بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)
إن أكثر ما يدمر الأوطان هو الجهل الذي يعد وباءً أين ما حل يحل الدمار وينتشر الفساد، فكيف إن أصبح الجهل هو من يعتلي المناصب ويسن القوانين ويقر الموازنات ويتحكم بمصير البلد والشعب، فقد أثار بيان اللجنة المالية حول العقوبات الأمريكية المفروضة على المصارف ضجة كبيرة لما تضمنه البيان من مقترح لبيع النفط العراقي بعملة غير الدولار وهو ما يؤشر جهل من صاغ البيان كونه لا يعرف شيءً عن اتفاق (البترودولار)؟ ومن أصاغه؟ وكيف عقد؟ وما هي عواقب التفكير بالتمرد على هذا الاتفاق فكيف بقرار الخروج منه؟.
في عام 1944 عقد اجتماع ضم 44 دولة نتج عنه ما يعرف (اتفاقية بريتون وودز) والتي انطلقت منها سيطرة الدولار من خلال اعتماد الدولار الأمريكي كعملة رئيسية لتحديد أسعار عملات الدول الأخرى وكان وقتها الدولار مرتبط بالذهب، وفي ستينيات القرن المنصرم بدأت أمريكا تواجه عجزاً خطيراً في الذهب ونفاد احتياطيها من الذهب والذي جعل من الصعب على أمريكا الحفاظ بوعدها بالاستمرار بربط الدولار بالذهب وبالتالي رأت أمريكا بأنها سوف تخسر هيمنتها على النظام المالي العالمي وهو ما يتطلب إيجاد حل جديد، لذا غدر الأمريكان بحلفائهم وأنهوا اتفاقية بريتون وودز بعدما أعلن الرئيس الأمريكي نيكسون بتاريخ 15 آب 1971 وقف قابلية تبديل الدولار إلى ذهب وهو أهم أركان اتفاقية بريتون وودز وحل محلها (اتفاقية البترودولار).
ظهر مصطلح (البترودولار) أول مرة من قبل الاقتصادي (إبراهيم عويس و وزير التجارة الأمريكي بيتر جي بيترسون) والذي كان نقطة تحول عالمية عندما عقد الاتفاق بين الرئيس الأمريكي (ريشارد ميل هاوس نيكسون) والعاهل السعودي الملك (فيصل بن عبدالعزيز) على أن يكون بيع النفط بالدولار مقابل أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بحماية الآبار النفطية السعودية، ثم بعد ذلك وافقت دول أوبك كافة على اتفاقية البترودولار والتي ربطت النفط بالدولار وأعطته الهيمنة العالمية مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تحكم قبضتها على النظام المالي العالمي والذي يعتبر هو سر قوتها وتفوقها عالميًا.
إن فكرة التمرد على اتفاقية البترودولار تعد بمثابة حرب خطيرة على الولايات المتحدة الأمريكية، بل أنها ترى بأن بيع النفط بغير الدولار أخطر عليها من تلقي جنودها وقواعدها العسكرية الضربات المستمرة حتى لو كانت بالصواريخ الباليستية والمقاتلات، إذ سبق للولايات المتحدة أسقطت حكام واجتاحت بلدان لأن قادتها كانوا قد فكروا بالخروج عن اتفاقية البترودولار وهو ما يهدد النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة من خلال عملتها الدولار والذي أتاح لها الاستفراد بحكم العالم وبروز سياسة القطب الأوحد أي العالم بقبضة الولايات المتحدة الأمريكية.
إن من صاغ بيان اللجنة المالية في البرلمان العراقي عليه أن يعي حجم مخاطر بيع النفط العراقي بغير الدولار الأمريكي والذي يفوق تصوره، تبدأ هذه المخاطر من خلال أن العراق منذ تسعينات القرن المنصرم يبيع نفطه، لكن لا تسلم له الأموال بشكل مباشر بل هناك حساب في بنك جي بي مورغان الأمريكي توضع فيها أموال النفط العراقي ومن ثم تقوم الولايات المتحدة بتزويد العراق بالدولار بشكل نصف شهري وهو ما يتيح للولايات المتحدة إمكانية تجميد هذه الأموال، ثاني المخاطر هو فرض حظر على النفط العراقي خصوصًا وأن العراق بلد اقتصاده ريعي يعتمد على النفط بنسبة (95%) مما يعني انهيار العراق واقتصاده بشكلٍ كامل، ثالث المخاطر رفع الحصانة عن الأموال العراقية وجعلها محل نهب لكل من يدعي الديون على العراق، رابع المخاطر هو إعادة العراق تحت البند السابع، خامس المخاطر منع وصول الدولار إلى العراق والذي بالأساس يحصل عليه العراق من بيع النفط، سادس المخاطر فرض حظر التجارة على العراق مما يعني دخول العراق في عزلة تجارية وهو ما يتسبب بمجاعة فضيعة خصوصًا وأن العراق لا يمتلك صناعة ولا زراعة، سابع المخاطر حرمان العراق من نظام سويفت وهو ما يعني انهيار القطاع المصرفي العراقي بشكل كامل.
إن الخروج من اتفاقية البترودولار سوف يجن جنون الثور الأمريكي مما يجعله يستخدم كافة وسائل الردع المميت من حصار مالي واقتصادي وتجاري وسياسي والردع العسكري العنيف لأنها قد تسامح أو تتهاون في أي شيء، إلا التمرد على البترودولار والذي يشكل قبضة أمريكا الحاكمة على العالم والسيطرة الشاملة على النظام المالي العالمي، إذ أن سر قوة الولايات المتحدة هو الدولار الذي يعد الأوسع استخدامًا في التبادل التجاري وتقييم عملات الدول وأن أي محاولة لفتح ثغرة بالنظام المالي العالمي والقفز من اتفاقية البترودولار يعني الإجهاز على البلد واقتصاده، وأن على من يعتلون المناصب في العراق أن يبتعدوا عن العواطف والاندفاع بمثل هذه القضايا ولا ينساقون خلف الأجندات الخارجية لأنها ستجعلهم أثر بعد عين ويدمروا ما بقي من العراق واقتصاده المترنح ويجهزوا على مستقبل الأجيال، فكروا بمن سبقوكم بهذه الفكرة ماذا حل بهم وببلدانهم.