الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار الميثاق مع الأستاذ معاذ البدري

الميثاق تحاور الأستاذ معاذ البدري (مسؤول قسم الإعلام في هيئة علماء المسلمين)

الميثاق/ كيف تقرأ حصيلة عام 2022 وتركته الثقيلة على مسار الأحداث المتوقعة في العام الجديد؟

البدري/ مثلما جاء في توصيف السؤال؛ العراق خاضع لـ "تركة ثقيلة"، لا تقوى القوى السياسية الطافية على المشهد تحمّل تبعاتها، ولا إدارة مجرياتها، لأنها ببساطة غير مؤهلة لذلك، وليست جديرة بأن تكون ذات تأثير معتبر من شأنه تحمّل هذه التركة أو التعامل معها لإيجاد مخارج آمنة للأزمة، فهذه الأمور لن تجدها في قاموس القوى السياسية وأحزاب السلطة التي وُظفت لإدارة المشهد العراقي.

الحالة العراقية – مع شديد الأسف - ضاربة في تيه مستمر يتنامى تأثيره بشكل مفرط، بحيث لا يعطي مجالاً لمحاولة انتزاع انطباع إيجابي أو استشرف مآل يخرج فيه العراقيون من ظلمة واقعهم إلى ضياء مستقبل مأمول، وبعد كمّ المشكلات التي حفلت بها السنة الماضية والتي هي في الحقيقة امتداد لما سبقها من مشكلات تراكمت بتراكم حكومات الاحتلال المتعاقبة، فإنها تعد مقدمات لكبائر أكثر تعقيدًا، مثلما هو حال كل سنة أو بمعنى أكثر دقة: مثل كل مرحلة من مراحل العملية السياسية، وإذا أردنا أن نتعامل مع الموضوع من وجهة نظر رياضية – من الرياضيات - فلنسمّها "المتوالية العراقية" التي تنقل فيها المشكلة من حالة كونها مشكلة في الأساس لها أسبابها وتترتب عليها مخرجات وآثار؛ إلى (مشكلة زائد واحد) بحيث تكون هي نفسها مقدمة لمشكلات أخرى تأخذ الدور نفسه وتسير على الطور والمنوال ذاته..، وهكذا، وللقارئ الكريم أن يتصور كيف أصبح الوضع بعد عقدين من الزمن وفق هذه المتوالية؟

ولو أردنا الوقوف مع كل حدث أو إحصاء كل أمر لما أمكننا ذلك؛ فنحن نتحدث عن ثلاثمائة وستين يومًا مرّت، في كل يوم منها نستطيع إحصاء عشرات المشكلات سيبقى العراق بلدَا وشعبًا واقتصادًا وأمنًا يدفع ثمن تبعاتها، فكيف إذا أضفنا إليها ما هو مستشرف من مشكلات قادمة تلوح أمارتها في الأفق البعيد قبل القريب؟ لذلك لن تكون الأحداث في هذا العام – والله أعلم – بمنأى عن هذا الواقع الذي يمور بالاضطرابات والفوضى.

الميثاق/ وهل تعتقد أن العراق في ظل هيمنة الطبقة الحاكمة قادر على مواجهة فشل وإخفاقات الأعوام التي تلت الاحتلال؟

البدري/ العراق الغني بكل شيء حقيقة؛ مفتقر لكل شيء واقعًا، فليس فيه نظام سياسي معتبر، ولا اقتصاد قادر على تحمّل تكاليف علاج الأزمات المتلاحقة الرئيسة منها والفرعية، ولا أمن كفيل بحفظ وضبط، لذلك فإنه – بالتأكيد - ليس قادرًا على مواجهة ذلك، لأن الطبقة الحاكمة لا تهتم ابتداءً بأمر المعالجة أو التصحيح، فضلاً عن أن المنظومة السياسية في العراق لم تُبرمج على إصلاح خلل أو علاج فشل، فالإطار المعوج لا يمكنه تقويم المسار.

ولعل من غرائب الأمور في العراق أن المشكلات التي تطوّق البلد من كل اتجاه لا يمكن حلّها أو الدخول إلى حلّها عن طريق المتسببين فيها، رغم أن المنطق يقول: إن المتسبب بمشكلة ما يستطيع أن يعالجها لأنه يعرف مكان الخطأ وسببه، ولكن القوى اللاعبة في المشهد - السياسية منها والميليشياوية - لا شأن لها بحل أو علاج، هي فقط مجّهزة لإدامة الفوضى وإبقاء حالة عدم الاستقرار في العراق، وهي الحالة التي تعد الوقود الرئيس لبقاء العملية السياسية تتنفس حتى وإن كانت عليلة أو مشلولة، فالمهم من زاوية نظر القائمين عليها أن تبقى عاملة تحت أي ظرف وضد أي منطق؛ لأنها والحال هذه تسهم في تنقل مشروع الاحتلال من مرحلة إلى أخرى، وتضمن تحصيل مكاسب القوى المتحكمة في المشهد سواء الدولية أو الإقليمية.

