الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات وقفة عند أحداث كبيرة

بقلم| وليد الزبيدي (عضو اللجنة العليا للميثاق)

غداة انفضاض المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في بال عام 1897 دوّن (ثيودور هرتزل) مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لها الملاحظات التالية في مفكرته حيث كتب: لو كان لي أن ألخص مؤتمر بال بعبارة واحدة أحرص على عدم الإفشاء بها علناً، لقلت في بال أسست الدولة اليهودية ولو أني جاهرت بذلك، لتعالى الضحك من كل حدب وصوب، لكني على ثقة من أن الجميع سوف يعترف بذلك بعد خمسين سنة.

بعد مضي خمسين سنة على ذلك التاريخ، في ذات الشهر واليوم تقريباً -كما يذكر ذلك- دولف بارنير في كتاب (من الفكر الصهيوني المعاصر)- صرح اندريه غروميكو وزير الخارجية السوفيتي أمام الأمم المتحدة بما يلي (نظراً لأن ما من دولة من دول اوربا الغربية تمكنت من الدفاع عن الحقوق الأولية للشعب اليهودي أو التعويض عليه عن المظالم التي عانى منها على يد السفاحين الفاشيين، فإن رغبة اليهود في إنشاء دولة خاصة بهم لهي رغبة مشروعة، إن عدم الاعتراف بذلك والتشكيك في حق الشعب اليهودي في تحقيق أمانيه لأبعد ما يكون عن العدل).

وبعد ستة أشهر من ذلك، أضحت دولة إسرائيل واقعاً تاريخياً تحت إشراف الأمم المتحدة وبدعم حاسم من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية، وفي ربيع عام 1967-أي بعد سبعين عاماً على صدور منشور ثيودور هرتزل (الدولة اليهودية) ضاعفت إسرائيل عدد سكانها أربع مرات.

وعندما قال هرتزل ذلك الكلام لم يكن يسطر كلمات إنشائية أو عبارات وشعارات، بل إنه كان يتحدث عن المخطط الصهيوني الذي لم يضع أجندته المؤتمر الصهيوني الأول، بل أن النشاطات الكثيرة والاستكشافات والدراسات التي حصلت طيلة العقود التي سبقت ذلك التاريخ، قد حددت الآفاق المستقبلية للتحرك الصهيوني في فلسطين وفي المنطقة بأسرها.

ومنذ أن وُجدت إسرائيل في قلب المنطقة العربية ككيان استعماري أوربي توسعي عنصري، وما سبق هذا الوجود من تحركات دبلوماسية وعمليات عسكرية صهيونية ممهدة، وهي تُضَمِنْ خططها بعداً مائياً، ولا يغيب هذا البعد المائي أيضاً عن نماذجها التصورية المستقبلية.

نجد أن المرحلة التي شهدت التحضير لعقد المؤتمر الصهيوني الأول في نهاية القرن التاسع عشر، لم تغفل موضوع المياه، برغم أن المنطقة بأسرها في تلك المرحلة لم تكن آبهة بهذا الموضوع، فقد عبر (ثيودور هرتزل) عن حساسية وخطورة قضية المياه بقوله (إن البناة الأساسيين لدولة إسرائيل هم مهندسو المياه).

ومن المشاريع المائية المهمة التي رسمها ثيودور هرتزل معتمداً على الدراسات والبحوث التي أمضى العديد من الباحثين والمهندسين العقود الطويلة خلال القرن التاسع عشر في البحث والاستقصاء، هو مشروع ما يسمى بقناة البحرين التي تربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الميت والتي قال عنها (دان دارين) وهو مهندس معماري في معهد المركز الدولي لدراسات سياسة الأراضي في إسرائيل: إن هذه القناة (قناة البحرين) كانت حلماً مستحيلاً، رآه ثيودور هرتزل عام (1902) وكانت هذه القناة التي وصفها هرتزل في كتابه (التنويلاند) [الأراضي القديمة الجديدة] الذي تنبأ فيه بولادة دولة جديدة، تستهدف توليد الطاقة الهيدروكهربائية وإقامة بحيرات الاستجمام، والمساهمة في استصلاح النقب وجعل إسرائيل (بلداً) ذا استقلالية في إنتاج الطاقة.

وتؤكد صحيفة (عل همشمار) في مقال كتبه (ف.سيفر) إن قناة البحرين هي جزء من رسالة ثيودور هرتزل التي قرأ فيها المستقبل، وبالتالي فهي جزء من المشروع الصهيوني الكبير، وأمامنا مزيج من الأساطير التي تبعث الدفء في أكثر القلوب برودة، ويوقد النار في أكثر العقول نبوغاً.

يجد الباحث والمتتبع أن الخيط لم ينقطع بين طروحات وافكار هرتزل ومن جاء بعده، وأن الاستراتيجية المائية، او مسألة التعامل مع قضية المياه، لم تكن سطحية أو قضية مكملة للافكار الصهيونية، بل إنها تدخل في جوهر المخططات الصهيونية ونشاطاتهم، فعلى سبيل المثال، حدد هرتزل عام 1923 موعداً لتنفيذ هذا المشروع، وأن عدم تحقيق ذلك لم يوقف التفكير الصهيوني به، ففي 13 يونيو عام 1990 قاد (يوفال نيئمان) وزير العلوم والطاقة حملة لتنفيذ مشروع القناة التي تربط بين البحر المتوسط والبحر الميت.

المخطط الإسرائيلي لم يكن خطيرا فحسب بل أن تداعياتها – وبحسب ما وضعوا من خطط – لن تتوقف عند حدود فلسطين، لكن الحرب في غزّة قد أشرت معالم أخرى غير تلك التي أرادوها وخططوا لها.

مقالات متعلقة