الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات لقاء صحيفة الميثاق مع الدكتور عبد الحميد السعدون

لقاء صحيفة الميثاق مع الدكتور عبد الحميد السعدون (باحث وأكاديمي عراقي)

الميثاق| في ظل الفوضى العارمة في العراق خاصة مع وجود عدد مهول من الأحزاب والحركات التي تدعي السياسية، كيف تنظرون إلى انتخابات مجالس المحافظات التي سبق وتم إلغاؤها لفشلها وفسادها، والآن هناك إصرار كبير على إعادة تشكيلها من جديد؛ وكيف ترى هذا التخبط؟

السعدون| هذه المجالس لا يرتجى منها خير أبدا وذلك لأنها مجرد حلقة زائدة لا معنى لها، والغرض من إعادة تشكيلها بعد إلغائها في زمن العبادي وهو الاسترزاق على حساب الشعب وفتح باب آخر للفساد الذي عشعش في كل مفاصل الدولة، وأن الدعوة لإعادة تشكيلها جاءت بعد إصرار حيتان الفساد من الأحزاب المتنفذة لغرض إيجاد مواقع لأعوانهم يسهل عليهم من خلالها نهب ميزانيات المحافظات لتذهب إلى جيوب الفاسدين بدلا من أن يستفيد منها الشعب الذي يعاني الفقر ونقص الخدمات وتهالك البنى التحتية.

الميثاق| بماذا تفسر تصاعد الصراع بين مرشحي انتخابات مجالس المحافظات؟ على الرغم من أن نتائجها معروفة سلفا، في ظل انعدام نزاهتها وعدم مصداقيتها؟

السعدون| إن تصاعد الصراع بين مرشحي الانتخابات هو دليل آخر على أن الهدف هو نهب أموال الشعب لأن هؤلاء ليس في وارد تفكيرهم سوى الاستحواذ على ميزانيات المحافظات من خلال مشاريع وهمية لا وجود لها، ولهذا نراهم يتقاتلون على الفريسة، فهؤلاء المرشحون هم واجهات للأحزاب المتنفذة التي عاثت في العراق فسادا على مدى العشرين سنة الماضية والتي ضاق بها الشعب ذرعا، ونتيجة لإحجام الشعب عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع وهدم المشاركة في الانتخابات، توجهت تلك الأحزاب إلى تشكيل واجهات تابعة لها لتدخل الانتخابات بأسماء مختلفة ولتوهم الشعب أن هذه الواجهات ليست تابعة لها، ولهذا فلا جدوى من هذه الانتخابات ولا فائدة ترتجى منها.

الميثاق| ما هي مخاطر استخدام المال السياسي ولا سيما الخارجي في الانتخابات، وأين تكمن خطورته على المشهد السياسي ومن يقف وراءه، خصوصا أن هناك تحذيرات من تبديد المال العام بدعم من حيتان الفساد على انتخابات لا فائدة منها، والخاسر فيها المواطن وحاجاته؟

السعدون| الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة منذ 2003 قد أدى إلى ظهور طبقات فاحشة الثراء من الطبقات الدنيا في المجتمع العراقي، ومن الأحزاب التي تدين بالولاء إلى دول أجنبية ليس لها ولاء للوطن، وهذه العناصر تأتمر بأمر الأجنبي وتعمل على تنفيذ مخططاته وأجنداته في العراق، ولهذا فإن هناك خطرا كبير على الوطن والشعب يتمثل في تبوء تلك العناصر مواقع المسؤولية في الدولة وذلك لأنها لا تعمل لمصلحة الوطن والشعب بل تعمل لمصالح دول وجهات خارجية لا تريد للعراق النهوض والتقدم والازدهار.

الميثاق| وما هي فرص تأجيل انتخابات مجالس المحافظات وتوقيتها مع الانتخابات العامة العام المقبل؟

السعدون| لا اعتقد أن انتخابات مجالس المحافظات سيتم تأجيلها، وذلك لأن الأحزاب المتنفذة والجهات الخارجية التي ترتبط بها تلك الأحزاب وتعمل على وفق أجندتها ومخططاتها مصرة على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد.

الميثاق| الاستقطاب السياسي والطائفي والعشائري هو عنوان انتخابات مجالس المحافظات؛ كيف تفسره؟

السعدون| لا نستغرب الاستقطاب السياسي والطائفي والعشائري الذي بات عنوانا لهذه الانتخابات وغيرها من الانتخابات، فالاحتلال الأجنبي للعراق قد اتبع مع العراق سياسية فرق تسد، وأن ما يسمى بالدستور قد جعل من الشعب العراقي الواحد الموحد كيانات ومكونات طائفية وعشائرية ومناطقية للأسف الشديد، وهذه هي سياسة المحتل دائما التي تعمل على فرقة الشعب الواحد لكي يسهل عليها تروضه ونهب خيراته وتسلط عملاء على الشعب يعملون لصالح الأجنبي الغاشم.

