الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات لا معنى للحرية في وطن مجرموه أحرار

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

مع استمرار الحكومة العراقية لمسلسل الاعتقالات بحق الصحفيين والناشطين في العراق لزرع الخوف وتثبيت الأنظمة الديكتاتورية وانعدام حرية التعبير على أرض الواقع..

يوم الأربعاء المصادف ٢٠٢٣/٨/١٦ في محافظة البصرة قضاء الزبير تم اعتقال الناشط المدني عمار كزار نمر وتطويق منزله وتفتشيه وإدخال الرعب في نفوس أطفاله من قبل جهات تابعة للمخابرات وجاءت هذه المذكرة بسبب تعسفي وشكوى كيدية. الناشط عمار كزار نمر هو مسؤول تنسيقية المشروع الوطني للحوار والتعايش السلمي في العراق ولطالما كان يحارب بالصوت والكلمة الاحتلال الأمريكي وينتقد ما آل إليه وضع المواطن والوطن في ظل هذه الظروف التي أوجدها المحتل ..

وفي ظل سياسة تكميم الأفواه ومحاولة صناعة الديكتاتورية، المتتبع لسلوك الحكومة العراقية خلال السنوات والشهور الأخيرة يلاحظ أن قمع كل صوت معارض مهما كان خافتا أصبح نهجاً لا يستثني أحدا...

من أغرب الظواهر الاجتماعية في العراق الراهن أن كلمة الاعتقال أصبحت تتداول في وسائل الإعلام دون أن تثير حفيظة أحد حتى من بين عناصر النخبة ويبدو أن كثرة تردديها أفقدتها رنينها المفترض بحيث أصبحت جزءا من حياة الناس الأمر الذي جعلها تستقبل بمشاعر عادية ومحايدة كأن الأنسان الطبيعي كما أنه يأكل وينام ويذهب إلى عمله ويقضي عطلته فينبغي عليه أن يعتقل أيضا باعتبار أن هذه بدورها عطلة تفرض على المواطن في مكان لا يختاره هو وإنما تختاره الحكومة التي لها أيضا أن تحدد توقيتها ومدتها .

لقد أصبحت أخبار اعتقال عشرات الناشطين في الفترة الأخيرة بمثابة زوايا ثابتة في الصحف والقنوات ومواقع التواصل وغالبا ما يكون ضحايا هذه الاعتقالات المخبر السري أي دعوات كيدية وهم خليط من الناشطين طلاب وأساتذة الجامعات وأصحاب أعمال حرة وهذه العملية أصبحت تتم بصورة منظمة لا فرق في ذلك بين طلاب تضيع عليهم مواعيد الامتحانات وسنوات الدراسة أو رجال أعمال تتوقف أحوالهم وتكاد تخرب بيوتهم أو أساتذة جامعيين تدمر حياتهم ويهددون في مستقبلهم العلمي هؤلاء يساقون جميعا إلي المعتقلات في طوابير يومية دون أن يحرك ذلك ساكنا في البلد حتى الفضائيات الجادة التي تتمتع بهامش واسع من الحرية أصبحت تبث أخبار الاعتقالات دون أي تعقيد كأنها أخبار للطقس أو أسعار للعملات التي يتلقاها الناس بالانصياع والتسليم وفي أغلب الأحوال ما يذكر سبب الاعتقال وحين يشار إلى ذلك فإن ما يقال لا يتجاوز حدود العبارات الممجوجة التي تتراوح بين تكدير الأمن العام والسلم الاجتماعي والتمجيد لجماعة محظورة أو حزب منتهي الصلاحية وهو ما لم نكن نعرف أنه يشكل جريمة يستحق بسببها المواطن أن ينتزع من بين أهله وأولاده وأن يوقف حاله ثم يلقى بعد ذلك في السجن عقاباً له على التضامن مع المظلومين من أبناء جلدته مع مجرد التفكير في ممارسة بعض حقوق المواطنة

إننا لم نطالع أو نسمع في الأخبار عن استخدام القانون في اعتقال تجار المخدرات والقتلة والسراق علما بأن تجارة المخدرات يتجولون ويتاجرون وفي عز النهار تحت أجنحة الميليشيات والأحزاب وأصبحت هناك خدمة لتوصيلها إلى المنازل أيضا في الوقت ذاته فإن ممارسة بعض من أصحاب النفوذ والسلطة التابعة للمليشيات في حق المواطنين وسرقتهم انتقلت من الأماكن النائية في الأقضية والنواحي إلى وسط المدن منها تلك المنازل التي أخذت عنوة من أصحابها من قبل أشخاص ينتمون إلى أحزاب ومليشيات وبعد أن كانت تتم تحت جنح الظلام أصبحت تحدث في عز النهار وفي المناطق والشوارع الرئيسة وفي الوقت ذاته رغم صدور أحكام نهائية في آلاف قضايا القتل والسرقة والنهب والاغتصاب من قبل هؤلاء المأجورين إلا أن الجهات المعنية لا تلقي القبض إلا على عدد محدود من مرتكبي هذه الجرائم؛ وبعد مكالمة من مسؤول أو نائب يخرجون معززين مكرمين.