الميثاق/ وأين تكمن تركة تداعيات الفشل الأمني والسياسي والاقتصادي التي أصبحت ظاهرة تتكرر كل عام؟

البدري/ تكمن في النظام السياسي الذي انهار بالعراق نحو حالة الافتقار للاستقرار أو الانضباط؛ نتيجة قيامه على أسس توافقية في ظل محاصصة طائفية وعرقية، وهذه الأسس بطبيعة الحال مُولّدة للصراعات الحزبية، والتنافس المحموم، والاقتتال على المكاسب، وهذا هو شأن الشركاء المتشاكسين الذين يظنون أن الباطل يجمعهم بينما هو أساس فرقتهم؛ وحين تُدار الأمور وفق هذا النمط فمن الطبيعي أن تنعكس هذه الفوضى على الواقع: الأمني والاقتصادي والخدمي والتعليمي، وكل مظاهر الحياة الأخرى.

هذا النظام الذي يقوم على تركيبة غريبة الأطوار لا يقبلها منطق ولا يقرّها عقل من حيث الخلط بين الطائفية والعرقية في تقسم المكونات وانعكاس هذا التقسيم على مسار الحكومات الـمُشكّلة في ظله؛ يُعدّ مصدر كل أزمة ومنبع كل مشكلة، ولا شك بأن المخرجات التي يتلوث بها المشهد العراقي مردها إلى هذا السبب الرئيس، دون إغفال أسباب ثانوية أو آنية تتولد بين حين وآخر ولكنها تعود في آخر المطاف إلى جوهر المشكلة وهي منظومة العملية السياسية.

ومن يتتبع تاريخ هذه المنظومة لا يجد فيه غير الإخفاقات والأزمات، وإلا بأي عرف سياسي أو اعتبار في موازين الأنظمة والدول أن تتولى حكومة ما السلطة مدة أربع سنوات من دون وزارات ذات صلة بالأمن كالداخلية والدفاع؟ أو أن تمسي حكومة يدير رئيس وزرائها أكثر من نصف وزاراتها بالوكالة؟ حصل ذلك في حكومة الاحتلال الرابعة بزعامة "نوري المالكي" بعد خلافات ومصادمات أجبرت فيها أحزاب وكتل سياسية وزراء الحكومة المنتمين لها بالانسحاب في ظل سياسة الضغط والمساومات التي ترتبط وجودًا بقاعدة التوافق والمحاصصة، ولم يتم الالتفات إلى دستور أرباب العملية السياسية الذي من المفترض أن يقضي بإسقاط الحكومة، وإنهاء دورها، تحت بند الفراغ الدستوري، بل بقيت الحكومة قائمة تسن قوانين مشبوهة وتزج بالمزيد من المعتقلين في سجونها، وتبدد الأموال في صفقات فساد فظيعة، وكل ذلك بسطوة صنّاع العملية السياسية: الولايات المتحدة وحلفائها والمتخادمين معها.

هذا مثال واحد عن حقيقة النظام السياسي في العراق، فكيف لا يسير معوجًا على غير هدى، وكيف لا يكون فشله واقعًا على جميع الأصعدة؟!

الميثاق/ حكومة السوداني تتخبط في تعاطيها مع أزمات العراق دون أمل للخروج من النفق المظلم الذي تتخبط به لماذا بتقديرك؟

البدري/ لا بد - وأثناء البحث عن أسباب ذلك – أن نقف عند حقيقة جوهرية لا ينبغي إغفالها عند من يتعاطى مع المشهد العراقي، وهي أن جميع حكومات الاحتلال المتعاقبة في العراق ومها حكومة الاحتلال التاسعة بزعامة "السوادني" على وجه الخصوص؛ ليست من اختيار الشعب العراقي، ولا تحظى باعترافه أو احترامه، لأن مقاطعة العراقيين كانت وما تزال الصوت الأعلى في الانتخابات، وهي – أي: المقاطعة – خيار سياسي معتبر تزداد مساحته بتعاقب حكومات الاحتلال في بغداد، وقد انتهى الحال بحكومة "السوادني" أن تكون نتاج انتخابات هزيلة تمت مقاطعتها من قبل أكثر من خمسة وثمانين بالمائة من العراقيين، وذلك بشهادات واعترافات أقر بها كثير من أحزاب وكتل العملية السياسية نفسها، فضلاً عن أن هذه الحكومة غير جديرة بأن تُحترم فقد شُكّلت وفق قاعدة "فرض الأمر الواقع" على خلفية الصراع بين الكتل والأحزاب والميليشيات التي تمارس وحشيتها في الميدان السياسي المضطرب.

ولذلك؛ فإن حكومة من هذا النوع وبهذا الشكل تعد غريبة على العراقيين وغير منتمية لهم، فلا تشعر بحقيقة معانتهم ولا تهتم لواقع حالهم، ثم إنها غير لائقة لتجري إصلاحًا أو تطهر البلد من الفساد والسرقات، وتفتقر إلى الحد الأدنى من المقدرة على ضبط إيقاع المشهد السياسي، فهي مجرد واجهة تنعكس عليها إرادات "حزب الدعوة" الذي يتحكم بدوره في قوى "الإطار التنسيقي" بوصفه قاعدة عمل حكومة الاحتلال التاسعة، وعلى هذا الأساس لن يكون للأخير من عمل سوى التخبط والعشوائية والترقيع غير المجدي مع أزمات العراق الكبرى.