الميثاق| هناك من يسعى لتسويق نفسه طائفيا وتارة بالتلويح بورقة ما يسمى الحشد الشعبي؟

السعدون| من المؤكد أن هذه الأحزاب التي جاءت مع المحتل الأجنبي الغاشم لا تعرف غير البضاعة الطائفية الفاسدة فهذه هي بضاعتها الوحيدة التي تحاول من خلالها تسويق نفسها بعد أن أيقن الشعب بكل فئاته أن هذه الأحزاب الطائفية هي الشر بعينه وأن الخلاص منها بات ضرورة قصوى بعد أن عاثت في الوطن فسادا وتفتيلا وتهجيرا، فلم يبق لهذه الأحزاب الفاسدة غير الورقة الطائفية البغيضة ولكي تلعب بها في محاولة يائسة لإيهام الشعب أن هناك من يتربص به على أسس طائفية، ولكن الشعب قد فهم اللعبة وأيقن تماما أن لا طريق للمحافظة على وحدة العراق الوطنية وسلامته الإقليمية وسيادته واستقلاله سوى طريق الخلاص من هذه الأحزاب الفاسدة التي تتستر بستار الدين تارة وبستار الطائفية تارة أخرى، والتلويح بورقة الحشد الشعبي الذي لم يتشكل إلا بأمر من الحرس الثوري الإيراني من أجل تحييد الجيش العراقي وجعل ما يسمى الحشد الشعبي الذي يتلقى أوامره من الحرس الثوري الإيراني بديلا للجيش العراقي بهدف السيطرة على العراق والتحكم بمقدراته وخيراته، بل أن هناك عناصر في الحشد الشعبي يتقاضون رواتبهم من الحرس الثوري الإيراني.

الميثاق| وعلى الرغم من فشلهم وعدم قدرتهم على تنفيذ ما تعهدوا به؛ مرشحون يعيدون تدوير أنفسهم بالمال السياسي والتلويح بالسلاح؟ كيف ترد؟

السعدون| من المعلوم أن هذه الطغمة الفاسدة التي تسلطت على رقاب الشعب العراقي لا تجد ما تسوق به نفسها إلى الشعب سوى المال السياسي من السحت الحرام الذي نهبته من أموال الشعب فهم يحاولون من خلال المال الذي سرقوه عن طريق الفساد أن يشتروا ذمم البعض من ضعاف النفوس لكي يجملوا صورهم القبيحة أمام الشعب، وعندما يعجزون عن تسويق انفسهم عن طريق المال الحرام لا يتوانون أبدا عن استخدام لغة التهديد والوعيد والاستخدام المنفلت للسلاح حيث أن البلد يشهد الآن غياب القانون وضعف الدولة بسبب سيطرة الميليشيات والدولة العميقة على مقدرات البلد فالتهديد والترهيب واستخدام السلاح هو الوسيلة التي يلجأ إليها هؤلاء الفاسدون من أجل الاحتفاظ بكرسي السلطة.

الميثاق| برأيكم لماذا تتصدر العناوين الطائفية والتهديد بالسلاح والعنف المشهد السياسي والانتخابي ومن المستفيد منها؟

السعدون| قلنا إن الأحزاب الفاسدة المتسترة بغطاء الدين قد عجزت أن تقدم للوطن والشعب أي منجز في مجال الخدمات أو البنى التحتية أو التربية والتعليم أو الصحة أو في أي مجال من مجالات الحياة، بل أن منجزها الوجيد هو إشاعة الفساد في مفاصل الدولة ونهب أموال الشعب، ولهذا فإن الشعب قد فقد الثقة بها نهائيا، ولا يثق بالانتخابات أو من يأتي عن طريق الانتخابات لان النتيجة معروفة مسبقا وأن هذه الأحزاب الفاسدة واتباعها هم من سيفوزون بالانتخابات، ولهذا تلجأ هذه الأحزاب إلى التهديد والعنف والترهيب واستخدام السلاح المنفلت من أجل فرض نفسها بالقوة، فهي لا تتردد أبدا عن استخدام كافة الوسائل والسبل غير المشروعة من أجل الاحتفاظ بالسلطة ونهم أموال الشعب.

الميثاق| وما هي انعكاساتها على مسار الوضع العام الذي يخضع برمته للعامل الخارجي؟

السعدون| أنا لا اعتقد أن هذه الانتخابات وما يتمخض عنها من نتائج سوف تكون لها أي انعكاسات على الوضع العام، فالانتخابات هي مسرحية مفضوحة ومعروفة النتائج وليس لها أي تأثير على الوضع العام، وذلك لأن الغرض منها هو المجيئ بفاسدين جدد يتولون تسهيل مهمات الفساد ومشاريعه لحيتان الفساد الكبيرة وسيبقى الوضع في العراق يدور في حلقة مفرغة لا يمكن الخلاص منها إلا بإزالة هذه الطغمة الفاسدة وتخليص العراق وشعبه من شرورها، فالوضع الذي يعيشه العراق منذ عام 2003 هو وضع شاذ ولا يمكن أن يستمر.

