حوار الميثاق مع الأستاذ الدكتور رعد قاسم العزاوي
(باحث وأكاديمي عراقي)
الميثاق| ما هو واقع التعليم في العراق بعد مرور 20 عامًا من احتلاله؟
العزاوي| واقعه انعكاس للتصنيف العالمي للدول من حيث كونها متينة التنظيم، أو هشة التنظيم أي كدولة فاشلة، والدولة العراقية تقع ضمن الدول الأربعة الأكثر فشلاً متقدمة على السودان، والصومال، وأفغانستان، فكيف سيكون التعليم فيها، حتمًا سيكون بدون نظام كما كان سابقًا قبل عام 1990. والدليل أن مفوضية حقوق الإنسان في العراق عكست غضب المجتمع الدولي بعد خروج العراق من معايير التصنيف العالمي لجودة التعليم الدولية لعام 2021.
الميثاق| وما هي أبرز الأسباب التي جعلت العراق من رائد في التعليم إلى انحدار بشكل كبير ومخيف جدًا؟
العزاوي|
- غياب الفلسفة، والرؤية العلمية المواكبة لمتغيرات التعليم إثر ثورة المعلومات والاتصالات، وعجز القابعين على إدارة التعليم في العراق من استيعاب وتطبيق هذه المتغيرات.
- خضوع إدارة التعليم لمفاهيم وأفكار غيبية طائفية متطرفة انعكست بتراجع مناهج التعليم، وطرائق التدريس بشكل جعل الطالب يعيش في تناقض بين ما يتعلمه في المدارس وما يعيشه في الواقع.
- اعتماد المحسوبية والتصنيف الطائفي السياسي في تمييز الطلبة، ومنح الدرجات دون اعتماد قواعد الكفاءة ودرجات الامتحانات والاختبارات الحقيقية العادلة.
- تمكين المدرسين من حملة الشهادات العليا المزورة، أو الممنوحة من جامعات أهلية أو أجنبية غير رصينة للقيام بالتعليم، وإدارة المؤسسات التعليمية.
- غياب الاهتمام بمنح حق التعليم لكافة الأفراد والجماعات في جميع الوحدات الإدارية في العراق، فهناك الكثير من الأقضية، والنواحي والقرى تفتقد لمدارس المراحل الابتدائية، والمتوسطة والإعدادية.
- عدم الاهتمام بالبنى التحية للتعليم، فما زال التعليم يعتمد على الأبنية والمرافق التي شيدت قبل عام 2003 حيث كان تعداد السكان لا يتجاوز 20 مليون نسمة، واليوم أصبح تعداد السكان بحدود 45 مليون نسمة دون أي زيادة ملحوظة في عدد المدارس لكافة المراحل والجامعات الحكومية التي توفر التعليم الجيد بشكل متساوي لجميع العرقيين.
- انتشار المدارس الطينية، أو المدارس القديمة البناء والآيلة للسقوط التي تجعل الطلبة لا سيما طلبة المراحل الابتدائية ينفرون، ويتهربون منها.
- تغيير المناهج الدراسية بشكل مستمر طبقًا للفلسفة الدينية الطائفية للقابضين على إدارة التعليم في العراق.
- انعكاس ارتفاع معدلات الفقر، والمرض، والنزوح الداخلي، والهجرة الخارجية على ارتفاع معدلات الأمية، وتسرب الطلبة عن مواكبة الدوام والتعليم في المدارس، والمرافق التعليمية الأخرى.
- غياب الاستقرار الأمني بسبب الحروب والنزاعات السياسية الطائفية المحلية، إضافة إلى النزاعات العشائرية المسلحة أدى إلى تراجع كبير في استمرار الطلبة في تلقي التعليم.
