حوار الميثاق مع الدكتورة نازدار سجادي
(باحثة وأكاديمية متخصصة بالسياسة الدولية)
الميثاق/ بتقديرك أين تتجه بوصلة الحرب بالواسطة بين أمريكا وإيران وهل حان الوقت لتصبح مباشرة؟
نازدار/ أمريكا لن تدخل في حروب مباشرة بعد الآن لا في منطقة الشرق الأوسط ولا في العالم, فبعد ما حدث من تبعات احتلال العراق عام ٢٠٠٣ وخسارتها لمصداقيتها على المستوى المحلي الأمريكي والدولي لن تجازف بالدخول في صراعات مباشرة تكلفها الكثير من الخسائر المادية والبشرية هذا من جهة, ومن جهة أخرى فإن منطقة الشرق الأوسط على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة ولن تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية أي اتهامات جديدة بإشعال فتيل الأزمات في المنطقة من جديد, حيث يكون التناوش بين إيران وأمريكا عبر طرف ثالث وأرض أخرى غير حدود بلديهما
بالنسبة لإيران تستخدم الجماعات المسلحة الموالية لها في المنطقة والموزعة على العراق وسوريا ولبنان واليمن وتدخل تلك الدول في دائرة الصراع الدائر, حيث تحاول جاهدة استفزاز الولايات المتحدة للدخول في تلك الدائرة للرد والتي تعي جيدا نوايا إيران وليس من السهل لدولة عظمى كأمريكا الوقوع بهذا الفخ خاصة وأن الانتخابات الأمريكية على الأبواب، إضافة إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية غيرت إستراتيجيتها في التعامل مع مشكلات الشرق الأوسط تحديدا والعالم أجمع بالابتعاد عن الحروب المباشرة قدر المستطاع ما لم يمس أمنها القومي مساسا مباشرا؛ لأنه أضر بالنظام الليبرالي التحرري والديمقراطية الذي تدعي به, فيكون الرد محددا بقصف مواقع تلك الجماعات المسلحة عبر تلك الأراضي التي تعود لتلك الدول, فكل تلك العمليات هي حروب بالوكالة حرب باردة تخوضها الولايات المتحدة في إقليم الشرق الأوسط ومن ينفذها الموالين للطرفين في هذا التصعيد.
الميثاق/ قيل الكثير عن رسالة واشنطن لبغداد حول مستقبل العلاقة بينهما؛ ما هي قرأتك لتوقيت صدورها؟
نازدار/ علاقة واشنطن ببغداد ليست علاقة اختيارية وإنما أمر واقع ومفروض على العراق والمنطقة, فخروج الولايات المتحدة من العراق يعني إشعال فتيل أزمات جديدة مفتعلة فيه قد تعود عليه وعلى المنطقة بالويلات, إضافة إلى بقاء الولايات المتحدة في العراق يخدم المصالح الإيرانية كثيرا في مشروعها السياسي في المنطقة, حيث إن بقاء أمريكا هي وسيلة وذريعة لاستمالة الشارع العربي والإسلامي ضد مبدأ الاحتلال وتشويه صورة الديمقراطية والتحررية التي تدعي بها لضمان عدم تكرار تجربة الديمقراطية وتعميمها في عموم المنطقة التي تتسم أنظمتها بالدكتاتورية والسلطوية من جهة, ومن جهة أخرى دعم الجماعات المسلحة التي تخدم الأجندات الإيرانية بولاء مطلق في العراق والمنطقة, والعكس صحيح, فأمريكا بحاجة إلى إيران لضمان بقائها في العراق والمنطقة وفق أجنداتها لضمان عدم زعزعة الأمن والاستقرار الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين, ولاحظنا أن الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة زادت وتيرتها في السنوات الأخيرة وإن لم تصب أهدافا أمريكية مباشرة ولم تلحق خسائر بها لكنها قد تنذر بحدوث شيء آخر نتركه لوقته.