الميثاق| هناك توقعات وقراءات كبيرة تشير إلى عزوف الناخبين عن المشاركة بالانتخابات؟ لماذا بتقديركم؟

السعدون| هذه ليست توقعان ولا قراءات، بل هي حقائق على الأرض نلمسها يوميا وتفصيليا ونعيش وقائعها من خلال آراء الناس وما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال حواراتنا ومناقشتنا مع الآخرين، حيث هناك توجه عام لدى الشعب عموما بعدم المشاركة في الانتخابات وذلك لأن الشعب قد فقد الثقة نهائيا بهذه الأحزاب الفاسدة أولا، وثانيا لأن هذه الانتخابات معروفة النتائج مسبقا فالوجوه هي نفس الوجوه أو واجهتها المزيفة، ولأن الشعب لا يتوقع خيرا من هذه الأحزاب الفاسدة على الإطلاق.

الميثاق| على رغم حصول المحافظات على موازنات ضخمة إلا أن واقعها الخدمي متخلف وتفتقر للتطور وينخرها الفساد؛ برأيكم ماذا ستضيف المجالس المحلية للواقع السياسي والخدمي المنهار في جميع المدن العراقية، علما أنها إحدى أبواب الفساد واستمرار انهيار الخدمات؟

السعدون| قلنا بشكل واضح أن السبب الرئيس لإعادة تشكيل مجالس المحافظات هو العمل على نهب ميزانيات المحافظات لا سيما في ضوء ارتفاع أسعار النفط وحصول العراق على إيرادات ضخمة تكي لإعادة إعمار البلد وتطويره والنهوض بواقعه المرير، ولكن للأسف الشديد فإن حيتان الفساد التي أمنت العقاب بسبب غياب الدولة والقانون بدأ لعابها يسيل على تلك الأموال التي تم تخصيصها للمحافظات من أجل النهوض بواقعها، فعملت تلك الأحزاب وبإصرار على إعادة مجالس المحافظات لكي تكون بابًا واسعا للفساد ونهب ميزانيات المحافظات.

الميثاق| بتقديركم في ظل ما يعيشه العراق من أزمات خطيرة هل إجراء انتخابات مجالس المحافظات ضرورية بالوقت الحاضر؟

السعدون| الحقيقة هي أن مجالس المحافظات لا ضرورة ولا حاجة لها أصلا لأنها حلقة زائدة وباب من أبواب الفساد، ولذلك لا ضرورة لهذه المجالس ولا حاجة لإجراء انتخابات سواء في هذه الظروف أو غيرها، فهذه المجالس لا تهدف إلا لشرعنة فساد الفاسدين من خلال مشاريع وهمية تخصص لها مبالغ ضخمة من ميزانيات المحافظات لتذهب إلى جيوب الفاسدين.

الميثاق| برأيكم هل يمكن القول في ظل الوعي الشعبي الرافض لكل الانتخابات: أن هناك اتجاها شعبيا جماهيريا أصبح يرفض الخطاب الطائفي الذي تثيره الأحزاب الطائفية المتسلطة على رقاب العراقيين، لأنه لم يعد كافيا للتغطية على فشل وفساد هذه الأحزاب وحكوماتها، وهل نحن أمام ثقافة شعبية عراقية وطنية يمكن أن تتبلور إلى تيار فكري وسياسي يمكن أن يسيطر على مستقبل العراق؟

السعدون| الشعب العراقي شعب حي ووريث حضارة عمرها 12 ألف سنة، وهذا الشعب لا يمكن ترويضه بخطابات طائفية بغيضة أو بخزعبلات عفا عليها الزمن، وبالرغم من الحملات التثقيفية الكبرى التي تنفذ منذ أكثر من عشرين عاما وما تقوم عليه من أساليب التجهيل والتزييف الممنهج للحقائق ومحاولات طمس الهوية الوطنية العراقية وإشاعة النعرات الطائفية البغيضة، فقد ظل الشعب العراقي عصيا على الترويض رافضا لكل محاولات النيل من وحدته الوطنية وتفكيك نسيجه الاجتماعي المتماسك، وبقيت فئات الشعب العراقي ومكوناته القومية والدينية تشكل ألوانا زاهية في الطيف الوطني العراقي، وما انتفاضة تشرين التي قادها شباب العراق من الفئات العمرية التي ولدت بعد الاحتلال الأجنبي الغاشم والتي استهدفتها حملات التضليل والتزييف والتجهيل إلا دلال قاطع على أن هذا الشعب العظيم قادر بعون الله تعالى على إعادة الأمور إلى نصابها وتصحيح مسيرة هذا الوطن العزيز وأن التيار الوطني الرافض لهذه الأحزاب وسائسها وأجنداتها الخارجية سينمو ويكبر وبلقي بهذه الأحزاب الفاسدة في مزابل التاريخ، وأن غدا لناظره قريب بعون الله تعالى.

مقالات متعلقة