بقلم| صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
وعندما تعرت المدينة
رأيت في عيونها الحزينة
مباذل الساسة واللصوص والبيادق
رأيت في عيونها المشانق
تنصب والسجون والمحارق
والحزن والضياع والدخان
(عبد الوهاب البياتي)
العفو العام، مثله مثل كل الملفات المهمة المتعلقة بقوانين إقصائية و تجريمية لكل ما ومن هو مختلف في المجتمع العراقي من مثل اجتثاث البعث، وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، وحماية الأسرة الخ، ليس إلا ورقة ضغط محاصصاتية على الطرف السياسي "السني" في لحظات تشكيل الكتلة الأكبر والحكومة. في تلك اللحظات تطلق أحزاب التشيع السياسي الوعود المجانية، الفارغة من المحتوى والمضمون وما ليس في نية هذه الأحزاب الميليشياوية تنفيذها لأنها تتعارض جوهريا مع مصالح هذه الأحزاب وعرابها إيران. ثم تأتي اللحظة التالية، ما بعد تشكيل الحكومة، لحظة المماطلة والتسويف والابتزاز للحصول على مكاسب وتنازلات من قبل الطرف المعني بالعفو العام، مماطلة لتضييع الوقت وتأجيل حسم هذه الملفات إلى أجل مسمى، أي إلى الانتخابات اللاحقة. هكذا يتم التعامل مع مآسي فئات واسعة من الشعب العراقي التي لا تمتلك موارد وعلاقات قوة أو جسد سياسي يمثلها ويضمن تنفيذ مطالبها، يبقى مصيرها مرهونا بالبوكرة المحاصصاتية.
في هذه الأثناء تتفاقم المآسي وتزهق الأرواح البريئة لأطفال ونساء وشيوخ على مرآى ومسمع ما تسمى منظمات حقوق الإنسان وممثلة الأمم المتحدة وممثلي الدول "المتحضرة". على الجانب الآخر من المهزلة، الكوميديا الشيطانية، نسمع السفيرة الأمريكية تتحدث عن الشراكة والنمو والازدهار في عراق اليباب، مهزلة يتوجها اللغط عن الجندرية وحقوق "النوع الاجتماعي".
ثم هناك حلقة فائضة عن الحاجة، ما يسمى مجلس النواب، مجلس لا يقوى على تنظيم جلسة، ناهيك عن تشريع قوانين وضمان حقوق أفراد الشعب.
العفو العام يغدو في ظل هكذا بنية عبثية مجرد سردية حكواتي يستهزئ بعقول الشعب ومشاعر المغلوبين على أمرهم.
الثورة الفرنسية أعلنت عن نفسها باقتحام سجن الباستيل لأنه رمز للقمع وإرهاب دولة مبارك دينيا ورمز لـ اللاعدالة تجاه الطبقات الفقيرة والمسحوقة والمهمشة.
كم عدد السجون والمعتقلات والزنزانات التي يرقد ويعذب فيها ويغتصب ويباع ويشترى ويبتز ويتاجر بأعضائه من أبرياء الشعب العراقي؟!
هنالك ثقافة هاديس، وهي شبكة عنف سجون فوق وتحت الأرض تديرها مليشيات يُفترض أن بعضها جزء من وحدات الحشد الشعبي، وهو عالم يتجاوز أي تنظيم ورقابة قانونية أو إنسانية حيث يتم تعذيب عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء.
شبكة السجون ازدهرت مع الوقت، وخصوصا بعد ٢٠١٤ تحت غبار محاربة "داعش"، وباتت تبحث أبدا عن نزلاء جدد لتجارة البشر.
أبرياء يقبعون بالسجون بسبب تهم كيدية، ما يسمى المخبر السري، أو بحسب "قانون" ٤ إرهاب المخصص لأهالي المحافظات الغربية. هل هنالك قانون يعاقب الملفق للتهم الكيدية؟ لا يوجد، لماذا؟ هنالك شبكة فساد بين الملفقين والقضاة وأصحاب السجون تستثمر في سجن الأبرياء، من ابتزاز وسلب ملكية إلى بيع وشراء واغتصاب ومتاجرة بأرواح الأبرياء وذويهم.