الميثاق/ كيف تقرأ اشتداد الصراع بين أركان الإطار الشيعي على المناصب ومغانم السلطة؟

البدري/ هذه نتيجة طبيعية لشراكة نفعية قائمة على انعدام الثقة بين أطرافها الذين تجمعهم المصالح تارة وتفرقهم تارة أخرى، والناظر إلى جسم المشهد السياسي في العراق يرصد ذلك باديًا في ظاهرتين أساسيتين، أولاهما: أن كل اتفاق أو توافق ظاهري بين أطراف اللعبة السياسية بالعراق إنما يكون تحت ضغوط الإرادات الدولية والإقليمية؛ لأنها هي المتحكمة بتسيير العملية السياسية وتحديد اتجاه بوصلتها وفق ما تقتضيه مصالحها، وأمّا هؤلاء الذين هم في ظاهر المشهد؛ فمجرد أدوات ووسائل كل حزمة منها تتبع لقوة أو إرادة خارجية تحرّكها كيفما تريد، والظاهرة الثانية: أن جميع من في العملية السياسية يدركون قبل غيرهم أنهم طارئون، وأن مقام السطوة المفرطة بهم لا يطول؛ لذلك يبذلون وسعهم في محاولات الاستحواذ على أكبر قدر من المغانم، وتأمين "مستقبلهم" بتكوين الكم والحجم الأكبر من الأموال – من السرقات الصريحة أو المبطنة من خلال بيع المناصب أو المواقف - التي يحسبون أنها ستكون سبب توفير ملاذات آمنة خارج البلاد حين تنزل مقصلة الحساب بساحتهم، ومن الطبيعي أن يولد هذا الحرص والسعي المسعور تزاحمًا وتصادمًا وإزاحات، تظهر في كثير من الأحيان إلى العلن نتيجة عدم الوصول إلى نتائج مرضية حاول أحد الأطراف بلوغها عن طريق الابتزاز والمساومة.

هذا ما يجري بشكل عام بين الشركاء المتشاكسين، وهو بعينه يحصل داخل الكتلة الواحدة والحزب الواحد، وحين سمحت الولايات المتحدة لـ"الإطار التنسيقي" بتولي تشكيل حكومة الاحتلال التاسعة بناءً على ما تقتضيه المرحلة الحالية من تخادم أمريكي – إيراني، ظهرت رغبات أطراف الإطار المتباينة؛ لأنها في الأساس اجتمعت على أساس حزبي ومصلحي للوقوف بوجه "التيار الصدري" حينما اشتدت الأزمة في وقت سابق، وليس في التوصيف مجازفة لو قلنا إن تشكيل "الإطار التنسيقي" إنما جاء في سياق ردة فعل آنية لجأ إليها "حزب الدعوة" بهدف التقدم خطوة على "التيار الصدري"؛ لأن هذا الحزب أضل من أن يرتبط مع أحد على أساس مشترك، وهو يعبّر عن أقبح أنماط الإقصاء والتهميش حتى داخل "الطائفة" أو "المذهب" الذين يتحدث باسمهما ويروّج لمخططاته في ظلهما، وبعد أن سارت أمور تشكيل الحكومة على هذا النحو؛ وجد "حزب الدعوة" أن من معه في الإطار أتباع وليسوا بشركاء، وأن وظيفتهم في خدمته لتجاوز "التيار الصدري" قد شارفت على الانتهاء، فظهرت معالم الخلافات وبزرت مقاصد التسابق نحو المغانم، التي تشير إلى معترك يلوح في الأفق قد لا يقف عند حدود تفكك "الإطار التنسيقي" ولا يكبح جماحه الإطاحة برئيس الحكومة الذي وجد نفسه أسيرًا يتردد بين تجاذبات قوى "الإطار"، وبات لا يعرف كيف يلبي رغبات كل طرف دون أن يغضب نظيره.

الميثاق/ ما هو تفسيركم لانسحاب الصدر من الحياة السياسية هل هو تكتيك ومناورة أم استجابة لضغوط إيرانية؟

البدري/ ابتداءً إذا كان ثمة من يُجسد ظاهرة الفشل الناجم عن التناقضات الفكرية والسلوكية داخل المنظومة السياسية الفاشلة في مساراتها ومخرجاتها؛ فهو "مقتدى الصدر" بشخصه وتياره، فهو نموذج الفشل المركب الذي لا يستطيع أحد أن يفك عقده بسبب كثرة الخطوط التي جرّبها والطرق التي سار فيها دون بصيرة أو مقصد ذي بال.

