بقلم| صفاء الحي
مر عامان على اغتيال الصوت بالكاتم، وإغراق الحقيقة بالدم، لإخماد حق المواطن بنار البندقية، وقتل روح الثورة والتمرد في نفوس العراقيين بتطويع القانون والقضاء والدولة بسلاح الميليشيات لتدمير الوطن .. عامان على اغتيال هشام الهاشمي الشخصية الأبرز في التحليل السياسي وتفكيك الجماعات الخارجة عن القانون التي تنتظم بسلسلة شديدة التعقيد قام بغزلها النظام السياسي المرتهن للخارج والغاطس بالفساد والفشل عبر منظومة حزبية إسلامية متهالكة
خلف اغتيال الهاشمي موجة غضب عارمة لدى الأوساط الشعبية والدولية مما أدخل حكومة الكاظمي في حرج شديد على اعتبار أنها الأقرب للشارع المحتج بعد انتفاضة شعبية خلفت أكثر من 600 شهيد وآلاف الجرحى، حاولت إخفاء الحرج بإطلاق وعد الرد سريعا على منفذي العملية وإلقاء القبض عليهم، كما لو أنها تلوح للمتورطين وتمهد الطريق لهربهم! تتعامل الحكومات والأنظمة التي تحترم القانون وحياة شعوبها بحرص وحساسية عالية مع هكذا حوادث بينما في العراق كل شيء مقلوب وكأننا نعيش خارج أسوار الزمن، وهذا ما ينطبق فعلا على وضعنا المزري
على اعتبار أن الهاشمي مقرب وصديق لرئيس الحكومة مصطفى الكاظمي وقدم خدمات استخبارية كبيرة لم تقدمها حتى الأجهزة الأمنية بما يخص الجماعات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، كان يفترض أن يثأر لصديقه في اللحظة لا أن يتماهل خوفا على كرسيه الزائل، هرب القاتل ودفن الهاشمي وضاع وعد الكاظمي بين طيات المساومات
وعلى ما يبدو فإن القصة المتفق عليها لإسقاط الحرج وإبعاد المتورطين عن الواجهة حبكت على النحو التالي، متهم زائد عن الحاجة بمشهد فديوي مضحك يعترف به بالعملية وينتهي كل شيء، المشكلة أنه حتى هذا المشهد لم يتفقوا عليه!
فمر عام أيضا على قصة اعتراف قاتل الهاشمي وما بين أشهر العام محاكمات مؤجلة كشفت حقيقة الكذبة وأعادت الإحراج للواجهة من جديد فمالذي سيقوله صديق الضحية والمتهم مغيب!
بحسب المعلومات الموثوقة من مصدرها فأن هناك ضغوطات أكبر من الكاظمي وحكومته وأكبر حتى من النظام تمارسها الجماعات المسلحة وتحديدا الفصيل المتورط باغتيال الهاشمي لمحاولة إطلاق سراح المتهم (الزائد عن الحاجة) لأنه لا يستحق حتى هذا الزائد أن يتم التضحية به بمقابل رئيس وزراء من طراز الكاظمي!
هذه المعلومات التي من المؤكد أنه سربت تحت يافطة القتل السياسي الذي يضرب هذا النظام بالمجمل تقول:- إن قاتل الهاشمي قريب جمال الدين علي الصغير!
من حق القارئ أن يشكك الآن بالاسم ويركز على الكنية (الصغير) نعم فجمال هو شقيق جلال الدين الصغير القيادي في المجلس الأعلى، ومسؤول شؤون المحافظات في ميليشيا الحشد، من عائلة دينية والده كان أحد وكلاء محسن الحكيم وكان هاربا من العراق للأردن وبعدها لبنان وسوريا ثم استقر في إيران، دخل معسكرات التدريب آنذاك بعنوان المعارضة لصدام وبعدها أصبح مرافقا لمحمد باقر الحكيم، بدأ بالتقرب من جمال جعفر محمد علي الإبراهيمي ''أبو مهدي المهندس'' بعدها أصبح أحد ثقات قاسم سليماني، وهكذا تدرج في الانتماء الوظيفي للجماعات المسلحة، ما يراد التنبيه إليه هو الإشارة إلى حكومة الكاظمي والقضاء معا بأننا كمواطنين ولدينا من المصادر والمعلومات الكافية فمالذي يمنعكم من محاكمة القتلة؟!
لماذا تتكتم الجهات المختصة عما يجري بشأن المتهم ومسلسل التأجيلات المستمر بالرغم من اعترافه علانية؟ هل يستحق الهاشمي أن يستخدم ورقة للمساومة على ولاية ثانية؟ بمعنى أن القصاص مرتبط بولاية الكاظمي.. يالعار! قاتل الهاشمي مجهول المصير بانتظار وصول وجبة الريزو ليسجل في قائمة طويلة مخصصة للهاربين من العدالة، فسياسة الإفلات من العقاب هي أساس الحكم في نظام يحكمه كاتم الفصائل!!
في هذا البلاد التي تسير عكس اتجاه التطور الكوني كل شيء بدأ مقلوبا، القاتل حاكم والقاضي فاسد والضحية مجرم!