الميثاق/ كل شيء في العراق بات منتهكا، لكن ما يجعلنا نشعر بالخيبة ليس غياب الرادع لهذه الانتهاكات لسيادة الدولة وإنما غياب الإرادة لمواجهتها على المستوى الداخلي والخارجي؛ كيف تقرأين هذه المقاربة؟
نازدار/ السيادة كلمة واضحة وصريحة حدود دولية محرم انتهاكها من أي جهة وتحت أي مسمى ومن يسمح بذلك فهو خائن لأرضه وبلده هذا لو كان يشعر بالانتماء لتلك البقعة الجغرافية, وما يحدث في العراق فإن مسوغ السيادة ينظر له على أساس تصفية صراعات محلية أو عدم توافق سياسي بين أطراف سياسية داخل العراق تسوغ بمشروعية الانتهاك مما قسمه بين مؤيد ومعارض وللأسف هذا ما يحدث في العراق فانتهاك دول الجوار يساعد في تنفيذ بعض المخططات المحلية التي تعاني الحكومة الاتحادية عجزا في إيجاد الحلول لها فتتدخل الجارة لحل المشكلات العالقة, فإقليم كوردستان هي المنطقة الأكثر بروزا في العراق من ناحية الانتهاكات الخارجية لسيادة العراق, الغرض منها فرض الهيمنة الكاملة على الإقليم, وعلينا أن نعي بأن لا الحكومة الاتحادية ولا دول الجوار( تركيا وإيران) يريدون لتجربة إقليم كوردستان أن تفشل, فتركيا تشن هجمات على مواقع العمال الكردستاني الموالي لإيران ضمن مناطق إقليم كوردستان وهذا انتهاك صريح للسيادة العراقية لكن تركيا ترسل رسائل لإيران عبر الأراضي العراقية بأنها لن تسمح بأي تجاوز على أمنها الإقليمي وإن إيران لن تحتكر الساحة العراقية كاملة وضمان بقاء الإقليم على خارطة العراق يعني ضمان أمن الحدود التركية وكذلك ورقة ضغط على الحكومة العراقية التي تعتبرها تركيا موالية لإيران
أما إيران والحكومة الاتحادية العراقية فيريدون إقليما وفق معاييرهم وليس بالنظام الحالي القائم, وذلك لأن العراق ماض إلى تعميم فكرة الأقاليم في الوسط والجنوب وإن كانت بنفس الآلية التي تدار بها في إقليم كردستان فهذا يعني تقليل سلطة السلطة الاتحادية وسطوة الأحزاب واللامركزية في القرار ولن يتسنى للدولة الجارة بتنفيذ أجنداتها على بقعة لا سلطة لها عليها, إذا يحاولون بالهجوم العسكري تارة وممارسة أنواع الضغوط الاقتصادية والسياسية تارة أخرى على الإقليم لإجباره على أن يتلاءم مع المعايير والخطط التي رسمت مسبقا, وهنا نرى فهما خاطئا للمنظور الديمقراطي في النظام الفدرالي وهو جوهر الخلاف بين الطرفين.
الميثاق/ أين تكمن المقاربة بين تمادي إيران وميليشياتها على السيادة العراقية وتبريرها عندما تنتهك من إيران؟
نازدار/ السيادة العراقية لإيران ليست سوى مصطلح مرن تتعامل معه بكل سلاسة, فهي في الظاهر لا تتجاوز على الحدود العراقية وتدعو إلى احترام سيادة العراق, لكن الواقع يقول بأن العراق منتهك ليس فقط من إيران ولكن أيضا من تركيا بحجة حماية أمنهما القومي, وإن كانت الانتهاكات الإيرانية هي الأبرز ومسوغة من قبل بعض الجماعات السياسية التي وللأسف غلب عليها الطابع المذهبي على الوطني فلا تشعر بانتمائها إلى أرض العراق الطيب وفي نفس الوقت لا تريد أن تخسر المكاسب التي اكتسبتها من الدعم الخارجي وضمان بقائها في الساحة السياسية والسلطة, مما جعل العراق ساحة ترتع وتلعب بها القوى الإقليمية
أما بالنسبة للجماعات المسلحة فإن هذا موضوع خارج عن سيطرة الحكومة الاتحادية, فمشروع إيران السياسي في المنطقة قد تم العمل عليه منذ عقود وليس وليد العقدين الماضيين لكن سقوط النظام السياسي السابق مهد الطريق وبشكل كبير لتنفيذ هذا المشروع, ليس فقط في العراق وإنما في سوريا ولبنان واليمن وبعض دول إقليم الشرق الأوسط, ولا ننسى أن الولايات المتحدة الأمريكية خدمت المشروع الإيراني باحتلالها للعراق وتخدمه أكثر بتواجدها في المنطقة حيث يتم دعم وتمويل الجماعات المسلحة بحجة مقاومة الاحتلال.