الصدر وتياره وميليشياته ليسوا على دراية بماهية التكتيك أو المناورة، لأنهم في حقيقتهم كغيرهم من أحزاب وميليشيات العملية السياسية؛ أدوات يتم تسييرها وأوراق يجري التلاعب بها، غير أن "مقتدى الصدر" له ما يميزه عن غيره؛ بأنه ورقة متعددة الاستعمال، وأداة صالحة لصناعة الفوضى في أكثر من مرحلة من مراحل المشروع الأمريكي المحظي بالتخادم مع إيران، ولكنه فيما يبدو قد بلغ هذه المرة مرحلة شبه نهائية، إذ تمت إزاحته وتحجيمه رغم أنه - من منظور العملية السياسية – من المفترض أن يشكّل الحكومة تحت مزاعم فوزه في الانتخابات، ولكن هذا لم يحصل.. وأقول: "مرحلة شبه نهائية" لأن الأمر متعلق بتطورات حالة التخادم الأمريكي - الإيراني أو بمآلات ما يسميها الكاتب الكبير "طلعت رميح" حالة التضاغط الاستراتيجي بين واشنطن وطهران، فإذا تطلب الحال أن يُطلب من "مقتدى الصدر" العودة إلى الواجهة مرة أخرى فسوف يعود؛ لأن ظاهرة تيّاره القائم على "التحشيد البشري" مادة مناسبة لإيقاد الفوضى والعبث الأمني وهذا أعز ما تطلبه العملية السياسية دائمًا بين مراحل تنقلها، ولن يكون بمقدوره عدم العودة لأنه من أدوات العلمية السياسية، ومستخدم فيها، وما يزال لتياره نصيب وحصص فيها، لذلك فالصواب أن يقال: ما فعله "مقتدى الصدر" من انسحاب وانزواء بعد مسرحيات الاستعراض في مظاهرات المنطقة الخضراء والصدامات المسلحة مع شركائه المتخاصمين في "الإطار التنسيقي" هو رضوخ لإيران وليس مجرد استجابة لها، لأن الاستجابة تقتضي وجود احترام في التعامل والتعاطي، وهذا منعدم مؤخرًا بين أطراف "البيت الشيعي" كما يسمّونه داخل العملية السياسية من جهة، وبين إيران التي تتحكم بهم جميعًا عبر خطوط كثيرة من جهة أخرى.

الميثاق/ شهد العام 2022 نشاطًا سياسيًا وفكريًا وثقافيًا متميزًا لهيئة علماء المسلمين ماهي أبرز ملامحه واتجاهاته؟

البدري/ تستمد أنشطة هيئة علماء المسلمين في العراق اتجاهاتها من طبيعة بُنيتها وفي ظل ثوابتها؛ فالهيئة التي تعد ذات السبق في واقع العراق المعاصر في التأسيس لقاعدة الفكر الجمعي التي تقوم على إلغاء الحواجز الحزبية وقيود الانحيازات الفكرية، والتهيئة للبناء العملي لهذه القاعدة على المساحات المشتركة بين الاتجاهات العاملة في الساحة الإسلامية؛ لذك فإن أنشطتها ذات اتجاهات كلية في الأداء والمقصد، سواء في النشاط العلمي والدعوي، أو الإغاثي والاجتماعي، أو الحقوقي والمهني، أو الثقافي والفكري، فضلاً عن السياسي والإعلامي.

هذه مقدمة لا بُد منها؛ ليتعرّف القارئ الكريم على المسار الذي تسلكه هيئة علماء المسلمين في عملها بشكل عام، وليدرك ابتداءً أن مجالات هذا العمل متوزعة بالتساوي بين أصنافه، فما تقدمه الهيئة سياسيًا وإعلاميًا يوازيه عمل علمي ودعوي، ومثله ثقافي واجتماعي، وحقوقي وإغاثي، وهكذا، بيد أن النشاط السياسي وما يتعلق بمواقف الهيئة في الشأن العام عراقيًا كان أو غير عراقي؛ يحظى بالنصيب الأكبر في التداول إعلاميًا؛ نظرًا لأن وسائل الإعلام تهتم بمستجدات الأحداث وتطوراتها فيكون للموقف والرأي السياسي بروز وظهور، وإلا فإن منصات هيئة علماء المسلمين في العراق تسلّط الضوء على كل الجهود آنفة الذكر بكافة أصنافها وعلى تنوع ميادينها.

ولعل النشاط الأبرز الذي حظي بتداول واسع وأصداء بعيدة المدى في العراق والعالم الإسلامي؛ ما قدّمته هيئة علماء المسلمين في سياق أنشطتها العلمية والاجتماعية في السابع عشر من جمادى الأولى 1444هـ - الموافق 11/12/2022م من تكريم واحتفاء لكبير علماء العراق فضيلة الشيخ العلامة "عبد الملك السعدي" - وهو بشخصه الكريم أحد أعمدة الميثاق الوطني العراقي - تقديرًا لجهوده العلمية ومسيرته التعليمية الطويلة، بحضور ما يقرب من مائتين وخمسين شخصًا بينهم نخبة كبيرة من العلماء والأكاديميين والباحثين وطلبة العلم والمثقفين وذوي التخصص في مجالات مختلفة.

وفي الشأن العلمي والدعوي فإن لمنصة "غياث" جهدًا مستمرًا في الدروس والمحاضرات العلمية التي تتم عبر التقنيات التكنولوجية والتي تقام على أكثر من اتجاه منها الاتجاه المنهجي المكثف، واتجاه المناسبات والتواريخ المعينة، والخط غير المنهجي المستمر على مدار العام، بموازاة جهود قسم الدعوة والإرشاد والقسم العلمي في الهيئة اللذين يشرفان على المنصة في إدارة ودعم مراكز الإقراء والمراكز العلمية وحلق ودورات تحفيظ القرآن الكريم وتدريس علومه في داخل العراق.