الميثاق| هناك من يرى أن الحكومات في العراق لا تمتلك أي خطة لتطوير قطاع التعليم والنهوض به على الرغم من اعتراف لجنة التعليم بأن العراق يحتاج لإنشاء آلاف المدارس؟
العزاوي| إن النظام العام في دولة العراق غائب، وليس له أي خصائص أو ملامح يمكن من خلالها تمييزه عن الأنظمة العامة للدول الأخرى التي انتزعت مكانتها الإقليمية والدولية المرموقة، فالدولة العراقية ليست بدولة ديمقراطية، أو دينية مذهبية خالصة أو دولة ملكية، أو جمهورية، فالنظام العام غير واضح فيها، وينعكس ذلك على أنظمته الفرعية السياسية، والاقتصادية، والصحية، والتعليمية، والبيئية، والأمنية، والقضائية، والتشريعية، والثقافية، كل هذه الأنظمة متهرئة تفتقد لفلسفة، ورؤية، ورسالة، وبرامج، وخطط واضحة وقابلة للتطبيق، بل والأكثر خطورة من ذلك أن النظام العام يفتقد في تحديد الغايات العليا، والأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى، والمتوسطة، والقصيرة المدى للمجتمع العراقي.
الميثاق| تراجع أو انهيار قطاع التعليم في العراق أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية، التي تجاوزت الـ 47% بحسب أرقام اليونسكو، إلى ماذا تشير هذه الإحصائيات؟
العزاوي| تراجعت الأمية بشكل كبير وأصبح الشباب في العراق ينقادون بسهولة للإيمان، والتطبيق خرافية مذهبية، وأساطير منتقاة من الصفحات السوداء في التاريخ القديم للشعب العراقي، رتب ذلك انتشار الجرائم الاجتماعية، والإرهابية، والجرائم المنظمة، وتجارة وتعاطي المخدرات، فأصبح العراق اليوم من أكبر دول الشرق الأوسط في تجارة وتعاطي المخدرات، ناهيك عن ارتفاع معدلات التجارة بالبشر.
الميثاق| على الرغم من انهيار قطاع التعليم في العراق إلا أن حكومات بغداد لا تضع التربية والتعليم على سلم أولوياتها، لماذا برأيكم؟
العزاوي| إن الأحزاب السياسية التي هيمنت على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ديدنها صناعة السلطة وليس صناعة أنظمة تعليمية أو بيئية أو صحية وقائية، الاهتمام بالهيمنة على الأجهزة الأمنية، وإدارة المال العام بشكل كبير هما هدفان يحولان دون الاهتمام بالنظام التعليمي في العراق.
الميثاق| هناك من يرى أن الحكومات بعد 2003 سعت لتدمير التعليم في العراق خدمة لمشاريع دول أخرى، والمؤشرات كلها تذهب بهذا الاتجاه، ما رأيكم بذلك؟
العزاوي| الحكومات بعد عام 2003 بذلت ومازالت تبذل الكثير بجعل التعليم يدعم انتشار أفكارها الطائفية السياسية التي تتعارض بشكل كبير مع أهداف وآليات التعليم الحديث الذي ينتج دولة قوية مقتدرة علميًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا.
الميثاق| وهل تعتقد أن حال التعليم الحالي في الجامعات العراقية يمكن أن يفرز واقعًا مغايرًا لحاله الآن في ظل وجود الميليشيات في إدارة الوزارة؟
العزاوي| الأحزاب السياسية الطائفية تدرك أن تبوء قياداتها المناصب الحكومية العليا والتي تدعم هيمنتها المستمرة على إدارة النظام السياسي في العراق تحتاج إلى شهادات عليا كمفردة في خلاصة خدماتهم تؤهلهم لنيل هذه الشهادة، فعمدوا إلى إنشاء جامعات، أو الاستعانة بجامعات دول الجوار، أو الضغط من خلال الترهيب أو الترغيب على جامعات عراقية لها تاريخ مشرف بوسائل عديدة لمنح هذه الشهادات العليا لقياداتهم، وأنصارهم بشكل جعل هذه الجامعات خارج التصنيف العالمي لمعايير أداء الجودة.