أما الهمة والدقة في الملاحقة والضبط فإنها عادة ما تكون من نصيب الناشطين والصحفيين وبالمناسبة هل يمكن أن يدلنا أحد لماذا لدينا أمن وطني وليست عندنا أمن مواطن لدينا، أمن دولة وليس لدينا أمن شعب والذي هو الأهم .

إن التاريخ سيذكر لنا ولن يغفر لنا أنه في عهد من العهود كان يعتقل المئات والآلاف في حين ظل أغلب المثقفين إما يلتزمون الصمت حذرا وخوفاً أو يهللون لأزهى العصور وإنجازات أبناء الرافدين في إحياء عاشوراء بالطبخ واستقبال آلاف الزوار من الجارة المحرضة الأولى لكل ما يجري ..أو خليجي ٢٥ وكيف نجعل البلاد العربية راضية علينا وإلى الجحيم بشبابنا وأبناء عمومتنا ..

حتى المواطنين سيكون عليهم بعد اليوم السير وسط حقل ألغام من القوانين القمعية بعد القرارات القضائية التعسفية وقانون حرية التعبير، والجيوش الإلكترونية التي تتابع مواقع التواصل والمؤسسات الإعلامية، ستكون طلقة الرحمة على حرية الرأي، اليوم المشكلة تكمن في أن المخالفات غير محددة، أي إن للجهات القضائية الحرية في تحديد المخالفة من غيرها، بدون أي ضوابط ثابتة، ما يعني أن العقوبات ستطبق وفقا للمزاجية، ويمكن أن تستغل سياسيا كما حصل سابقا مع قانون 4 إرهاب الذي تم استغلاله لتصفية الخصوم، ويتم تطبيقه وفقا لإرادات سياسية.

هناك إرادة سياسية تتحكم في إصدار القرارات والقوانين وفقا لأجنداتها الخاصة وإن القرار يمثل خطوة خطيرة في قمع الصوت الحر في البلاد، وإذا ما تم تطبيقه فإنه سيكون بداية خطيرة لسلطة الأحزاب على الشعب وقمع رأيهم. القانون يمثل نسخة عن قانون حرية التعبير الذي تسعى جهات سياسية لتمريره في البرلمان، والذي يفرض عقوبات خطيرة على المخالفين للقانون الذي يقمع حرية التعبير، ويتدخل حتى في عمل المؤسسات الإعلامية، بل إنه يتدخل حتى في تحديد اختيار الضيوف الذين تلتقي بهم المؤسسة الإعلامية، ما يعني أن المؤسسات ستكون مرهونة بسياسة الدولة فقط..

لطالما تساءلت دائماً ما المشكلة في أن يختلف المرء في بلادنا في نظام الحكم طالما ظل الاختلاف في اللسان والكلمة والقلم ولماذا يحاسب المواطن عندنا على نواياه وأفكاره مع أنه لا يقل في شيء عن أي مواطن آخر في أي مكان بالعالم هل العيب في المواطن أم في الوطن أم في الذي يحكم الوطن ..!؟

السجون العراقية مكتظة بآلاف السجناء والمغيبين قسراً وتتضارب الأرقام حول أعدادهم الحقيقية فعقب الاحتلال الأمريكي 2003 سيطرت العشوائية على نظام الاعتقال والمحاكمة والتحقيق فضلا عن اعتماد المخبر السري وبقاء أعداد من المعتقلين بدون محاكمة واستغلال السجون لتصفية الحسابات السياسية.

لقد أمست السجون العراقية اليوم تمثل مصادر ثراء وتمويل للأجهزة الحكومية، حتى إن منصب إدارة السجن بات يباع بمبالغ كبيرة بين الأحزاب لما يمثله من مصدر تكسب مهم في ظل غياب القانون والرقابة.. حتى أصبحت إدارة السجون التابعة لوزارة العدل من أكثر أجهزة الدولة فسادا، لكن قلة قليلة تتحدث عن هذه المأساة لذا فلن تراها كثيرا في الإعلام. هناك مافيات وميليشيات تابعة للأحزاب تهيمن على ملف السجون، لذا فإنه يصعب إصلاح الوضع داخل المعتقلات خصوصا أن هناك شخصيات كبيرة ومتنفذة تستثمر في هذا الملف.

وتؤكد المعلومات وجود حالات تعذيب وإساءة في التعامل والابتزاز كوسائل لانتزاع الاعترافات إذ يعترف القضاة والمحامون والأطباء العراقيون بانتشار مثل هذه الأعمال فضلا عن روايات الضحايا التي لا تترك مجالا للشك. بأن من يدير هذه السجون مليشيات تابعين للحرس الثوري الإيراني ..

كل شيء في العراق خاضع للرشى كما هو معروف، وملف المعتقلين بالذات لا يخضع لأي معايير إنسانية أو أخلاقية أو حتى قانونية بسبب دوافع طائفية في الغالب، فلجان التدقيق والرقابة والنزاهة إما أن تشارك في الجريمة أو تتغافل عنها بحجة أن المعتقلين إرهابيون.

النقطة الغامضة والمعقدة جدا في هذا الملف أنه يصعب تحديد الجهة، التي تقف وراء ذلك بشكل مباشر وصريح، رغم أن أصابع الاتهام غالبا ما توجه نحو فصائل وميليشيات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة.

مقالات متعلقة