وواصل قسم الثقافة في العام (2022) إنتاجه من المطبوعات والإصدارات والكتب في ميادين مختلفة ضمن عدد من المجالات، أبرزها: العلوم الشرعية كالفقه وأصول الفقه، والحديث وعلومه، واللغة العربية وآدابها وفنونها، والدراسات التاريخية، والحقوقية، والتوثيقية، والسياسية، فضلاً عن المطبوعات المتنوعة لمؤسسة البصائر التي تمتاز بطباعتها الأنيقة ذات النوعية والجودة العالية، وقد وشارك بها في معارض الكتب الدولية، ولا سيما معرض عمّان في نسخته الحادية والعشرين، ومعرض الكتاب العربي في إسطنبول بنسخته السابعة، وغيرهما.

وأمّا في ميدان حقوق الإنسان؛ فلم يقف قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين عند إحصاء وتوثيق ما يجري في العراق من انتهاكات وجرائم ممنهجة بحق العراقيين عمومًا والمعتقلين منهم على وجه الخصوص، ولم يكتفِ بإحياء المناسبات ذات الصلة بالحريات والحقوق العامة من أجل استثمارها لبيان حقيقة ما يجري في العراق؛ بل عكف القسم على التحليل والدراسة والعمل الجاد في تبويب جهد الهيئة في هذا المجال بغية إيصاله إلى المنظمات المعنية بذلك.

وللهيئة أنشطة أخرى في غالبها غير معلنة، ولا سيما ما يتعلق بدعم طلبة العلم، ورعاية الأسر المتعففة، وعائلات الأرامل واليتامى، فضلاً عن الحملات الإغاثية والإنسانية المستمرة التي تهدف إلى التخفيف من وطأة مأساة النازحين داخل العراق وتقليل الضرر الذي لحق بهم من جرّاء النزوح والاحتجاز في المخيمات ما أمكن، وللقسم الإغاثي والقسم الاجتماعي والقسم الإداري جهود كثيرة في هذا السياق.

وأمّا النشاط السياسي؛ فمعروف وواضح تعبّر عنه هيئة علماء المسلمين في العراق - بوصفه واجبًا شرعيًا متصلاً بثوابتها، ورؤيتها للشأن العراقي والشأن العام - عن طريق القسم السياسي بتقريره الدوري وتصريحات المسؤولين فيه ولقاءاتهم الصحفية عبر وسائل الإعلام والصحف والمواقع الإخبارية، وعن طريق بيانات الأمانة العامة، وتصاريح قسم الإعلام، والرسائل المفتوحة. وهذا الجهد تسعى فيه الهيئة إلى شمول الأحداث في العراق كل حسب مستواه وأهميته بالرصد والتحليل والنظر، وقد حفلت السنة الماضية (2022) بالكثير من المواقف والرؤى التي أبدأتها الهيئة تجاه العديد من الملفات، منها: الصراع الجاري في العراق بين أحزاب العملية السياسية، والانتخابات، وتشكيل الحكومة، وسرقة القرن، والفساد المالي والإداري الذي بات السمة الرئيسة لدى حكومات الاحتلال، وغير ذلك من الأحداث الكثيرة التي طوّقتها الهيئة بالاهتمام والموقف، ثم ببيان وجهة نظهرها في مسالك الحل وطرق التصدي للأزمات المتفاقمة في البلاد.

وأجد هنا من المناسب أن أسلط الضوء على جانب من عمل قسم الإعلام في هيئة علماء المسلمين في العراق؛ فهو يُعنى بالتعبير عن خطاب الهيئة ورؤيتها ورسالتها ومواقفها في الشأن العراقي؛ المحددة بالثوابت الشرعية والوطنية واللوائح العامة التي يقوم عليها مشروع الهيئة، وفي الشأن العام المتعلق بقضايا الأمّة ومواقف الهيئة منها، وهو معني بتغطية وتوثيق أنشطة وفعاليات أقسام الهيئة وفروعها في داخل العراق وخارجه.

ويعد قسم الإعلام وسيلة ربط بين جمهور الهيئة ومتلقي خطبها من جهة، وبين صنّاع القرار فيها من جهة أخرى؛ من خلال رصد وتحليل التغذية الراجعة المتعلقة بخطاب الهيئة، والتعاطي مع مستجدات الأحداث وتطوراتها في العراق خاصة، وفي عموم الأمة بشكل عام.

ويتألف قسم الإعلام من وحدات أهمّها: هيئة التحرير وإدارة المحتوى، ووحدة الرصد والمتابعة، ووحدة المونتاج والتصميم، ووحدة الدعم والإسناد، ويدير العديد من المنصات، من أبرزها: الموقع الإلكتروني لهيئة علماء المسلمين باللغة العربية، واللغة الإنجليزية، واللغة التركية، ومنصات الهيئة على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

وحيث يعمل قسم الإعلام في هيئة علماء المسلمين على تسويق وترويج الأفكار والرؤى المتعلقة بالهيئة ومشروعها في الإصلاح والتغيير وبناء الحياة المُثلى، فإن من صور هذا العمل الذي أنجز في العام (2022م): تغطية الدروس والندوات والمحاضرات العلمية والثقافية والسياسية التي تقيمها الهيئة بهدف الإرشاد والتوجيه وتنمية المجتمع دينيًا وأخلاقيًا، بمعدل خمسة أنشطة في كل شهر، وتبويب الجهود الاجتماعية والإغاثية والإنسانية التي تؤديها الهيئة في داخل العراق، وإخراجها بصيغ فنية متنوعة بمعدل أربعة كل شهر، وإنتاج الأفلام والملخصات الإخبارية التي تخص الشأن العام بمعدل (8 – 10) في كل شهر، وإصدار القصص والمعلومات الصورية المتعلقة بـ: الشأن العام، وأنشطة الهيئة الاجتماعية والعلمية والدعوية، بمعدل (8 – 10) في كل شهر، علاوة على إعادة نشر المعلومات الوثائقية والتاريخية ذات الصلة بالواقع، وبما يوصل رسالة إصلاحية في المجتمع، بمعدل (2- 4) كل شهر.