الميثاق/ تحاول إيران وميليشياتها السعي للهيمنة على قرار القيادة الكردية بفرض إرادتها وتحويل أربيل إلى ساحة حرب/ لماذا؟
نازدار/ ما حدث في أربيل فعل يفوق أي تبرير أو تفسير من الجماعات المسلحة, فالعدوان الإيراني على عاصمة الإقليم أربيل كان انتهاكا واضحا وصريحا للسيادة العراقية وإيران أقرت بمسؤوليتها عنه, وبغض النظر عن فكرة تبرير الجماعات المسلحة لهذا العدوان نظرا لأنني وضحت موقفهم أعلاه, أركز هنا على أهداف إيران وأبعاد هذا العدوان, فلهذا العدوان أبعاد اقتصادية وسياسية عديدة خاصة وأن هذا السيناريو تكرر وبنفس التفاصيل قبل سنتين حين تم استهداف رجل أعمال بارز في أربيل وعائلته لكن دون تسجيل أي خسائر بشرية, وفي توقيتات محددة كقمة اقتصادية عالمية أو منتدى أو اتفاقية ثنائية, وهنا نستنتج أن الهدف منه هو زعزعة الوضع الأمني والاقتصادي في إقليم كوردستان لضمان وقف ضخ الإمدادات المالية المتمثلة برؤوس الأموال لأغراض الاستثمار عبر المستثمرين الأجانب وذلك لتحجيم وتحديد خيارات الإقليم الاقتصادية مع إيران فقط وعبر الحكومة الاتحادية وضمان بقائه ضعيفا هذا من جهة
ومن جهة أخرى تحاول إيران سياسيا أن تضع الإقليم ضمن دائرة الولاء العراقي لها, أي إن إيران استطاعت أن تنشر أذرعها على عموم العراق لكن الإقليم وتحديدا أربيل ورغم مرونة الكورد الحذر في التعامل مع الجانب الإيراني إلا أن إيران لم تستطع إلى الآن أن تملي عليهم شروطها ليتلاءم مع مشروعها السياسي، وأيضا ليتم استخدامهم كورقة ضغط ضد تركيا, إضافة لإيصال رسالة إلى المحيط الإقليمي والدولي بأن إيران قوة إقليمية كبرى لا يستهان بها في المنطقة وإن مشروعها قائم رغم كل التحديات, وأخيرا محاولة إيران توسيع دائرة الصراع إلى أكبر دائرة ممكنة لجر أطراف إقليمية ودولية إلى داخل تلك الدائرة وتصعيد وتيرة التحديات للوقوف بقوة أمام قرارات المجتمع الدولي ضد إيران وتشتيت التركيز حول مشروعها النووي والتوسعي في المنطقة.
الميثاق/ أنت متخصصة بالسياسة الدولية؛ لماذا تسعى إيران في جر المنطقة عموما إلى حرب وصراع، ما هو الهدف من ذلك؟
نازدار/ إيران هي إحدى الفواعل الإقليمية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط ولا يستهان بها كقوة كبرى إلى جانب تركيا إضافة إلى إسرائيل التي تتحكم باستقرار دائرة الأمن الإقليمي، خاصة وأن كلا من إيران وتركيا أصحاب مشروع سياسي في المنطقة، وبالرغم من أن العرب هم أكبر مكون إثني في المنطقة إلا أنهم بلا مشروع سياسي، لذا فإن أي تصعيد من هاتين القوتين يجر المنطقة إلى تحديات أكبر.