بهذا المعنى، حقوق الإنسان في العراق ينقصها مفهومين: حقوق وإنسان!
جزء من قوة الشر هو الطريقة التي يتغلغل بها في حياة البعض، وفي أغلب الأحيان لا يعتقد هؤلاء أصلا أن ما يفعلونه شريرًا، فهم دائما ما يجدون مبررات واهية تغنيهم عن الحقيقة المرة وتأنيب الضمير، من مثل "دواعش".
شبكة السجون، الرسمية والسرية، مرتبطة بالسلطة الميليشياوية وتشكل إحدى دعامات ارتكاز السلطة وحضورها في المجتمع حيث تضمن الحفاظ على السلطة من خلال زج الأبرياء خلف القضبان ونشر سياسة الخوف بين الفئات المسحوقة في المجتمع، وذلك لأن السجون، بالتعريف، للفقراء والضعفاء ولمن لا يستند إلى غطاء ميليشياوي يحمي ظهره من الاعتقالات التعسفية.
كل ما يحتاجه المرء لقمع وقتل الأبرياء هو تجريدهم من إنسانيتهم...أو وصفه بالإرهابي أو داعشي أو بعثي أو ابن سفارة، لا فرق هنا بين طفل أو امرأة أو مراهق أو رجل، الكل متهم من أجل السلطة و حفنة دولارات.
في هذه الأثناء مستويات اللامبالاة بمصير الآخرين، المغيبين والنازحين والمخطوفين واللاجئين والمهجرين والمقتولين أمام أعيننا من أبناء و بنات جلدتنا، وصل إلى حد يدعو إلى أن نشكك في إنسانيتنا.
معارضة الأمس توأم الديكتاتورية
أولئك الذين تحدثوا بالأمس عن المعاملة اللاإنسانية لمعارضة التشيع السياسي، يعاملون معارضة حكمهم اليوم بأساليب وحشية، أولئك الذين اشتكوا من المظلومية الطائفية بالأمس، يعاملون الآخر اليوم وإن كان من أبناء جلدتهم بقسوة أسوأ مما كان يحلم بها ويتمناها الديكتاتور؛ وإلا كيف نفسر استبداد والتمادي في اعتقال وتعذيب الأبرياء من الشعب العراقي والمماطلة الأبدية من أجل تحاشي إقرار وتنفيذ قانون العفو العام بعد عقدين من الاحتلال؟
لشعب يتحمل نصيب لا يستهان به من المسؤولية لسكوته عن وعدم مطالبته بحقوق الأبرياء؛ بهذا المعنى أصبحنا كشعب منفصل عن الكلية أو عن الشعور بالهوية والشعور بالاندماج. إن مضمون الشعور "بالخروج عن الوجود" (هايدغر) يختزلنا إلى مجتمع من الغرباء حيث تنعدم القيم والالتزامات المتبادلة وتصل اللامبالاة الأخلاقية إلى حد القرف.
قناعتي أننا نحن الذين خلقنا الجلادين ونحن الذين سمحنا باستمرار السجون، لقد فعلنا ذلك من خلال تساهلنا وتنازلنا عن حقوقنا ومن خلال استسلامنا لمجموعة من الأوهام والأصنام، ثم لما أصبحنا الضحايا لم نعد نعرف كيف نتعامل مع هذه الحالة (عبدالرحمن منيف، الآن هنا.. أو شرق المتوسط مرة آخرى).
لا بد من إطلاق سراح كل الأبرياء وتعويضهم وتعويض ذويهم على الجرم واللاعدالة التي جرت بحقهم ومحاسبة كل من ساهم في إدارة واعتقال وتعذيب الأبرياء من شعبنا.