الميثاق/ كيف تقرأ مخرجات المؤتمر الثالث للميثاق الوطني العراقي على صعيد تعضيد جهد القوى المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية؟

البدري/ تجربة الميثاق الوطني العراقي الذي يضم قوى عراقية معتبرة، يمكن وصفها بأنها حالة نجاح مرحلي للقوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية، لا سيّما وأن للميثاق وقواه مواقف نافذة في قراءة المشهد العراقي ورصده وتحليله؛ وهو بهذا النمط جدير بالوصف بأنه دستور يضم ثوابت ومعطيات تحدد رؤى وأفكارًا ومسارات يقوم عليها العمل الوطني؛ وقد جسّدت مخرجات مؤتمره الذي عقد في ربيع الأول 1444هـ الموافق لمطلع تشرين الثاني/أكتوبر 2022م؛ رؤية وطنية واقعية للحل المنشود وإنقاذ العراق.

والحقيقة؛ فإن مؤتمر الميثاق أجاد في توصيف الحالة العراقية قبل الشروع بالنظر في طرق ووسائل وأدوات الحل، انطلاقًا من قاعدة: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، حينما وصف العملية السياسية بأنها ذات طريق مسدود وأن فشلها المستمر على مدى عشرين سنة تسبب باستمرار مأساة الشعب العراقي وسلب سيادة العراق واستقلاله، ولعل في التأكيد على هذه الحقيقة أهمية قد تخفى على كثير ممن يتابعون المشهد العراقي ويُنظّر بعضهم بأن من الممكن إجراء إصلاح من داخل العملية السياسية ليبرر الدخول والمشاركة فيها، دون إدراك منه بأن هذه المشاركة لا تقود إلا نحو مزيد من الضياع والفشل، فضلاً عن الإقرار بالباطل والمصادقة على الفساد.

إن المهمة المنوطة بالقوى التي يتألف الميثاق الوطني العراقي منها ليست بسهلة، ومداها ليس بالقصير، وهي إذ تدرك ذلك بلا شك، فإن عليها بذل المزيد من الجهد، للمواءمة بين أهدافها المرحلية وأهدافها الاستراتيجية القريبة منها والبعيدة، بحيث يكون العمل من أجلها كلها متسقًا وعلى خط شروع واحد، ففي ميدان العمل داخل الصف الوطني لا وجود لأولويات على حساب أخرى، ولا اعتبار لمحاولات تغلّب جهة على حساب أخرى، لأن المقاصد إن صدق تبنّيها تُسقط حظوظ النفس وتئد الرغبات الآنية والمكاسب الوقتية.

ولأجل ذلك؛ لا بد للميثاق وقواه من تفعيل مخرجات المؤتمر على مستوى الفهم والإدراك، والبدء بالتطبيق العملي لها، من خلال: مشاريع تفاعلية من شأنها توسيع مساحة العمل الوطني واستقطاب قوى أخرى لتكون تحت مظلة الميثاق، وإقامة منتديات فكرية وسياسية تتجاوز حالة الوصف والإلقاء التقليديين إلى مرحلة البناء والمحاسبة والتقييم، وتكوين المثابة الوطنية التي يستظل بها الجميع دون اعتبار لاتجاه أو منحىً.

الميثاق/ مازال ملف المغيبين والمغدورين يتصدر اهتمام الرأي العام، من يتحمل بقاء هذا الملف مفتوحا من دون التعرف على مصير هؤلاء؟

البدري/ في الحقيقة ثمة تحفظ على وصف هذا الملف بأنه يتصدر الرأي العام، لأن الأخير – مع شديد الأسف – أبعد ما يكون عن الاهتمام بقضية العراق عامة، وحالته الإنسانية والحقوقية بشكل خاص، ولا سيّما ما يتعلق بالمعتقلين والمغيبين، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها الميليشيات وقوّات الأمن الحكومية تحت غطاء طيران التحالف الدولي، وحتى الرأي العام المحلي ليس بالمستوى المأمول في التعاطي مع هذا الملف الذي لا يتجاوز مماحكات على مواقع التواصل الاجتماعي يكون للذباب الإلكتروني المدعوم حكوميًا نصيب وافر فيها، وسبب ما تقدم معروف ابتداءً؛ لأن خصم العراقيين هي الولايات المتحدة ومن في فلكها من حلفاء دوليين وإقليميين دائمين أو آخرين مؤقتين تجمعهم المصلحة مرحلية، بخلاف قضايا أخرى في الساحة العربية تستجلب على أقل تقدير تعاطفًا أو اهتمامًا في وسائل الإعلام؛ فقط لأن الطرف المعادي لها ليس الولايات المتحدة.