منطقة الشرق الأوسط لم ولن تشهد استقرارا سياسيا أو أمنيا أو اقتصاديا, وذلك لوجود فواعل كثيرة منها إقليمية ومنها دولية تتدخل لضمان عدم استقرار هذه البقعة الجغرافية المهمة في العالم خدمة لمصالحها, ووجود إسرائيل ضمن تلك المعادلة الإقليمية إلى جانب الحليف الدولي أمريكا يجعل من منطقة الشرق الأوسط منطقة متقدة وعلى فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة، لكن ليس مع بعضهم البعض, فإيران تعي جيدا المخططات الأمريكية في المنطقة وتعي جيدا الأهداف الخفية لتقسيم الشرق الأوسط وتستخدم كل الوسائل المتاحة لتشتيت الانتباه حول مشروعها النووي للوقوف كقوة نووية جديدة تملك سياسة الردع النووي حال إسرائيل, لكنها لا تحاول أن تصعد الصراع المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل التي تفوقها بالدرع النووي والتي تعمل على تمشيط مناطقها وتصفيتها من سكانها الأصليين، وما يحصل في غزة أكبر دليل على تقسيمات جديدة لشرق أوسط جديد, وعليه يجب أن تبقى المنطقة متقدة لتنفيذ أجندات إقليمية ودولية والتي هي متفق عليها مسبقا بين أغلب الأطراف.
الميثاق/ ما هي معلوماتكم عن فحوى الرسالة الأمريكية للحكومة العراقية وتوقيتها؟
نازدار/ الولايات المتحدة الأمريكية أدركت إبان خروجها من العراق عام ٢٠١١ أنها قد خسرت الكثير من مصداقيتها في الداخل والخارج الأمريكي وبعد خروجها منه تركت الساحة للقوى الإقليمية لتحكم سيطرتها على المنطقة, إضافة إلى فتح منافذ الولوج الروسي والصيني إلى إقليم الشرق الأوسط الذي كان من الصعب عليهم النفاذ إليه نظرا لعائديته لأمريكا بحكم الولاءات العربية والتحالفات الإقليمية لضمان أمن واستقرار أنظمتها الحاكمة, وهذا الولوج الروسي الصيني نتج عن ضعف الدور والتواجد الأمريكي نتيجة ضعف إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في وقتها, لكن مع تولي إدارة الرئيس دونالد ترامب للسلطة أدرك الخطأ الكبير في ضعف التواجد الأمريكي في المنطقة وبدأت محاولات إثبات الوجود الأمريكي في المنطقة وتحديدا العراق وسوريا اللتين شهدتا عدم استقرار سياسي وأمني نتيجة ظهور تنظيم داعش الإرهابي على أراضيهم, والعراق تحديدا شهد عدم استقرار سياسي وأمني مهد لسيطرة الجماعات المسلحة والأحزاب على الساحة السياسية فيه، فكان من المنطقي أن تبدأ مرحلة جديدة لإثبات الوجود الأمريكي في الساحة الإقليمية والعراقية تحديدا لمحاربة الإرهاب الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين, وأمريكا كانت ترسل رسائلها المباشرة وغير المباشرة قبل وبعد تلك الأحداث إلى العراق لضمان بقائها ضمن دائرة القرار السياسي في العراق ولن تسمح بإلغاء دورها أو تتنازل عن مكاسبها خاصة وأنها من حررتهم من النظام السابق ومن التنظيم, والعراق يعي ذلك جيدا ويعلم أن أي تهديد أمريكي يأخذ على محمل الجد, وعلى العراق أن يختار إما المصالح الإقليمية أو المصالح الدولية وبين هاتين أصبح ساحة لتصفية الحسابات في المنطقة من قوى دولية تريد بسط نفوذها وهيمنتها على المنطقة وقوى إقليمية تسعى لذات الغرض.
الميثاق/ التسريبات تكشف تهديد واشنطن لبغداد برفع يدها عن حماية الأموال العراقية في مصارف أمريكية ووقف الدعم للحكومة في العراق إذا لم يتمكن السوداني من وقف الهجمات على القوات الأمريكية/ أين تكمن خطورة هذا التصعيد؟
نازدار/ الولايات المتحدة الأمريكية وكما ذكرت سابقا لن تدخل في حروب وصراعات مباشرة في المنطقة قد تكبدها خسائر كما حصل سابقا إبان احتلال العراق, عوضا عن ذلك تستخدم عامل الضغط الاقتصادي كوسيلة ضغط على الحكومة العراقية حيث باستطاعتها تدمير النظام الاقتصادي العراقي ووقف الدعم للمصارف وكذلك دعم الحكومة وبالتالي وبكل سهولة ينهار الاقتصاد وبالنتيجة انهيار للحكومة والنظام السياسي القائم فيه, فالعامل الاقتصادي هنا يلعب دورا مهما وكان هذا واضحا من خلال الرسائل الأخيرة التي أرسلتها الإدارة الأمريكية في وضع الكثير من المصارف والشركات ضمن القائمة السوداء لمشاركتها في تهريب العملة ودعم إيران والجماعات المسلحة، وكان تأثيرها سريعا ومباشرا في ارتفاع أسعار الدولار الأمريكي في العراق خلال الأشهر السابقة والذي عجزت الحكومة في إيجاد حلول لها لولا التدخلات الأمريكية لإعادة السيطرة عليه.
