مقال خاص| البحث عن الضمير في جريمة مشفى ابن الخطيب
بقلم| د. مثنى عبد الله
ينزوي التحليل السياسي خجلا أمام جريمة مكتملة الأركان، ويتعطل الحديث وتهرب كل العبارات، وتنقضم الشفاه وتفغر الأفواه، وتجحض العيون وترتعد الفرائص، أمام مشهد الجثث المحترقة مع الأسرة في مشفى ابن الخطيب في بغداد ليلة 24 نيسان – أبريل الجاري. نيران تتمدد وتنسل إلى غرف العناية المركزة الواحدة تلو الأخرى، ثم تنفرد بكل قسوة فوق الأجساد المتعبة، التي تواجدت في ذلك المكان هربا من الموت اختناقا بالفايروس، لتواجه الخنق بعد انقطاع الأوكسجين ثم الحرق على أسرّة الشفاء. لم تكن الأجساد تقوى على الحركة والهرب من النيران التي تلف كل شيء في ذلك المكان، وحدها الأرواح كانت تميل وتترنح، تصرخ تستغيث، وتنادي نداء أخيرا لكن لا مجيب، فتهوي إلى نفس المصير الذي لف ملايين العراقيين ومازال يبحث عن مزيد. يهرع الناس المحيطين بالمشفى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط صراخ مفجع وحزين، لكن لا أثر يبين لمسؤول صغير أو كبير، فليس هذا المكان وحده منسيا فالعراق كله قد بات أقرب إلى النسيان. هل هو جحود بالمسؤولية أم جحود بالحياء ذلك الذي يمكن وصف الراعي به، حين يترك رعيته تواجه النيران في عقر دار الشفاء؟ وهل هو الضمير الفاقد لأناقة الإحساس أم التجبر المغلف بالعار؟ يقينا هي كل هذه وتلك وغيرها فمن لم يجد ضميره في مسيرة بحث امتدت 18 عاما، فهل يُعقل أن يجده بعد حادثة مشفى ابن الخطيب؟
إن كل الإجراءات اللاحقة بعد الحادث من اعتقال كادر المشفى أو إقالة وزير الصحة أو التحقيق مع هذا وذاك، كلها خدعة كبرى واستغلال للحدث لإسقاط هذا وتعلية قدح ذاك. فلقد بات واضحا منذ أكثر من عقد ونصف من حكم هذه الطغمة الفاسدة أنهم يستشمرون في كل مآسي الناس، بل لا يتورعون حتى عن القتل والتفجيرات في سبيل تركيز السلطة في يد جهة وإسقاطها من يد جهة أخرى بعد اتهامها بالحدث. وسيرى الجميع كيف أن هذا الحادث سيكون عاملا مهما في التسقيط الانتخابي من الآن، في حين سوف يتفاعل رئيس الوزراء مع الحدث كالعادة بحضور مجالس العزاء، أو اللقاء بعوائل الضحايا على مائدة الإفطار، أو القسم بأرواح الضحايا بأنه سوف لن يدع الجريمة تمر دون حساب، ثم يتم تشكيل لجان وتختفي الحادثة بين آلاف القضايا التي مرت دون حساب، أو يجري تدوير المسؤول إلى منصب آخر. هذا هو السياق الذي عرفه العراقيون من كل المسؤولين الذين مروا على هذا المنصب، فجميعهم لهم آذان من الصفيح وعقول محنطة وإن التهرب من المسؤولية هي لعبتهم المفضلة.
إن الافتقار إلى القيادة يتجاوز شخص أو شخصين أو أكثر في العراق، إنه يشمل الطبقة السياسية الحالية كافة؛ لذلك نرى الكوارث والنهايات المأساوية تتربص بالعراقيين وتنتظرهم في كل لحظة، حتى بات الناس يقفون عاجزين عن مواجهتها لوحدهم، بل حتى الحزن بات يعجز الإنسان عن إطلاقه؛ لأن اليأس ربض على الحواس فشلها عن الحركة وجعل الزمن عذابا، في كنف الهياكل المتعثرة للدولة وتناقضاتها اليومية، وإن كل أمل في التغيير بات سرابا في ظل الولادات المتكررة من رحم الخزي السياسي الممتد من العام 2003 وحتى اليوم. فالدول المنكوبة كالعراق ليس أمامها سوى طريق واحد هو طريق التغيير لا الترقيع.
لقد أنفق العراقيون 18 عاما لم يجدوا فيها شخصا يتصدى للمسؤولية بضمير حي ونكران ذات، حتى بات الضمور والاضمحلال يضرب في كافة زوايا الدولة والمؤسسات القائمة بعد الغياب الكامل والطويل للمسؤولية. كان المنصب في نظر كل من يمر عليه هو مجرد مصدر للثراء والتمكن السياسي ومنصة استقواء على الآخرين وتحصين من المسائلة؛ لذلك انحدر الأمن الإنساني إلى الحضيض وتولى زمن كان فيه الناس يعتصمون بيقين ثابت بأن دوائر الدولة الخدمية قادرة على خدمتهم وإنقاذهم مما هم فيه من مرض أو عوز أو ظلم أو ضنك عيش، حتى بات المريض لا يعرف أن كان ذهابه إلى المشفى فيه إنقاذ لحياته أم موت، ولا يعرف المظلوم هل استعانته بدوائر رفع المظالم من شرطة ومحاكم سوف ينصفوه أم يبتزوه، بعد أن استوزر الأمّي منصبا وزاريا وتولى الظالم والمجرم سلك الشرطة، وباتت المحاصصة هي المؤهل الوحيد في الوصول إلى المناصب.
ومع كل كارثة إنسانية أو جريمة بشعة تسقط قيمة الإنسانية في العراق إلى مجاهل سحيقة فيشعر الكثيرون في هذا المكان أنهم بعيدون عن تحقيق إنسانيتهم وأن حقهم في الحياة الحرة الكريمة معدومة تماما
إن حادثة مشفى ابن الخطيب ليست بسبب أزمة المشافي في العراق وحسب، بل هي أزمة وطن تولا زمام أموره ثلة من الجهلة واللصوص، وكانت هذه الحادثة متوقع حدوثها في أية لحظة بسبب تراكم الفساد والإهمال على مدى سنوات، وبذلك لن تنفع إجراءات الإقالة في هذا الحادث لأنها تقترب من أن تكون جريمة ضد الإنسانية بسبب تراكم الإهمال المتعمد.