بقلم| د. يحيى السنبل
يعيش العالم اليوم حالة من الاستقطابات، أصبحت الصورة فيها أكثر وضوحا بعد الحرب الروسية - الأوكرانية.
ويسعى الطرفان الأمريكي والروسي على تجديد المعاهدات والاتفاقات مع عدد من الدول؛ ليتسنى لهما التأكد من مواقف تلك الأقطار تجاه تحركاتهم ومدى إمكانية العمل معهم كحلفاء في مواجهة كل طرف للآخر.
فالرئيس الأميركي الذي وقع ما يسمى إعلان القدس مع الكيان الصهيوني جاء إلى قمة جدة في السادس عشر من تموز ٢٠٢٢ ليجتمع مع حكام الخليج ومصر والأردن ليتأكد استمرار مواقفهم وبقائهم في الخندق الأمريكي، ليعترف بايدن بأن الإدارة الأمريكية أخطأت بإعلان انسحابها من الشرق الأوسط تاركة فراغا في الساحة مما دعا روسيا والصين إلى ملء ذلك الفراغ.
وفي ظل الصراع الحاصل بين أمريكا والغرب من جهة وروسيا من جهة ثانية، والخلاف المعلن بين واشنطن وطهران حول الملف النووي الإيراني، نرى انقساما بالمواقف للدول العربية بين مشروعين إقليميين لا يقل أحدهما خطرا عن الآخر باستهداف الأمة في وجودها وتاريخها وحضارتها وهما المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني.
وقد استبق الإعلام العربي وصول بايدن إلى قمة جدة بالترويج لتصريحات بعض المسؤولين العرب بأن القمة ستفضي إلى تشكيل ناتو عربي لمواجهة النفوذ الإيراني.. إلا أن القمة قد انتهت دون ذكر لهذا التحالف أو حتى الإشارة إليه بل أن الوقائع على الأرض تشير إلى عكس ذلك، فالسعودية تخوض مفاوضات برعاية الكاظمي لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع طهران!. في غياب واضح لأي مشروع عربي مستقل ينأى بالشعوب العربية من التأثيرات الإقليمية والعالمية.
وما نراه اليوم من انقسام عربي هو من تداعيات تدمير المنطقة العربية ابتداء بالعراق ومرورا بسوريا واليمن وليبيا والتخلي عن القضية الفلسطينية؛ فأمريكا التي تعيش وقع هزيمتها المرة في أفغانستان وفشل مشروعها المعلن في العراق بإنشاء نظام ديمقراطي؛ حيث تحولت ديمقراطيتها الكاذبة المبنية على الدماء والقتل وتدمير مؤسسات الدولة العراقية إلى حكم تمييزي طائفي مقيت على أسس كارثية بإشراف ملالي إيران العدو التاريخي للعراقيين والعرب؛ كل ذلك جعل العالم يفقد الثقة بالسياسة الأمريكية المنحازة لقوى الشر المعادية لإرادة الشعوب من أجل تحقيق مصالحها على حساب مآسي تلك الشعوب، فالرئيس الأميركي فشل في سعيه لزيادة إنتاج النفط والغاز لمحاصرة موسكو والتضييق عليها بإيجاد البديل عن صادرات الطاقة باتجاه أوروبا والعالم.
وبروز الصين وروسيا كقطبين عالميين قد وضع أمريكا في موقف حرج لا تحسد عليه بعد أن فقدت مصداقيتها أمام العالم من خلال ما ارتكبته من جرائم وحشية وإبادة جماعية بحق الشعوب الآمنة في كثير من بقاع الأرض وكان آخرها احتلال أفغانستان والعراق بل إنها سعت مستغلة انفرادها كقطب عالمي وحيد بتصدير وفرض عادات منحرفة وشاذة مخالفة لعقائد وأعراف وثقافات الشعوب والأمم، كل ذلك صنع ضغوطا اجتماعية وشعبية للوقوف بوجه الطغيان الأميركي المنحرف.
وقد لمس الرئيس الأمريكي حالة الخذلان في قمة جدة من أنظمة طالما سعت لإرضاء أمريكا وتنفيذ مشاريعها التدميرية للأمة إلا أنها وبعد كل ما قدمته لقوى الشر في العالم من خدمات أصبحت لا تثق بالحليف الأمريكي الذي يتكلم بلغة ويتعامل بالمكائد والدسائس ضدها، وهو على استعداد لترك تلك الأنظمة والتخلي عنها في أول محطة إذا وجد من طرف آخر ما يقدمه له ولو بأقل مما قدمته الأنظمة العربية، وكان المثل الشاهد يوم تخلى عن نظام المخلوع حسني مبارك الذي قال قولته المشهورة بعد فوات الأوان "المتغطي بالأمريكان عريان".
على جانب آخر وفي التاسع عشر من تموز أي بعد ثلاثة أيام فقط من قمة جدة عقدت قمة طهران للدول الثلاث روسيا وتركيا وإيران، روسيا التي تخوض حربا ضد أوكرانيا بعد أن اعتبرتها مهددا لأمنها القومي واتهمتها بالتصرف بوحي أمريكي وغربي بالضد منها. إلى جانب إيران التي تختلف مع أمريكا بالملف النووي وتشاركها بل تتوافق معها في كثير من الملفات بالمنطقة.
أمريكا قدمت لإيران كل التسهيلات الممكنة لكسب ودها وولائها للوقوف في خندقها وترك روسيا، لأن أمريكا تعتبر إيران قوة إقليمية مهمة في المنطقة من الممكن أن تعتمد عليها بعد الكيان الصهيونى في حماية المصالح الأمريكية والغربية؛ لذلك نرى أن الغرب وأمريكا والأنظمة العربية الدائرة في فلك أمريكا منحت إيران تفويضا تاما بالسيطرة على العراق بكل قطاعاته ومفاصله وتخويلا مطلقا بارتكاب جرائم الإبادة والتصفية لنخبه ومكامن قوته، إلا أن المشروع الإيراني أبعد من ذلك بكثير فكانت الأموال العراقية في خدمة التطلعات الإيرانية بصناعة الحركات والأذرع المسلحة في الأقطار العربية الأخرى.
قمة جدة لم تسفر عن شيء مختلف في المنطقة سوى اطمئنان بايدن على أمن الكيان الصهيوني الذي أجمع عليه المجتمعون
وقمة طهران أكدت على تدفق الحبوب من موانئ أوكرانيا تحت رعاية روسيا وتركيا وهذا ما يزيد ثقة دول العالم المستفيدة بهاتين الدولتين رغم اختلاف وجهات النظر بشأن الملف السوري والعملية العسكرية التركية المرتقبة في الشمال السوري.