الميثاق/ هل تعتقدين أن الإدارة الأمريكية جادة في تعاطيها مع عجز حكومة السوداني في ضبط إيقاع المليشيات الولائية، خصوصا أن التسريبات تشير إلى احتمال رفع يدها عن النظام السياسي إذا لم تلتزم حكومة السوداني بالشروط الأمريكية، وكانت السفيرة الأمريكية بالعراق قد هددت بأن هذا إنذار أمريكي لحكومة السوداني علما أن 70% من الشعب العراقي لا يؤيدكم.
نازدار/ الحكومة العراقية تعاني من ضغوطات إقليمية ودولية يصعب التعامل معها نظرا لولائية بعض الجماعات فيها لإيران، خاصة وأن بقاء تلك الأحزاب والجماعات المسلحة مرهون ببقاء الدعم الإيراني لها في المنطقة, وأيضا الخوف من السطوة الأمريكية وعقوباتها, وهنا يكمن التحدي, فالحكومة لا تستطيع أن تتخذ قراراتها بصورة حيادية مع تزايد الضغوطات من قبل الجماعات الموالية وكذلك أمريكا ولا تستطيع أن تقف بوجه أحدها أمام الأخرى، وعليها أن تختار ولن يكون الخيار بصالحها أيا كان.
فإيران لن تسمح بتقويض سطوتها على الساحة السياسية العراقية والتي تعتبرها ساحة لتصفية مشاكلها الإقليمية والدولية بعيدا عن أرضها وتحديدا مع الولايات المتحدة, وأمريكا كذلك ليست على استعداد أن ترفع يدها عن العراق بعد أن تكبدت ما تكبدته خلال العقود الماضية لبسط هيمنتها على المنطقة, لذا فالموقف العراقي خطر مع زيادة النفوذ والضغط الإيراني فيه قد يجر العراق والمنطقة إلى مشاكل جديدة ضمن توسع دائرة الصراعات والتوترات الإقليمية.
الميثاق/ حكومة الإطار الشيعي تحاول زج العراق بصراعات إقليمية لمصلحة إيران ومشروعها الطائفي بالمنطقة؛ ما هي خطورة هذا المنحى؟
نازدار/ الساحة العراقية وكما ذكرت سابقا أمست ساحة حروب بالوكالة وتصفية صراعات إقليمية، ودخوله في هذه الدائرة هو المنحنى الخطر الذي يتخوف منه عقب كل انهيار لنظام سياسي نظرا لغياب الدولة والقانون وانهيار مؤسساته فتصبح ساحته وحدوده مباحة لكل من هب ودب وتصبح مرتعا للجماعات المتطرفة والإرهاب والتدخلات الأجنبية، وإذا لم يكن هناك نظام بديل يأخذ بسرعة زمام الأمور فقد يجر البلد إلى هاوية عميقة لا تحمد عقباها, والعراق شهد الكثير بعد سقوط النظام وجر الكثير من الويلات والحروب الطائفية إضافة إلى نظام حكم مبني على المحاصصة والمخاصصة والأغلبية دفعت بالولاء للهوية الوطنية والانتماء خارجا عن تلك الدائرة وإن كنت أرى بأن الشارع العراقي أكثر وطنية من ساسته لكن الحكم لمن في الحكم, فالانقسام موجود بين مؤيد ومعارض واعتقد بأن الأوان لم يفت بعد, فبعد ما شهده العراق ليس من السهل على تلك الجماعات المبشرة بالولاء أن تستمر بخدمة المشروع الإيراني واعتقد أن إيران دولة لها مكر السياسة تعي جيدا ما تقوم به, ولأنهم أصبحوا ظاهرين للعلن وتم استهلاكهم وأصبحوا أهدافا سهلة فإما أن يستبدلوا أو أن تتغير إستراتيجية الولاءات بصورة كاملة.
