الاقتصاد العالمي بين تخبط القرارات وحتمية السقوط
تسلسل (6): رفع أسعار الفائدة
بقلم| عمر الخليفة
يعيش العالم تحت وطأة ضغوط اقتصادية متتابعة أفضت إلى المزيد من التقلبات الاقتصادية على خلفية ارتفاع نسب التضخم في دول العالم جراء تراكمات سابقة تسببت في تفاقم الأزمة, ثم فرضت المتغيرات الجيوسياسية ضغوطا أخرى تراكمت مع ضغوطات تضخم النفقات الحكومية وتراجع الإنتاج وسلاسل التوريد لتعزز من قوة التضخم الاقتصادي الذي أخذ بالتصاعد الكبير خصوصا في تركيا والأرجنتين واليونان والولايات المتحدة الأمريكية وهو ما جعل البنك الفيدرالي الأمريكي يستخدم رفع أسعار الفائدة كأداة لكبح جماح التضخم والتي لم تحقق حتى الآن الهدف المرجو منها رغم إقرار الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة لمرات ثلاثة سابقاً، إلا أن نسب التضخم ترتفع من شهر لأخر مسببة ضغط كبير على الاقتصاد والحكومات والشعوب في ظل غياب المعالجات الحقيقية لأزمة التضخم, إذ أكدنا مرات عديدة بأن رفع أسعار الفائدة ليست علاج للتضخم وثبت ذلك ميدانيا بعد الرفعات الثلاث التي ازدادت نسبة التضخم لتصل لمستويات قياسية لم تحدث من أربعة عقود.
رفع أسعار الفائدة هو مفهوم يشير إلى "أداة رئيسية للبنوك المركزية لضبط السياسة النقدية للبلاد والمقصود هو تحديد (سعر الأموال) وتحدد البنوك المركزية سعر الفائدة الأساسية وهو كلفة الاقتراض ما بين البنوك وتقوم البنوك والمؤسسات المالية بتحديد سعر فائدة على القروض والمدخرات استنادا إلى سعر الفائدة الأساسية ويحدث ذلك عندما ترتفع نسبة التضخم في الاقتصاد _زيادة أسعار السلع والخدمات_ وبالتالي يجعل سعر الأموال غاليا فيتراجع الاقتراض للأشخاص والأعمال ويقل الإنفاق والطلب على الاستهلاك فينخفض التضخم، ويخفض البنك المركزي الفائدة في حالة الركود الاقتصادي فيجعل سعر الأموال رخيصا فيزيد الاقتراض وبالتالي زيادة الإنفاق الاستهلاكي وينتعش الاقتصاد فيخرج من الركود", وما يحدث هذه المرة من تضخم لا يمكن لرفع أسعار الفائدة معالجته كون التضخم مصحوب بالركود وهو ما جعل المشكلات الاقتصادية متشابكة, إذ أنه كلما رفعت أسعار الفائدة عجل ذلك من دخول الركود الاقتصادي الذي تزداد نسبة المخاوف منه بشكل تصاعدي مريع.
لقد أقر الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة ثلاثة مرات خلال العام الحالي بدأت الأولى بتاريخ "26 آذار 2022" عندما أعلن "جيروم باول" رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة بنسبة (0.25% نقطة أساس) لمحاولة تشديد السياسية النقدية لمواجهة التضخم, لكنها لم تحقق الهدف منها فواصل التضخم ارتفاعه فارضا ضغوطًا كبيرة وعنيدة على الولايات المتحدة الأمريكية مما جعل الفيدرالي الأمريكي يقر رفعتين منفصلتين لأسعار الفائدة بين كل واحدة منها كانت نسبة التضخم ترتفع بشكل كبير من شهر لأخر وهو ما يعزز قولنا بأن رفع أسعار الفائدة ليس حلا للتضخم، بل استخدم لدعم الدولار الأمريكي مقابل العملات الأخرى وهو ما تأكد بذلك عندما انخفض اليورو بحدث تاريخي أمام الدولار لم يحدث منذ عشرون عاما.
