إياد العناز
إ
تهتم الأوساط السياسية الإقليمية والدولية بطبيعة المفاوضات التي ستجري في الخامس عشر من حزيران 2020 بين الإدارة الأمريكية وحكومة بغداد وتتابع مجريات وأحداث النتائج والاتفاقيات التي ستحصل نتيجة اللقاءات والاجتماعات الثنائية بين الطرفين، وأهمية هذا الأمر يتأتى من ملامح السياسة الأمريكية في الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط وانعكاس هذه المفاوضات على مجمل الأحداث التي تجري وستكون إحدى علامات النظرة الاستراتيجية للدور الأمريكي القادم عبر مخاضات عديدة وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، هنا سيكون الأمر محددا في النظرة الإقليمية لمصالح عديدة لدول ترتبط بعلاقات وثيقة مع بغداد وتنظر أين سيكون دورها القادم وملامح وجودها وطبيعة المصالح التي ستدافع عنها وتحمي حضورها في الميدان العراقي والجميع يسعى إلى معرفة حقائق وأفاق هذه الحوارات ونظرة الولايات المتحدة الأمريكية لكيفية التعامل مع الأحداث والوقائع القادمة في العراق وتحديد الأطر الاستراتيجية لعلاقة قادمة مع حكومة بغداد ووضع الركائز والأسس التي ستحدد برامج وأدوات هذا الحوار الذي يحظى باهتمام الجميع.
تسعى الإدارة الأمريكية إلى وضع معايير مهمة في عملية التفاوض أساسها النظرة المستقبلية لتواجد ميداني بمديات طويلة يعزز مفهوم أن واشنطن هي الحليف الاستراتيجي الأهم في العلاقات مع بغداد ويعطي رسالة واضحة للجميع أن عليهم أن يعلموا أن طبيعة هذه المفاوضات إنما هي للحفاظ على المصالح والمنافع الحيوية للإدارة الأمريكية ومشاريعها والعمل باتجاه معرفة حقيقة وطبيعة العلاقات القادمة التي ستؤسس لمجالات واسعة ورحبة مع بغداد، أي أنها ستعلن للمفاوض العراقي أن عليه أن يختار بين أن تكون واشنطن هي الحليف الاستراتيجي ولا بديل لها مع أي قوة وتواجد ونفوذ أخر على الأراضي العراقية وتحديدا علاقة بغداد مع النظام الإيراني الذي اتخذ منحنا كبيرا ومجالا واسعا في التدخل بالشؤون الداخلية والفرار السياسي العراقي عبر العديد من الوسائل التي يتبعها بوجود المليشيات المسلحة والوكلاء والأدوات التي ترتبط به إضافة الى العديد من الأحزاب السياسية التي تعمل على تسويق السياسة الإيرانية التوسعية في العراق.
يعتبر المحتل الأمريكي هو أكثر من يعلم حقيقة الأوضاع السائدة في العراق والأزمات التي يعيشها الشعب العراقي والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العراقي فهي نتيجة الاحتلال الأمريكي والنفوذ والهيمنة الإيرانية ويحاول الأمريكان في هذه المفاوضات اتباع سياسة واضحة في التعامل مع الشأن العراقي يبتعد كثيرا عن الاهتمام بالجانب العسكري والأمني ليذهب به الى جوانب أخرى تتعلق بالسياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والصحة أي إنه يريد أن يرسخ مفهوم لعلاقة كاملة الأطر وفي جميع مجالات الحياة، وهنا تسعى واشنطن لتعزيز مكانتها ودورها الاستراتيجي في علاقتها مع العراق وعدم السماح لأي طرف إقليمي ودولي أن ينافسها في هذا المجال واعتماد مبدأ العمل على فتح جميع مجالات التعاون والإصلاح بما يحقق نتائج ميدانية تساعد على فهم السياسة الأمريكية وملامحها القادمة في التعامل مع الشأن السياسي العراقي وتحديدا في مسار العلاقة مع طهران وطبيعة التداخلات الكبيرة التي أصبحت أحد علامات الوجود والتأثير الإيراني في الحياة السياسية العراقية بل وفي جميع المجالات ،والولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن هذا النظام أصبح أكثر نفوذا ووجودا وتأثيرا منها بعد التنازلات التي قدمتها الإدارات الأمريكية السابقة في علاقتها مع طهران وتعاملها الميداني المشترك في العراق وهي تسعى لإيجاد صيغة جديدة تعيد لواشنطن دورها وتأثيرها في الحياة العامة للبلاد وتريد أن تؤكد هواجسها من التمادي والنفوذ للمليشيات الولائية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وضرورة الحد من تواجدها وعملها والعمل على متابعتها ومنعها من القيام بأي عمليات تجاه القواعد والأماكن العسكرية التابعة للقوات الأمريكية ومنع تدخلها في الأوضاع الأمنية للعراق.
تبغي واشنطن من هذه المفاوضات الموافقة على عقد اتفاقيات في جميع المجالات وبأطر وأفاق استراتيجية لعمل ميداني طويل الأمد وخاصة فيما يتعلق بقواعدها العسكرية وإدامة خطوط مواصلاتها واتصالاتها وحماية مصالحها والحد من المشاريع الإيرانية التي تتأخذ من الأراضي العراقية انطلاقا وممرا دائميا لتحقيق سياستها التوسعية تجاه عواصم الأقطار العربية وتحديدا الدور الإيراني في سوريا وطبيعة التحركات والأحداث والوسائل التي تتبع من قبل الأدوات والمليشيات المتواجدة بالقرب من الحدود العراقية-السورية المشتركة ولا تخفي الإدارة الأمريكية أهدافها من الاجتماعات القادمة فقد أعدت لها بشكل كبير وبمستويات رسمية جيدة وبوفد يضم العديد من المسؤولين وفي جميع الاختصاصات والأطر الثقافية والتعليمية والصحية والبيئية إضافة للجانبين المهمين العسكري والأمني.
نحن أمام تطور جديد في العلاقات مع واشنطن وفي تحديد مسارات وطبيعة هذه العلاقة بما يتلاءم وحقيقة الوجود الأمريكي ومصالحه والدور القادم له في العراق أي أن هذه المفاوضات ستفضي إلى نتائج تخدم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية والحفاظ على سياستها وأساليبها في التعامل مع جميع القضايا التي تهم الشأن العراقي الداخلي وتوسيع حالة الوجود الأمريكي وبجميع المجالات مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية المؤثرة داخل الوسط السياسي العراقي ولكن بمنعطفات ومنظور وأساليب أخرى غير التي مر بها العراق في علاقته الإقليمية مع النظام الإيراني.