الميثاق/ أكد قائد ما يسمى كتائب "سيد الشهداء" العراقية أبو آلاء الولائي رفض التحدث عن إيقاف العمليات أو تخفيفها ما دامت جرائم إسرائيل مستمرة في غزة والاحتلال الأمريكي قائما في العراق؛ أين تكمن المفارقة بين الرؤيتين والموقفين المتناقضين؟.
نازدار/ إن مسألة إسرائيل وغزة هي ليست سوى كلمة حق يراد بها باطل, فنحن نرى بأن تلك العمليات التي تشن بدافع الدعم العربي لغزة ومقاومة الاحتلال لم تتم في الداخل الإسرائيلي ولم تشمل أيا أهداف أو مصالح إسرائيلية, وهذا يوضح أن تلك الحجج هي حجج واهية يراد بها تغطية تلك العمليات التي لم تستهدف ولا واحدة منها إسرائيل أو حليفتها أمريكا, فليست لدى تلك الجماعات ومن يدعمها القدرة على مواجهة إسرائيل أو أمريكا فتجعل من العراق الساحة المباحة لعرض العضلات وبات هذا ليس بشيء غريب فكل مشكلة تحدث في الشرق الأوسط يتم التعبير بالامتعاض عنها على الأرض العراقية, والغرض منها بقاء المنطقة متقدة بدائرة الصراعات واستمالة المشاعر العربية والإسلامية لتنفيذ أجندات إقليمية ودولية.
الميثاق/ في الوقت الذي تعجز إيران وميليشياتها عن مواجهة الولايات المتحدة تهرب إلى تهديد الملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر؛ لماذا هذا الموقف الذي يتناقض من وحدة الساحات المزعوم في مواجهة إسرائيل؟
نازدار/ إيران لن تستطيع مواجهة إسرائيل هذا واضح ومعلوم, لكون إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك سياسة الردع النووي, حيث إن إسرائيل لم تدخل في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية واستطاعت أن تعزز ترسانتها النووية دون أي قيود وإن لم تفصح عن ذلك علنا, فالمنطقة كلها تعي خطورة المواجهة مع إسرائيل وليس فقط إيران, لكن إيران تسعى لأن تكون الدولة الثانية في المنطقة التي تمتلك سياسة الردع النووي وتتحمل كل العقوبات والعقبات وتستخدم كل الوسائل للوصل إلى أهدافها للحفاظ على ميزان القوى في إقليم الشرق الأوسط الذي تميل كفته لإسرائيل الآن, ولحين الوصول لهذا الهدف ستبقى على دائرة الحروب بالوكالة ودعم الجماعات المسلحة وزعزعة الأمن الإقليمي مع زيادة الرقعة الشيعية ضمن مشروع الهلال الشيعي ولن تدخل في حروب مباشرة لا مع إسرائيل ولا أمريكا قد تكلفها خسائر وعواقب وذرائع تدخل دولي في شأنها الداخلي, فتلك قوى ليس من السهل تصعيد الوضع معهم وتبقى البدائل الأفضل في ساحات دول تعاني من عدم استقرار سياسي وأمني لضمان تنفيذ أجنداتها.
الميثاق/ لماذا تحولت أصوات الدفاع عن سيادة العراق وحقوق مواطنيه وكرامة شعبه، أصواتا نشازا في ظل هذا التردي والانحطاط في الخطاب السياسي لحكومة الإطار الشيعي؟
نازدار/ تحدثت أعلاه عن موضوع السيادة واختصرها الآن بأن السيادة في العراق باتت مصطلحا لا غير يسوغ لها وفق أهواء محلية وإقليمية في الدستور أو في خطاب بين حشود لكن ضمن تصاعد وتيرة المشكلات الأمنية في المنطقة وما تشهده الساحة الإقليمية من عدم استقرار وتشتت الولاءات الوطنية لم نر أي تحرك فعلي ضد أي انتهاك لسيادة العراق ولا حتى بتصريح رسمي محلي وليس أممي, وطالما لم يكن هناك ولاء كامل للوطن فالسيادة تكون منتهكة ومباحة, والحل في إعلاء راية المصلحة الوطنية العراقية فوق الجميع التي ستحفظ العراق كله وليست فقط سيادته.
