الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات دور ملالي طهران في احتلال العراق وتدميره

بقلم| أ.د عبد الرزاق محمد الدليمي (أستاذ الدعاية الإعلامية)

كان تأثير نظام الملالي في إيران بالعراق أحد أكثر الجوانب التي يجري الحديث عنها ولكنه أقلّ الجوانب التي يتم فهمها في الوضع الذي أعقب الاحتلال، رغم المناوشات الدعائية بين واشنطن وطهران إلا أن نظام الملالي قدم للاحتلال الأمريكي البريطاني دعما لولاه لما حقق الاحتلال تقدمه السريع في جبهات كثيرة منها مثلا السماح لدخول قوات الاحتلال البريطاني من الأراضي العراقية التي تحتلها ايران منذ 1925 (الأهواز) بعد فشلها في مواجهة صمود القطعات العراقية البطلة في البصرة ...وضمن سياسة التخادم سمحت واشنطن لملالي طهران بأخذ أدوار بشكل متباين وفي كثير من الأحيان غير مناسب ومؤذ وفاضح منها القيام بسلسلة من التدخلات غير المشروعة (التلاعب في الانتخابات ومساندة الميليشيات والتسلّل إلى جميع محافظات البلاد). وفي الواقع، إن هدف ملالي طهران من توغلها الموسّع في العراق، محاولة لاستمرار عدم الاستقرار.

إن حقيقة أن لإيران مصالح حيوية فيما يحدث في العراق هو أمر لا ريب فيه، كما أنّ كونها قد مارست حتى الآن نفوذاً ينطوي على تحفّظ كبير هو أيضاً جليّ، حيث تؤكد الوقائع أن لديها القدرة على القيام بأكثر من ذلك بكثير وأسوأ من ذلك إلى حدّ بعيد. ولزيادة فرصة خلق الفوضى في العراق بنجاح وإفشال أي مسعى حتى ولو بشكل محدود بالانتقال السياسي إلى حدّ أعلى، كما أن من الأمور الجوهرية والحاسمة لطهران أن تعمل مع ذيولها بالعملية السياسية في تعقيد قضايا الأمن، في وقت لم تحرك الولايات المتحدة ساكنا على الأقل بالحيلولة دون حدوث مزيد من التدهور في العراق المحتل نتيجة التدخل الواسع والعميق من قبل ملالي طهران .

لقد أثبتت الأحداث طيلة 21 سنة عجاف من عمر الاحتلال البغيض زيادة المخاوف بأن نظام إيران الداعم الرئيسي بعد أمريكا للعنف المناهض في العراق، كذلك أصبح واضحا أن إيران لم تكتف بما تسببت به من كوارث في العراق بل ذهبت لدعم وتسهيل حركة الجماعات المسلحة وثبت باليقين أن طهران دعمت داعش وتنظيمات أخرى كثيرة تعبث في العراق وسوريا ولبنان واليمن وصولا إلى إفريقيا وغيرها من أماكن تمددت بها إيران، وبأنها كانت مسؤولة عن كثير من عمليات الاغتيالات داخل العراق، كما لايزال الملالي يعملون لإقامة حكومة دينيّة (ثيوقراطية) موالية لهم قلبا وقالبا.

إن الفكرة العامة المتمثلة في أن ملالي إيران مصمّمين على القضاء على أي استقرار للعراق (إن وجد!!) وصياغة سياساته وسرقة ثرواته بشكل حاسم (عن طريق استغلال الجوانب العقائدية الطائفية أو إرسال الملايين من مواطنيها لتوطينهم في العراق)، والاستمرار بتأسيس حكومات دمى ذات ميول مماثلة ومذعنة لها، قد أصبحت مقبولة وأمرا واقعا في العراق، وبقبول وإذعان من العالم العربي واستفادة الولايات المتحدة.

علما أن هنالك دلالة بتدخل أجهزة ملالي طهران والتلاعب في الانتخابات الأمر الذي أدى في كل مهازل الانتخابات إلى فوز وانتصار الأحزاب الشيعية العميلة لإيران وهو أكثر من مجرّد ترجمة سياسية لسيطرتهم على كل المشهد السياسي والأمني في العراق المحتل. وكذلك لم يعد خافيا تقديم الأدلة الملموسة والواقعية على تورط إيران بنشاطات وجرائم الميليشيات التابعة لها للتمرّد على حكومة الدمى التي أسسوها وعدم الاستقرار إلى الحدّ الأقصى.

