التاسع من نيسان: سرقة وطن واستلاب شعب
بقلم| د. مثنى عبد الله

واهم من يعتقد أن دخول قوات الغزو العاصمة بغداد في التاسع من نيسان في العام 2003 حدث استنفد ارتداداته وآل كل شيء لما هو مخطط له. فبغداد لم تكن إحدى الحواضر العربية المهمة وحسب، بل كانت جدار برلين العرب الذي بعده أُعيد تشكيل خارطة الوطن العربي، ليست الخارطة السياسية فقط، بل مازالت حتى الخارطة الجغرافية مهددة أيضا بفعل ذلك الحدث. وإذا كانت الارتدادات مازالت مستمرة على مدى ثمانية عشر عاما فإنها لم تكتمل بعد. لماذا؟ لأن الحدث برنامج عمل تم تأسيسه لإعادة صياغة البنية السياسية في العراق على الشكل الكارثي الذي مازال العالم كله يراه
كما أنه مشروع إقليمي وليس محلي يستهدف الهلال الخصيب كله والمنطقة بأسرها، والعراق بموقعه في هذه الخريطة إنما هو مركز الثقل ويمكن أن يؤثر في كل المحيط، وقد اعتادت القوى الكبرى إطلاق ذرائع شتى كمقدمات حروب لتحقيق أهداف سياسية، واستخدام الصراع والمنافسة وفق المناورة لتحقيق ميزات جيوسياسية؛ ووفق هذه الاستراتيجية كانت الحرب على العراق حرب الضرورة وليست حرب الاختيار، ومع ذلك يبقى الاحتلال العسكري بكل حالاته حالة عابرة مهما طالت مدته أو قصرت، لكن عندما تُحتل الشعوب في عقيدتها الوطنية فمن المؤكد ينجم عن ذلك تحول بعيد المدى؛ وهذا ما سعت له قوى الاحتلال بكل الوسائل وخاصة اللعب على الهويات الفرعية والنفخ فيها كي تصبح هي البديل عن الهوية الكبرى
لكن العراقيون أثبتوا أن عقيدتهم الوطنية عصية على التلاعب، فكان كل يوم يمر عليهم تُكسر فيه حواجز الخوف، وتتطور فيه سبل مواجهة الغزاة، ويتدرب فيه الجيل الجديد على المواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع والطاردة للتشرذم، في محاولة حقيقية للخروج من النفق المظلم الذي حفره الاحتلال ووضع فيه شعب العراق
وإذا كانت ذيول الاحتلال قد حاولت جعل هذا اليوم عيدا وطنيا بما أسموه يوم التحرير؛ فهو إنما استجابة لإرادات قوى الغزو التي عملت على أن تكون لدى شعبنا ذاكرة منقسمة تبعا للانقسام المجتمعي الذي اجتهدوا كي يجعلوه واقعا حقيقيا لكنهم فشلوا.
وها هم يلوذون بالشعارات الوطنية ويحاولون ارتداء ثوب الهوية الجامعة متظاهرين بأنهم ضد الاحتلال وقواته المتواجدة على الأرض، في حين أنهم أدواته ووسائله وعناصر النظام السياسي المنقسم على ذاته الذي أنشأته قوى الغزو، مما يدل دلالة واضحة على سقوط المنهج وإفلاس الاتباع وتداعي المشروع الاحتلالي الذي أُريد له أن تكون بدايته في التاسع من نيسان ويمتد ليشمل الشرق الأوسط.
لقد شكلت بغداد قيمة رمزية كبيرة في الذاكرة العربية، واحتلالها خلق حالة من الترقب لما سيأتي ليس بالنسبة للعراق وحسب بل للمنطقة عموما؛ لأن الحدث كان فريدا من نوعه في ذلك الوقت، بعد أن كانت قلعة كبرى من المعاني المادية والمعنوية لشعوب هذه المنطقة، كما شكلت حاجزا نفسيا حصينا في تشكيل النفسية العربية
وعلى الرغم من مضي ثمانية عشر عاما على الاحتلال فمازالت علامات الاستفهام تسأل عن مدى تحقيق الاستقرار؟ وما هي التحديات التي مازالت ماثلة؟ وما الذي تحقق من مشروع الاحتلال؟ فالاحتلال ليس بالضرورة وجود قوات عسكرية على أرض دولة ما؛ بل إن مقياسه هو بما حققه المحتل من أهداف منجزة في تلك البقعة تخدم سياساته ومصالحه. ولو أمعنا النظر اليوم إلى ما آل إليه الوضع الحالي لوجدنا أن العراق أصبح خارج دائرة الصراع العربي الصهيوني بتدمير قوته العسكرية، وتأمين عدم استخدام ثروته النفطية ضد المصالح الغربية، وتسليط طغمة فاسدة تتحكم بمصيره ومستقبله وثرواته
لكن الاحتلال أيضا فشل في جوانب أخرى، أهمها تعثر مشروع الشرق الأوسط الكبير بعد أن اصدم بقوى المقاومة الوطنية، وإنهاك قواته التي اضطرت لإعادة تطويرها وتدريبها لما أصابها من خسائر مادية ومعنوية كبرى.
أما الفشل الأكبر فكان انطلاقة ثورة تشرين التي أحرجت كل المشاريع الإقليمية والدولية في العراق، فبعد أكثر من عقد ونصف من المراهنة على تجذّر المشروع الأمريكي والإيراني في التربة العراقية؛ انبثقت ثورة شعبية شبابية تطالب المحتلين بمغادرة أرض الوطن، وتلاحق العملاء والذيول والدمى وتسقطهم، كما ارتفعت بشكل لافت راية الهوية الوطنية وخفتت تماما الرايات الطائفية والمذهبية والاثنية، فكان تسونامي كبير جارف عبّر بكل صدق عن الإرادة الوطنية، وأثبت بما لا يدع مجالا للشك من أنه طالما بقي الشعب رافضا للاحتلال، وهاجس مقاومة مشاريعه وشخوصه موجود في النفوس، فإن كل انجازات قوات الاحتلال لا تمثل نصرا وليس لها أثر على أرض الواقع .
إن نداءات الحرية والكرامة والديمقراطية الحقيقية وتحقيق إنسانية الإنسان وحقوقه فردا وجماعات، ماتزال هي المحركات الأساسية للشعوب، ولن يتمكن الغزاة ولا الأنظمة السلطوية والأوتوقراطية من ضرب تطلعات الشعوب
لقد عاقبت الولايات المتحدة العراقيين ثلاث مرات:
أولها بالعقوبات الاقتصادية والحصار لمدة 14 عاما، ثم عاقبتهم بالغزو الذي تم ترتيبه على أساس كذبة كبرى، ثم عاقبتهم بوضع سلطة فاسدة وحفنة من اللصوص في سدة الحكم، وكل هذه عناصر رئيسية شكلت الذاكرة العراقية وبات من الصعب إغفالها.