الميثاق/ إلى متى تبقى جرف الصخر خارج السيطرة بعد أن تحولت إلى مدينة محرمة وخاضعة لإيران وميليشياتها؟
نازدار/ إن مناطق العراق كلها ذات أهمية وكلها مراكز حيوية فالعراق كرقعة جغرافية ذو موقع مهم في الشرق الأوسط باتت بعض مناطقه ساحات كاملة لتنفيذ أجندات إقليمية وللأسف جرف الصخر منطقة من إحدى المناطق العراقية التي شهدت الكثير إبان سيطرة تنظيم داعش الإرهابي عليها وحتى بعد القضاء عليها باتت مقرا لمخازن أسلحة وسجون جماعات مسلحة وعانت الكثير من الانتهاكات ومازالت تعاني فقط لكون رقعتها الجغرافية ملائمة لأجندات لا يراد له أن تكشف للعلن وبقاء هذه المنطقة مرهون ببقاء تلك الجماعات ومن يدعمها.
الميثاق/ في ظل هذا الفشل السياسي والتخبط والسقوط تزداد معناة المعتقلين والسجناء من فرط التعذيب اللمنهج وسط غياب موقف ينصفهم؛ من المسؤول عن ذلك؟
نازدار/ إذا كان القضاء مسيسا فمن الطبيعي أن يكون هناك انتهاكات لحقوق الإنسان فسطوة القانون ليست بيد القضاء وإنما بيد من يسيره.
الميثاق/ حقوق الإنسان بالعراق أصبحت مثارا للسخرية جراء الانتهاكات التي تستهدف آلاف العراقيين؛ ما هي المسؤولية القانونية والأخلاقية لوقف الانتهاكات ضدهم؟
نازدار/ للأسف قضية حقوق الإنسان باتت سلم وصول لمصالح معينة بعيدة كل البعد عن هذا المعنى وفي كثير من الدول ليس العراق فحسب والشواهد من حولنا كثيرة, لكن بالنسبة للعراق فنرى وحسب تقارير منظمة العفو الدولية امنستي التي رسمت صورة مأساوية لحقوق الإنسان في العراق أن نسبة الانتهاكات مرتفعة ولا توجد أي تدابير من الحكومة لوقف هذه الانتهاكات.
حقوق الإنسان مجرد مصطلح أو محض كلام لا تدابير لها على أرض الواقع وبالاستطاعة التنصل من مسؤولياتها بذرائع عدة, فلا مسؤولية قانونية ولا أخلاقية تستطيع أن توقف هذه الانتهاكات لأن الإجابة وببساطة لا توجد حقوق إنسان في مجتمعات غير ديمقراطية, على عكس المجتمعات الديمقراطية التي لا إنكر وجود انتهاكات لحقوق الإنسان فيها لكن إن وجدت فأنها تعاقب على الأقل لحماية النظام الديمقراطي والفكر التحرري المبني على هذا الأساس الذي مارسه لقرون من الزمن, أما في بلد كالعراق عانى ولعقود طويلة من أنظمة دكتاتورية مستبدة كيف له أن يمارس بين ليلة وضحاها نظاما ديمقراطيا لم يعشه! فهو يحتاج عقودا بقدر التي عاشها ليتلاءم مع هذا الواقع الجديد واجيالا جديدة تتربى بعيدا عن مفهوم الدكتاتورية والسلطوية لتعي مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان وتطبقه
ما أود توضيحه هنا أن الديمقراطية هي سلوك ناتج عن تجربة يعيشها الفرد ضمن مجتمع مارس ويمارس هذا السلوك ويحتاج لعقود حتى يتعود على هذا السلوك وليس واقع مفروضا عليه.
الميثاق/ من يوقف ما يجري في السجون العراقية التي تحولت إلى بزار للبيع والشراء وساحات لتجارة المخدرات وسط غياب موقف رسمي لوقفها؟
نازدار/ اعتقد أن هذه المشكلة لا توجد في العراق فقط فأغلب السجون في الدول السلطوية تعاني من هكذا انتهاكات وبنسب متفاوتة نتيجة الفساد, فتلك الظاهرة جديدة على المجتمع العراقي ودخلت فيه عبر دول الجوار التي تستخدم المخدرات كوسيلة, حيث إن استخدام المخدرات كسلاح هي أفضل الطرق وأسهلها التي تستخدمها دولة ضد أخرى أو حتى في داخل البلد نفسه للقضاء على القيم الإنسانية فيه, وعادة ما تكون موجهة ضد فئة الشباب من المجتمعات ليصبح عاجزا عن أي ردود أفعال قد تحسب له, فموضوع المخدرات لا يقتصر على السجون فما هو خارج عن تلك الأسوار أفظع وأكبر وباتت مشكلة تهدد الأمن الوطني للعراق وليس من السهل القضاء عليها طالما هناك حدود مفتوحة وجماعات مسلحة وبلا رقيب, وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى السيادة العراقية وحماية الحدود.
