الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات في مسار الدعوة والموقف والمبدأ


جهاد بشير

لم يكن الدكتور المربي عبد المجيد السامرائي ـ رحمه الله ـ الذي وافاه الأجل ظهر الإثنين الثلاثين من شهر آذار/مارس الماضي؛ مجرد إنسان عابر في هذه الحياة، بل كان من صنّاعها الذين يبتغون فيها الآخرة، ويسعون إلى أن يكونللمجتمع العراقي وغيره مثابات تقوده بقيم مُثلى ورؤى سديدة.

وربما لا يكون الفقيد معروفًا بين الناس ولاسيما الجيل الجديد؛ إلا أنه من ألمع نجوم الوسط في الحركة الإسلامية في العراق على مدى ثلاثة عقود أو أزيد من القرن الماضي وأكثر من نصفها في الألفية الثالثة، وأحد خيرة فرسان الدعوة ممن يكتب عنهم التأريخ شجاعة في الرأي والموقف، وثباتًا على الحق والصواب، وصبرًا بوجه المحن والعوائق.

إن الحديث عن مثابة عراقية ذات أثر؛ لا يكون مقيدًا بالعاطفة ـ رغم أن حضورها في الاستذكار مندوب ـ وإنما تُعرف حقيقة الرجال بالإيمان، ويوثق جهادهم بالمواقف، ويُصادق على نجاعة الفكرة فيمن يجسدونها واقعًا لا يخرج عن ثوابتها وإن قلت نماذجهم، لا فيمن يدّعونها وإن طغت الكثرة فيهم.

“المثابات التي هي من طراز الدكتور عبد المجيد السامرائي ـ رحمه الله ـ قليلة، لكنها مؤثرة”

ولعل التربية الإيمانية في مسار الدعوة ومنهجيتها ووسائلها المعتبرة؛ هي الجوهر الأبرز في حياة الدكتور السامرائي ـ رحمه الله ـ ومنها تمتد أواصر أنماط الدعوة الأخرى عنده، فقد عرف كيف تُفهم الثوابت، وكيف يُعمل بها، وأتقن طرائق توظيفها في الحياة.. وما في تأريخه من نتاج ميداني ودعوي شاهد على ذلك كالكوكب الدري في ليلة صيفية.

نقول ذلك من باب الشهادة أولاً عن معرفة وقرب واتصال، ثم عن مسؤولية تفرضها القضية العراقية على من يدوّن أحداثها ويرصد تطوراتها على كافة الصعد كما هو حاصل في هذه الزاوية، ولذلك وجب أن يكون المقام هنا أكثر اهتمامًا من غيره في الوقوف على توصيف مثابة كانت لها بصمات وآثار لا تقوى طوارق الأحداث ولا طوارؤها على محوها أو محاولة تغييبها.

وحينما نعطي أنفسنا الحق في نفي المبالغة عن القول إن منهج التربية بكافة أطرها متجسد في الرجل الذي طبّق من خلالها أركان الدعوة كلها بدءًا من منطلقاتها وأدبياتها، ومرورًا بالتضحية في النفس والمال والأهل والمأوى، وانتهاءً بالجهاد والمواجهة مع أعداء الدين وخصوم الأمّة الإسلامية؛ فإن الحق نفسه يقودنا إلى توثيق موقفه السياسي المستمد ابتداءً من حقيقة الفكرة التي يؤمن بها، ولاسيما في الشأن العراقي وواقعه الطارئ بعد سنة 2003م، والذي تجّلى برفضه أي مشروع سياسي داخل منظومة العملية السياسية التي أسّسها الاحتلال، ونصح من تورطوا بالدخول فيها بأن عملهم مرفوض لأنه يتقاطع مع مصالح الدعوة وأسس التربية التي نشأت عليها الفكرة، فضلاً عن مخالفته ثوابتها وتضاده مع مقاصدها.

ومما يؤسف له أن أحدًا ممن حاولوا كسب موقف منه لتأييدالعمل السياسي في ظل الاحتلال أو المشاركة فيه؛ لم يعد يلقاه ـ بعد رفضه ـ أو يعوده أو يسأل عن أحواله وأوضاعه رغم أنه في سنواته الأخيرة كان مثقلاً بالمرض؛ في واحدة من أكثر نواقض التربية ذمًا، وأسوأ محطات النظر القاصر في ميدان الدعوة والحركة والفكر.

فارسنا الذي يوصف بأنه رجل الدين والدعوة، ويُشهد له بتميزه وحرصه على الإصلاح وإعادة بعث العقيدة في نفوس الشباب؛ طالما كان يرى أن بذل الجهود على الإعداد الإيماني، وتعزيز القيم في المجتمع، وتنمية روح الأخوة، ومعاني الجهاد بين أبناء القضية خاصة والمسلمين عامة؛ هو فرض الوقت في العراق، وأن ذلك مستعلٍ على عمل سياسي مغلف بنواقض الثوابت ومنحرف عن مسار الفكرة.

“لعل التربية الإيمانية في مسار الدعوة ومنهجيتها ووسائلها المعتبرة؛ هي الجوهر الأبرز في حياة الدكتور السامرائي ـ رحمه الله ـ”

تواضع وإخلاص، وهدوء في السمت وعلوُّ في الخلق؛ جعلت الفقيد بعيدًا عن دوائر الأضواء، ومجانبًا لمواطن طلب المناصب، فقد نذر نفسه للدين تنظيرًا وتربية، وتطبيقًا وعملاً ميدانيًا، بموازاة علمه في مجال اختصاصه في الطب النفسي وطب الأعصاب، وقد ترك في نفوس تلامذته على اختلاف اتجاهاتهم وميولهم ذكريات وآثار لا ينبغي لأي حصيف منهم أن يتناساها، فضلاً عن الجزيل من الأعمال والمواقف التي كانت مما لا يريد هو الحديث عنها أو عدها إنجازًا كبيرًا؛ لتواضعه وابتغائه وجه الله فيه.. ولعل المقولة التي تتردد في الأصداء قديمًا وحديثًا تنطبق عليه جدًا: “أولئك قوم عرفوا ما قصدوا.. فهان عليهم ما بذلوا”.

وفي الأسابيع الأخيرة من حياته؛ لم يكن حرصه على دعوته إلا شديدًا وعالي المستوى، وقد تحدث وهو يستطلع أوضاع ما يجري في العراق في ظل ثورة تشرين والسخط الشعبي الموحد على الظلم والفساد والانحراف الذي يغشى البلاد؛ عن ضرورة انصراف الجهود على إعداد برامج تربوية تعيد المجتمع العراقي إلى دائرة الصلاح، وتعزز فيه القيم، وتؤسس لمنهجية تضمن مستقبلاً يوفق فيه الله البلاد وأهلها.

المثابات التي هي من طراز الدكتور عبد المجيد السامرائي ـ رحمه الله ـ قليلة، لكنها مؤثرة، وإن المنهجية التي يتبناها هذا النوع من القدوات هي التي يجب أن تؤخذ بنظر الراصدين تعبيرًا عن الفكرة وحقيقتها ومقاصدها، لأن الأمور إنّما تعرف بالجوهر ومن يتبناه، لا بمن يدعي وهو منفصل عن الأصول ومكتفٍ بالتملق تحت مظلة العناوين.

مقالات متعلقة