وعلى كل حال؛ لا يختلف اثنان بأن مسؤولية جرائم التغييب والتصفية، والاغتيالات الممنهجة، وأضف عليها الاعتقالات والتعذيب في السجون الحكومية المعلنة وما يصاحبها من ابتزاز وإهمال طبي؛ هي مسؤولية يشترك فيها جميع من في العملية السياسية، سواء في ذلك الحكومة وأحزاب السلطة والميليشيات ومجلس النوّاب؛ وجميع من يؤيد العملية السياسية ويتعاطى معها من أمثال بعثة الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية التي تعمل في العراق في ظل حكومة بغداد، وحتى وسائل الإعلام التي تسعى إلى الحفاظ على مكاتبها عاملة في البلاد مقابل السكوت والتكتم على الحقائق وعدم التصريح إلا بما يتوافق مع لسان السلطات.

إن المتورطين الفعليين بهذه الجرائم جزء من النظام السياسي، وإن شركاءهم ممن يدّعون تمثيل "مكون" هؤلاء المغدورين وأعني بهم من يسمّون "السياسيين السنّة" على دراية تامة بأن من يشاركونهم موغلون بدماء أبناء جلدتهم، فضلاً عن أن هذه الجرائم ارتكبت في سياق الصراع بين القوى التي يشكلها هؤلاء السياسيون أنفسهم وبين نظرائهم من شركاء العملية السياسية الذين يسعون إلى تحجيمهم وفرض السطوة عليهم، فصارت المسؤولية في هذه الحال مضاعفة.. لهذا؛ فإن قضايا التغييب والقتل والتعذيب وما في سياقها من الانتهاكات في العراق لن تجد إلى الحل سبيلاً، وسيبقى الجناة وشركاؤهم في حالة إفلات من العقاب، طالما بقيت العملية السياسية قائمة، وطالما توجد أنظمة وجهات دولية وإقليمية تتعامل مع مخرجتها من حكومات وأحزاب وتتعاطى معها وتمنحها "شرعية" هي أبعد ما تكون عنها.

الميثاق/ يحاول النظام العراقي تسويق نفسه كعامل استقرار في المنطقة عبر مؤتمرات ولقاءات عربية وإقليمية ودولية في حين أن الميليشيات الولائية هي من تتحكم بأوضاع العراق لمصلحة النظام الإيراني / كيف ترى ذلك؟

البدري/ هذه المحاولات ليست من عند ما وصفه السؤال بـ"النظام العراقي"، إذ لا وجود في العراق لنظام سياسي وحقيقي يقوم على أسس ومقاييس ومحددات الأنظمة المعتبرة في العالم، وكل تعبير من هذا القبيل يُطرح أثناء الحديث عن القضية العراقية فهو من باب التجوّز بهدف إيصال الفكرة للمتلقي وتهيئة الأذهان لتوصيف حكومات الاحتلال المتعاقبة القائمة على المحاصصة والتوافق الطائفي.

المحاولات هذه هي في حقيقتها مطالب تُفرض على حكومات بغداد وعلى أنظمة المنطقة على حد سواء مع اختلافات في مستويات الطلب وتداعيات مخرجاته، والهدف منها صناعة انطباع مرضي عنه لما تسمى "التجربة الديمقراطية" التي وفدت بها الولايات المتحدة على رأس مشروعها لتُجمّل بها شكل احتلالها العراق، ولدى واشنطن هدف لم تتخل عنه ولا تنوي التخلي – على أقل تقدير في المراحل الحالية – وهو "نجاح" تجربتها في العراق تمهيدًا لتعميمه على المنطقة بغض النظر عن المدى الزمني المصاحب لذلك، ودون التوقف عند محطات إخفاق واشنطن ومحاولاتها المستمرة في رأب الصدع الذي أخر مشروعها في المضي نحو هذا الهدف بسبب ما لاقته في مرحلة سابقة من المقاومة العراقية الحقيقية في العقد الأول من عمر الاحتلال، وحيث لم تكن تحسب لذلك حسابًا، فقد اضطرت لتجرب العديد من المسارات والخطط البديلة أكثر من مرة.

وعلى كل حال؛ ومن زاوية نظر الولايات المتحدة؛ فإن أول خطوة لنجاح مشروعها تكون بنجاح تجربتها في العراق، وحتى تنجح هذه التجربة لا بعد أن تحظى بالدعم الإقليمي والمجاور، والدولي من باب أولى، ولا بد إذن أن يكون لحكومة بغداد حضور في أوساط الدبلوماسية والعلاقات الدولية وإن كانت غير مؤهلة لذلك لا شكلاً ولا مضمونًا، وعلى هذا الأساس تعقد مؤتمرات من هذا النوع بشكل صوري وغير ذي محتوى، والمهم فيها رسم صورة ذهنية لواقع مغاير تريده الولايات المتحدة وترغب في تصديره لا أكثر، والدليل على ذلك أنه لم يترتب على ما تقدم شيء معتبر إلا في سياقات اقتصادية وسياسية وأمنية هي في الأساس قائمة من دون انعقاد هذه المؤتمرات.