إن رفع معلات أسعار الفائدة لن يلقي بظلال تأثيره على الولايات المتحدة وحدها فحسب من خلال عدم الحد من التضخم , بل سوف يؤثر عالميا خصوصا أن رفع أسعار الفائدة من شأنه يرفع كلف الاقتراض بالدولار الأمريكي في السوق العالمية وكذلك زيادة الطلب على الأصول الدولارية مقابل الأصول بالعملات الأخرى وكذلك انخفاض العملات الأخرى مقابل الدولار فضلا عن أن الدول التي تُقّوم ديونها بالدولار فإن عملية سداد الديون ستكون مكلفة لها, كما أن لرفع أسعار الفائدة أكثر كبير على البلدان منخفضة أو متوسطة الدخل كونها ستكون معرضة للاقتراض بالدولار وهذا يكبدها تكلفة كبيرة جدا ستبقى تعاني منها لسنوات عدة.
إن قرار رفع أسعار الفائدة من قبل البنك الفيدرالي الأمريكي لم يأتي لكبح جماح التضخم بقدر ما هو قرار يستهدف ضرب الاقتصادات الأخرى من خلال الدولار الذي يعد هو العملة الاحتياط الأساسية في العالم وكذلك هو العملة المستخدمة في القروض العالمية فضلا عن استخدام الدولار في التعاملات التجارية الدولية و كذلك في السندات المتداولة عالميا, كما أن لرفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن يتسبب في رفع نسبة التضخم في البلدان لأخرى بسبب الأصول الأمريكية مسعرة بالدولار وهذا يجعلها الأكثر جاذبية للمستثمرين من أصول العملات الأخرى مما يؤدي إلى رفع تكلفة الواردات التي تسعر أغلبها بالدولار وهو ما قد يجبر الدول الأخرى إلى التقليل من الواردات والدخول بالتقشف والذي ستكون نتيجته ابطاء النمو الاقتصادي.
إن عملية رفع أسعار الفائدة التي يقودها الفيدرالي الأمريكي سوف تعرقل عملية سداد الديون الخارجية للدول منخفضة أو متوسطة الدخل كون عملية السداد ستزداد تكلفة لأن القروض الخارجية مسعرة بالدولار, كما أن رفع أسعار الفائدة يؤدي إلى هروب المستثمرين نحو الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أكبر قدر من الأرباح وهو ما سيؤثر سلبا على اقتصادات الدول الأخرى, كما أن أسعار الطاقة والغذاء سوف ترتفع بشكل كبير كونها تسعر بالدولار؛ وهذا سيؤدي إلى حدوث آثار مدمرة على الاقتصادات الأخرى فضلا عن أن رفع أسعار الفائدة يمكنه أن يؤدي بالدول ذات الاقتصادات النامية والناشئة بالتخلف عن سداد ديونها بسبب تكلفة الديون العالية التي ارتفعت بسبب رفع أسعار الفائدة, وقد يرى البعض أن رفع أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي الأمريكي حتى الآن أثره قليل على الدول الأخرى, لكن الحقيقة التي لم يتكلمون عنها هي أن الآثار التدميرية لرفع أسعار الفائدة لن تكون آنية، بل مستقبلية مما سيؤدي إلى تأكل الاحتياطي المالي للدول وتباطؤ عجلة اقتصادها وإفلاس عدد من الشركات والبنوك وزيادة نسبة البطالة وبالتالي زيادة نسبة الفقر.
إن معدل التضخم المتنامي في الولايات المتحدة الأمريكية الذي وصل خلال الشهر الجاري (9.1%) مرتفعا عن الشهر الماضي الذي كان عند مستوى (8.6%) الذي رغم رفع معدلات الفائدة لثلاث مرات سابقة لكنه لم ينخفض وهو ما يدفع البنك الفيدرالي الأمريكي الذي سيجتمع يوم 27 من شهر تموز الجاري لإقرار رفع سعر الفائدة وأتوقع أن تكون أسعار الفائدة ما بين (0.50%_ 1%) نقطة أساس لمواجهة التضخم وهذا يعني المزيد من الأضرار على الاقتصادات الدول النامية والدول ذات الاقتصادات الناشئة, رغم معرفة الفيدرالي الأمريكي أن رفع أسعار الفائدة ليست علاجا حقيقيا للتضخم, بل هو قرار لدعم الدولار ودفع الاقتصاد العالمي للسقوط.