الميثاق/ فايروس الفساد انتقل على برنامج إعمار العراق التابع للأمم المتحدة بعد الكشف عن فساد محكم في عمليات البناء والإعمار من قبل موظفين كبار في البرنامج؛ ما هي مخاطر هذا السلوك,؟
نازدار/ الفساد آفة إذا دخلت أي مجتمع فستفتك بالقيم فيه قبل القانون, وللأسف أصبح هم الكثيرين هو جمع الأموال بأي وسيلة كانت نتيجة للمحسوبيات وعدم الخوف من الحساب لضمان عدم وقوع العقاب, وهذا الظاهرة المتفشية سوف تدمر كيان الدولة ويدعم ضعف الولاء والانتماء حيث تطغى المصلحة الخاصة على العامة وهذه أول بوادر انهيار مؤسسات الدولة والتصدي لها مسؤولية وطنية وإن كان من الصعب القضاء على هذه الظاهرة نتيجة عدم سيادة القانون على الجميع واستطاعة البعض من النفاذ من العقاب بحماية من المتنفذين.
الميثاق/ بتقديرك وقرأتك لتطورات الأوضاع السياسية والأمنية وتقاطع المصالح بالعراق ومحيطه الإقليمي إلى أين يتجه وأبرز ملامحه؟
نازدار/ العراق يعيش مرحلة صعبة ويواجه تحديات سياسية كبيرة لإبراز دوره كفاعل إقليمي في منطقة الشرق الأوسط وبلد ذو سيادة وكيان سياسي مستقر, وهذه التحديات تدفع أغلبها بالحكومة إلى قاع لا يعرف قراره, فإذا لم يتم التحكم المطلق من قبل الدولة على جميع مؤسساتها وسلطاتها الثلاث وعدم السماح بالتدخلات الخارجة عن إطار الدولة ومؤسساتها بالتحكم بالقرار السياسي سواءا بالضغط أو التهديد, ووضع مصلحة العراق أولا وفوق كل شيء فلا أعتقد بأنه سيكون له أي مستقبل مشرق, حيث إن جميع الصراعات الخارجية والمشاكل الإقليمية تضفي بظلالها على الواقع السياسي العراقي شئنا أم أبينا لكونه جزء من هذه المنظومة الإقليمية يؤثر ويتأثر بها، ومحاولة جره إلى صراعات إقليمية ودولية لا ناقة له بها ولا جمل لن يزيد الوضع إلا سوءا, العراق الآن بين مطرقة إيران وسندان أمريكا؛ كلاهما يصفي حساباته على أرضه دون الدخول في أي مواجهات مباشرة، وكلاهما لا يريد التنازل عنه، وهناك من ينجر وراء تلك الصراعات وينصاع لها ويصبح أداة بيدهم، وفي النهاية الخاسر الوحيد هو العراق فحسب, وإن استمر الحال على ما هو عليه الآن فقد يعود به إلى نقطة البداية وقد يشهد تصعيدات أمنية وسياسية لترضية طرف على حساب الآخر, خاصة وأن محاولة الحكومة جادة في حل المشكلات لكن المشكلة تكمن في عدم قدرتها على مواجهة تلك التحديات عبر سلطاتها الثلاث تنفيذية وتشريعية وقضائية التي أصبحت وللأسف مسيسة خدمة لجهة أو أطراف متنفذة تعلو على الدولة والقانون مع عدم مراعاة المكونات الأخرى التي تشاركهم أرض هذا البلد العريق
وما لم يتم العمل بجد على وتيرة المصلحة الوطنية وروح الانتماء والهوية العراقية ومع المشكلات المحيطة والصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط التي تنذر بتقسيم وانقسامات للمنطقة كل ذلك مجتمعا يجعل أي نظام سياسي هش قابل للسقوط والزوال وينذر بانهيار منظومته السياسية والأمنية لا محال.