والمشكلة التي لا تأبه بها واشنطن في هذه المرحلة لأنها لا تتقاطع مع مصالحها، تكمن في المردود السيء الذي من شأنه أن يصيب دول جوار العراق، من جرّاء تنامي الاحتلال الإيراني في العراق وامتداد تأثيره عليها، فحكومات العملية السياسية التي تتعاطى معها أنظمة الجوار هي إحدى انعكاسات نظام طهران من حيث البنية والتشكيل على المستوى السياسي، وفي الوقت نفسه هي مرتع ميليشياتها على المستوى الأمني المفعم بجرائم التصفية الطائفية وجرائم الاتجار بالمخدرات وترويجها، وكلا الأمرين وسيلة من وسائل تثبيت المشروع الطائفي الذي تريد طهران التوسع به في الإقليم، ولعل ما نشرته مجلّة "الدستور" اللندنية من تصريح لـ"الخميني" في الأول من آب/أغسطس سنة 1983م أثناء الحرب العراقية - الإيرانية؛ وهو يهدد باستيلاء إيران على عواصم عربية مهمّة؛ خير دليل على ذلك.

الميثاق/ بعد عشرين عامًا على احتلال العراق، مازال العراق يئن تحت وطأة جريمة الاحتلال. لماذا؟ وما هو السبيل لتخليص العراق من تداعياته على جميع الصعد؟

البدري/ العراق ما يزال في حالة احتلال، وعلى العكس مما يظن كثير من الناس بأن مزاعم انحساب القوّات العسكرية الأمريكية وانحسارها في قواعد محددة داخل البلاد أواخر سنة 2011م؛ يعني أن الاحتلال انتهى، فهذه مغالطة ومعاندة لحقيقة الواقع على الأرض، لأن مصطلح الاحتلال لا يقتصر على الوجود العسكري فقط بل توصف به منظومة ثلاثية الاتجاهات: عسكرية، وسياسية، وإعلامية؛ وإذا كانت بعض قوّات الاحتلال الأمريكي فقد انسحبت، فإن نسبة كبيرة منها ما تزال في البلاد وتتحرك يوميًا وتدفع بتعزيزات ميدانية ولوجستية.

ثم إن واقع الحال في العراق يشير إلى أن الاحتلال قائم بنمط مزدوج، مما يعني أنه أخطر مما كان سابقًا، فبعدما كان لإيران تدخل ووجود مع بدء الاحتلال الأمريكي في 2003، تطور لاحقًا ليصبح نفوذًا وتغولاً ولا سيّما بعد سنة 2007، قبل أن يغدو احتلالاً رسميًا يستولي على جانب كبير من المشهد السياسي والأمني بالشراكة مع نظيره الأمريكي وخاصة في 2014 وما بعدها وإلى الآن.. هذا من حيث الواقع، وأمّا من ناحية الآثار؛ فإن العملية السياسية القائمة في العراق ومخرجاتها من حكومات متعاقبة في بغداد وما يلحق بها من دستور وقوانين وإجراءات على اختلاف مسمياتها؛ هي المشروع الاحتلالي الذي يدور عليه المشهد، ومن غير المنطقي أن يُحكم بزوال السبب بينما الآثار والنتائج شاخصة وقائمة! لذلك، لا ينغي لمن يريد تحليل القضية العراقية والتعاطي مع متغيراتها أن يتناول الأحداث بمنأى عن هذه الحقيقة التي تعد المعيار الأبرز في الحكم على صواب التصورات من عدمها.

أمّا السبيل لخلاص العراق من ذلك؛ فقد قدّمته هيئة علماء المسلمين منذ وقت مبكر، وما تزال تعيد طرحه في كل مناسبة وفرصة ولا سيّما مشروعها المطروح في 2004 الذي قدمته للأمم المتحدة، ويتضمن تصورات وخططًا متكاملة لإنهاء مشكلات العراق من جذورها وإيجاد الحل المناسب للإنقاذ بعيدًا عن الاحتلال وهيمنته، وهذا الحل يستلزم أن يقوم على أسس رئيسة ومهمة، تعالج واقع الفشل المطبق الذي ترزح فيه البلاد، وفي مقدمة هذه الأسس: التمسك بوحدة العراق أرضًا وشعبًا، ورفض تقسيمه، مهما كانت الذرائع، وحل القضايا المشكلة فيه، ومعالجتها في إطار سيادته ووحدته، بالحوار البناء والجاد، وعلى نحو يضمن الحقوق للجميع، وأن يكون ذلك في ظل نظام سياسي وطني، ووفق آلية التداول السلمي للسلطة، واعتماد التعددية السياسية أساسًا لبناء الدولة، ونبذ كل أشكال الاستبداد السياسي، وطرق الإقصاء بمختلف أنواعها، مع ضمان استقلال العراق وسيادته، والعمل على إرجاعه لمكانته الدولية، وإقامة أفضل العلاقات مع دول الجوار، وتعزيزها على أساس مبادئ حسن الجوار، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتكفل بحفظ ثروات العراق ومقدراته، وحمايتها من العدوان الخارجي، وبما يحقق للبلاد التنمية والتطور، ويعمل على إزالة آثار الاحتلال، ومحاسبة المفسدين وإعادة الحقوق لأهلها، والتوقف عن سياسات الاحتواء والتطبيع غير المجدية مع حكومة بغداد، ومحاولات المحافظة على النظام السياسي القائم بكل ما فيه من كوارث ومثالب ومشاكل؛ أودت بالعراق إلى الهاوية.

مقالات متعلقة