الميثاق| يُعد الفساد المستشري في غالبية مؤسسات الدولة أحد أهم التحديات التي تواجهها المؤسسة التعليمية، وظهرت بشكل واضح في النقص الكبير في عدد المدارس، واعتماد نظام الدوام المزدوج فيها، وعدم تجهيزها بمستلزمات الكتب والمقاعد وغيرها، كيف ترون ذلك؟
العزاوي| الفساد الإداري والمالي في الدولة العراقية يشكل نسب مرتفعة جدًا توثقها جميع تقارير المؤسسات الدولية وغير الحكومية المعنية بمؤشرات الفساد في العالم، فمنصب الوظائف العامة العليا والمتوسطة في وزارة التعليم معروضة للبيع، من يدفع أكثر ينالها كما هو الحال في الوظائف العليا في وزارات الدولة الأخرى.
الميثاق| وما هي الطرق الكفيلة بإيجاد الحلول لواقع التعليم المتردي في العراق؟
العزاوي| تغيير النظام العام- تغيير فلسفة ورؤية ورسالة التعليم – تغيير المناهج الدراسية في جميع المراحل الدراسية بما يواءم مع المناهج الحديثة والعصرية – السعي بمكافحة الإرهاب الفكري والسياسي الطائفي- تحفيز عودة الطلبة لمدارسهم من خلال إشباع الحاجات الأساسية للعوائل العراقية في الأمن والسكن والعمل والعلاج والحرية والضمان الاجتماعي.
الميثاق| يعاني التعليم الابتدائي ظروف اقتصادية صعبة وتعاني العائلات الفقيرة كثيرًا؛ مما يؤدي إلى عدم إرسال أطفالها إلى المدرسة أو إلى تسرب الأطفال من المدرسة للبحث عن عمل يوفر لهم لقمة العيش؛ من المسؤول عن ذلك؟
العزاوي| أساب تسرب الأطفال ولجوئهم للعمل، بل وإلى التسول أسبابه عديدة أهمها غياب قدرة الأب أو المعيل في توفير مستلزمات تعليم ابنه من الملبس والمأكل وتجهيزات التَعلم، وواسطة النقل، والاطمئنان في حماية ابنه أثناء ذهابه للمدرسة، وعدوته للدار، وهذا يعكس أن السلطات الحكومية في العراق تتحمل الجزء الأكبر من تردي الأوضاع الاقتصادية لأنها هي المسؤولة عن توفير فرص العمل، وبالتالي عندما يرتفع خط الفقر في العراق إلى نسبة 40% فهذا يعكس الفشل الاقتصادي الذريع الذي أيضا دفع بالمدارس بعدم تجهيز الطلبة بالمواد الدراسية من كتب وقرطاسية، الملابس التي يتحملها الأهل وهذا كله ألقى بظلاله على أن أصبحت الدراسة في العراق تكلفة مادية تضاف إلى العوائل التي هي أصلاً تعاني من توفير لقمة العيش بسبب ارتفاع الدولار وارتفاع المواد الغذائية بشكل كبير، وهو ما دفع أيضاً إلى أن الأهالي لا يستطيعون توفير كلف الدراسة التي فرضتها الحكومة على أبنائهم، وبالتالي بسبب الفشل الحكومي أجبر الطلبة على اختيار التسرب من المدارس.
الميثاق| تؤكد التقارير الحقوقية أن هنالك ما يقارب 30٪ من الأسر لديها أطفال يعملون في سن المدرسة بدلاً من الذهاب إليها؛ من المسؤول عن ذلك برأيكم؟
العزاوي| السبب هو غياب فرص العمل، وغياب الضمان الصحي، والاجتماعي للأسرة العراقية، فقد انشطر المجتمع العراقي إلى شطرين: طبقة قليلة لا تتجاوز نستها 5% تمتلك أكثر ما تحتاجه من متطلبات العيش الكريم، والطبقة الأخرى نسبتها 95% محرومة من مستلزمات العيش الكريم بشكل حال دون إرسال أولادهم للتَعلم في الدارس.