إن قوّة إيران تآكلت بعد خسارتها الحرب العدوانية ضد العراق لمدّة ثماني سنوات مع العراق في عقد الثمانينات من القرن الماضي، إلا أنها استفادت من تلك الحرب عن طريق تمكن وكالاتها الأمنية من الاطلاع الكبير عن التضاريس الطبيعية والسياسية لجغرافية العراق، كما أصبحت قادرة على الاحتفاظ بوجود استخباراتي نشط في جنوب العراق وفي بغداد ومحافظات أربيل ودهوك والسليمانية، وتشتمل أذرع النفوذ الإيراني على شبكة واسعة الانتشار من المخبرين المدفوعي الأجر وفيلق الحرس الثوري الإيراني والدعاية الدينية الطائفية الممّولة بواسطة دولار النفط العراقي ويتمثّل الأمر الأكثر أهمية في أن نظام إيران مستمر بالتأثير على العملية السياسية الفاسدة الفاشلة في العراق من خلال تقديم دعمه لعملائه، وفي حين أن سجل 21 عاما الماضية يوحي بوجود حافز إيراني دائم وراسخ للتدخل في كل تفاصيل الحياة بالعراق وفي العديد من الأنشطة الإيرانية، رغم أن المجتمع العراقي يواجه هذا التدخل بالشكّ والاستياء العميقين تجاه جارتهم اللعينة.

إن نقطة الانطلاق لفهم التعاون والتخادم بين واشنطن والدور الموكل لنظام ملالي إيران يجب أن تعتمد على تقييم صحيح لمصالحهما؛ وهذه المصالح أصبحت واضحة كالشمس التي لا يحجبها غرابيل الدعاية الأمريكية المضللة، وتتمثّل أولوية واشنطن وطهران في الحيلولة دون ظهور العراق من جديد كتهديد لنظام إيران وأمن الكيان الصهيوني، سواء كان ذلك في شكل عسكري أو سياسي أو إيديولوجي، ومنع دعم العراق للقومية الكردية المناهضة للنظام العنصري الطائفي في إيران أو نجاح النظام الوطني الذي كان قائما في العراق قبل الاحتلال بتوحّيده لجهود ونضال القوميات المهمة في إيران لقيام نظام بديل أو نموذج ديمقراطي يجمع المواطنين الرافضين لحكم الملالي الذين يعيشون في إيران وخارجها مثل مجاهدي خلق وغيرهم.

وبناءً على ذلك فإن إيران مصمّمة على الاستمرار بالهيمنة على العراق، وتجنّب انتقال عدم الاستقرار إلى مجتمعاتها، والحرص على وجود دائم لحكومات تنشئها من عملائها من شيعة السلطة، والأهم من ذلك الإبقاء على الولايات المتحدة منشغلة وفي وضع حرج. وقد ترتّب على ذلك نشوء استراتيجية ذات ثلاث شعاب معقّدة: التشجيع على ديموقراطية الانتخابات (كوسيلة لإنتاج الحكم الشيعي)؛ والترويج لخلق درجة من الفوضى بحيث تكون سهلة الانقياد (وذلك لإحداث اضطراب مطوّل ولكن قابل للسيطرة عليه)؛ والاستثمار في سلسلة واسعة من الفاعلين العراقيّين المتنوعين الذين كثيراً ما يكونون منافسين (لتقليل المخاطر إلى الحدّ الأدنى في أيّة نتيجة يمكن تصوّرها)

إن هذه المصالح وهذه الاستراتيجية التوافقية بين نظام طهران والأمريكان في إدارة العراق وهي أكثر من مجرّد محاولة هادفة لصياغة العراق في الصورة الخاصة التي تخدم بها الطرفين، تفسّر عدم محاسبة واشنطن لإيران على تورّطها في كثير من الملفات الخطرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن علما أن الأمريكيين يعلمون علم اليقين بأن ملالي طهران متورطين حد النخاع في كثير من الملفات الكارثية في العراق والدول الأخرى

كما أن إيران تنظر إلى الأحداث في العراق كجزء من مخاوفها المتشككة المتزايدة تجاه الولايات المتحدة سيما إذا حصل تغيير في تكتيكات الإدارة القادمة (إذا جاء الجمهوريون إلى الحكم) ومن حضور أمريكي كبير على حدودها، وإلى قلقها من خطابات الجمهوريين في واشنطن الرنّانة وخشيتها من شهيّتهم في تقليم أظافر النظام، وبالتالي فإن طهران تمتنع عن خيار تدخل أوسع بكثير لإنتاج عدم استقرار أكبر.

تقوم إدارة بايدن، وهي تبني سياستها في العراق على التعاون مع مجاميع من عملاء إيران من الشيعة، وسياستها تجاه إيران على الضغط المرن على النظام، رغم قناعات الأطراف الأمريكية المعتدلة بضرورة إيجاد السبيل المفضّل للسير قُدماً بالتوفيق بين طهران وواشنطن، حيث يتم بموجبه معالجة هموم الجانبين: كبرنامج إيران النووي، وسياستها تجاه عملية السلام بين بعض الأطراف العربية مع الكيان الصهيوني، ومساندتها لحزب الله في لبنان؛ ومن الجانب الآخر الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، وعقوباتها الاقتصادية وموجودات إيران والتي لايزال بعض منها مجمد حتى الآن.

مقالات متعلقة