بقلم| سارة جميل (كاتبة وناشطة عراقية)
منذ انتخابات 2021 دخل العراق في منعطف خطير بعد أن قاطع الغالبية العظمى من الشعب العراقي الانتخابات وبانت نتائجها بخسارة ساحقة وكبيرة لموالي وأذرع إيران المتمثلين بالإطار التنسيقي، وفوز الكتلة الصدرية بالعدد الأكبر للمقاعد، وبعدها شكل تحالف يعتبر الأول من نوعه منذ أن بدأت حكومات ما بعد 2003، تحالف "السيادة" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" أطلقوا عليه تحالف "إنقاذ وطن" ضم (180) نائبا من أصل(329) نائب.
بدأت التناحرات والصراعات بينهم ولم يتوافقوا خاصة وأن زعيم التيار الصدري وزعيم الإطاريين نوري المالكي ليسوا على توافق منذ زمن بعيد، اتسعت الخلافات بينهم على حكومة أغلبية وتوافقية لترضي أذرع إيران وتضمن بقاءهم حتى وصلوا إلى طرق مسدودة؛ مما جعل مقتدى الصدري يتخذ قرارا مفاجئا للجميع بالانسحاب من البرلمان! وأعلن الإطار مرشحه "محمد شياع السوداني" رئيسا للوزراء متحديا رغبة مقتدى الصدر بتشكيل حكومة أغلبية، هذا الاستفزاز جعل زعيم التيار الصدري يثور ليعلن ما سماها " ثورة عاشوراء" وسرعان ما أمر اتباعه بالخروج إلى الشارع ليعلنوا رفضهم تشكيل حكومة إطارية، احتل أتباعه البرلمان لمدة شهرين.
بالمقابل احتجت أذرع إيران خارج أسوار الخضراء حتى وصلت خلافاتهم لطرق مسدودة وتحولت بعدها لاقتتال، بعد أن أطلق "كاظم الحائري" رصاصة الحرب الأولى بتحويل مرجعية الصدريين إلى خامنئي، وهذه كانت إحدى طرق إيران للسيطرة على مقتدى وحراكه وإجبارهم على العدول والرضوخ، قتل ما يقارب من خمسين شابا من أتباع التيار الصدري بواسطة ميليشيات إيران ليعلنوا الحرب التي لن تهدأ أبدًا.
أحداث دامية في بغداد بين ميليشيات مقتدى وميليشيات إيران خرج بعدها زعيم التيار الصدري ليعلن سحبهم من الشارع لكن الطرف الآخر "أذرع إيران" لم تهدأ وصعدوا ببياناتهم مستفزين جماهير التيار وزعيمه وبعدها انتقل الاقتتال للبصرة حيث عاشت المدينة ليلة دامية.
ليصعد بعدها مقتدى خطابه متهما "قيس الخزعلي" رسميًا بواسطة ما يسمى بـ "وزير القائد" بالأحداث الأخيرة وبجرائم قتل قديمة، وبعدها جاء بخطاب تصعيدي آخر ليطلب من رئيس الوزراء "مصطفى الكاظمي" إقالة فالح الفياض من الحشد الشعبي كونه غير كفوء وغير وطني! ولا يمتلك ذهنية عسكرية وإبعاد الحشد عن الخضراء وتسليمها للقوات الوطنية وإبعادهم عن المنافذ الحكومية وحل الفصائل المسلحة، يعتبر هذا تصعيد خطير بينهم بالمقابل هذه مطالب غالبية الشعب العراقي لكن هم بحاجة لضمانات من سيحل فصائل مقتدى الصدر المسلحة إن نجح بمشروعه " الاصلاحي" كما يدعي ولميليشياته باع طويل بالقتل والتعدي على العراقيين فالتأريخ قريب ولم ينس!
كل التحركات التي تدور على الأرض تؤكد أن الاقتتال بينهم سيدوم وسيخلف دماءً كثيرة وبقياس القوة فيحسب لميليشيات مقتدى القوة على الأرض وسيطرتها بالسلاح، وبعدد الموالين فتيار مقتدى تيار عقائدي مرتبط روحيًا بزعيمه ومستعد بأن يفديه بدمه إن طلب ذلك، عكس أذرع إيران الذين لا يملكون هذه القاعدة على الأرض وحظوظهم ضعيفة بالنصر ويمكن لإيران أن تتخلى عنهم إن تطلبت مصالحها فالحفاظ على البيت الشيعي بالنسبة لها أهم من أذرعها الحاليين الذين أصبحوا عبء عليها بسبب تصرفاتهم الغير مدروسة، يمكن لإيران استبدال أذرعها الحاليين بغيرهم ويمكن أن تأتي بأحزاب جديدة مصبوغة بصبغة المدنية والليبرالية وتوهم الجماهير بأنهم غير موالين وهي فعلا بدأت العمل بذلك..
يفترض على الكفاءات الوطنية إعادة تشكيل نفسها على الأرض لتكون قوة وطنية موازية لقوة الصدريين شعبيًا لضمان حقوق العراقيين وأمنهم مستقبلا؛ ترك الأمور للتيار الصدري وحده وهو يتعامل بذهنية الـ "گصگوصة" و "جرة الأذن "ممكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية.
بهذه الذهنية لن يبنى بلد مدني يعترف بدستور وقانون، ما يحتاجه العراق للخلاص من أذرع إيران إيقاف العمل بدستور "بريمر" الاحتلالي وتشكيل حكومة إنقاذ وطني يترأسها شخصية قوية وليست ضعيفة كشخصية مصطفى الكاظمي، تكون مهمتها تهيئة البلاد للانتخابات وكتابة دستور بواسطة خبراء كفوئين ليتم التصويت عليه من قبل الشعب بدون أي تأثير من المراجع كما حصل بدستور (2005). إن كان مقتدى الصدر صادقا في إصلاحه فعليه اتخاذ هذه الخطوات ونحن نعلم إنه صاحب القوة الأكبر، وانتصاره عليهم هو مجرد وقت... هذا إن بقي ثابتا على مشروعه ولم يتراجع!!