الميثاق| أصبحت عمالة الأطفال في العراق ظاهرة خطيرة حتى وصفت رسميا بأنها “الأسوأ" في تاريخ العراق، ما خطورة ذلك على التعليم ومستقبل العراق؟
العزاوي| هذا صحيح والأخطر من ذلك انتشرت ظواهر التجارة البشرية للأطفال، وتسخيرهم في مهام ساندة للجريمة الاجتماعية والإرهابية.
الميثاق| هناك آلاف العائلات في مخيمات النزوح يفتقد أطفالها لفرصة التعليم بسبب القوانين التي فرضت عليهم من قبل الحكومات وعدم السماح لهم بالعودة إلى مدنهم؛ بماذا تفسرون حرمان حقوق أطفال النازحين من حق التعليم وما هي الأبعاد الحقيقية لهذا الحرمان؟
العزاوي| الدولة العراقية غير معنية بالاتفاقيات الدولية التي تلزم الدول بحماية الطفولة والأمومة وضمان حقوق وحريات الإنسان وتحديدا الأطفال، والأمهات، فحق التعليم مادة ملزمة ضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهد الدولي لعام 1966، والبروتوكولات الملحقة به لعام 1977، لاسيما المادة الثالثة منها كلها وقعت عليها الدولة العراقية وفق صدروها، ونفاذها التاريخي دون أي تنفيذ أو تطبيق.
الميثاق| رأينا مشاهد واضحة لميليشيات حكومية تجند أطفالًا للقتال في صفوفها، ما هو واجب السلطات تجاه هذه الظاهرة الخطيرة؟
العزاوي| غياب النظام الأسري، والنظام التعليمي، والنظام الاقتصادي، والنظام الاجتماعي، وهي أنظمة مهمة وفاعلة معنية أساسًا في عملية إعداد وتنشئة الأجيال، رتب ذلك توفير قدرة للميليشيات المسلحة في استغلال حاجة الأسر للعون المادي، وجذب الأطفال المتسربين من المدارس والباحثين عن فرص عمل لإعانة عوائلهم في أعمال ميليشياوية مسلحة تدعم هيمنتهم السياسية.
الميثاق| برأيكم ما هي الحلول الحقيقية والاستراتيجية الواضحة لوقف استفحال عمالة الأطفال في العراق؟
العزاوي| ظاهرة عمالة الأطفال وتسربهم عن التعليم ليست ظاهرة عابرة، بل هي مستفحلة وتتوسع بشكل مضطرب وخطير، وحلها يكمن في بناء نظام أسري فاعل مقتدر ويجتهد في إعداد وتنشئة الأطفال بالتكامل مع الأنظمة الأخرى التعليمية والسياسية والبيئية والاقتصادية والقانونية التشريعية، وكل ذلك لا يتم إلا من خلال تغيير شامل للنظام العام لدولة العراق.
الميثاق| وكيف تنظر لسعي السوداني للحصول على مصادر لتمويل المشاريع بالعراق في حين موازنات العراق انفجارية وقادرة على التمويل؟
العزاوي| لا نشكك في نواياه ولكنها محاولة لسد ثغرات كبيرة عديدة في جدران الدولة بواسطة خيوط العنكبوت.
الميثاق| وهل تعتقد أن تغول الفساد في المجتمع العراقي مدعومًا من حيتان أحزاب السلطة هو السبب في انحدار التعليم وعمالة الأطفال؟
العزاوي| هذا صحيح ولكنه جزء من مخطط إقليمي في تدمير العراق ومنع نهوضه مرة أخرى كقوة إقليمية فاعلة.
الميثاق| برأيكم هل الواقع السياسي وعملية المحاصصة الطائفية والعرقية في العراق هي السبب بانحدار التعليم وضياع حقوق الأطفال في العراق؟
العزاوي| نعم؛ هناك طلاب ابتدائية في دولة جيبوتي والصومال ومدغشقر وجزر القمر يؤكدون ذلك.