزام سني بالأصل مثلما أنها تشكل بؤرة اختراق لبقية الحزام. وينطبق هذا الأمر أيضا على منطقة الطارمية شمال بغداد والتي تشكل أيضا جزء من حزام بغداد، التي تتعرض هي الأخرى لمحاولات مستمرة ولكنها متدرجة حتى تصل إلى غاياتها. الأميركيون لا ينسون منطقة جرف الصخر وهي جزء مما كان يعرف أثناء الاحتلال البغيض ب "مثلث الموت" الذي أذاق الاحتلال أقسى صنوف الموت جراء مقاومته الباسلة، لذلك هم لا يشملون جرف الصخر بدعاوى حقوق الإنسان عندهم.

مقالات متعلقة