الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات حكومة السوداني ولدت ميتة

بقلم| أ.د. عبد الرزاق محمد الدليمي (أستاذ الدعاية الإعلانية)

يحاول السوداني إظهار الحرص على وضع بصمته الخاصة على الحكومة الجديدة، والتحول من نظام كان يسيطر عليه التيار الصدري إلى نظام يسيطر عليه تحالف ذيول ملالي طهران؛ بتوجيه من نوري الهالكي والخزعلي أقال السوداني بطريقة انتقامية المسؤولين الذين عينهم لصهم الكبير الكاظمي ولاسيما في أجهزة الأمن والاستخبارات، إضافة إلى كبار موظفي مكتب رئيس الوزراء، وأطلق عليها حلفاء طهران بـ "تطهير" حلفاء الكاظمي والصدر من مؤسسات الدولة. حيث ترافقت عمليات الفصل الكاسحة مع حملة بقيادة القوات المسلحة تطالب باحتجاز الكاظمي ومسؤوليه بتهمة الفساد الفظيع؛ في حين أنه من السابق لأوانه قياس التداعيات السياسية لهذه الإقالات، خصوصا إذا علمنا أن البدائل من نفس أجناس الفساد والعمالة والتخلف من الميليشيات العميلة المجرمة التابعة لمجرمي الحرب وقتلة الشعب وسراقه كالخزعلي والمالكي والعامري.

جاء تعهد السوداني في برنامجه الحكومي ليؤكد ما ذهبنا اليه "بدعم وتطوير القدرات المهنية لقوات الحشد الشعبي وبناء مؤسساتها" هذا أمر ينذر بالسوء، لأنه يشير إلى أنه لن يكون هناك جهد للحد من القوة المتزايدة والأنشطة غير المضبوطة للميليشيات المجرمة، ناهيكم عما يقوم به قادة الحشد المعادي للعراق وأهله للهيمنة المطلقة على أجهزة أمن الدولة في الحكومة الجديدة، فإن أي حديث عن وضع الأسلحة تحت سيطرة الحكومة سيكون بلا أسنان، وستستمر الميليشيات الفارسية في محاولات السيطرة على أجهزة الأمن والدفاع الرسمية والتلاعب بها دون رادع.

أما تعهد السوداني المثير للشفقة بمحاربة الفساد فهو تكرار لأكاذيب سلفه مصطفى الكاظمي، لا يمكنه القبض إلا على الأسماك الصغيرة، ومن غير المرجح أن يقدم إلى العدالة أسماك القرش الكبيرة الراعية والمهندسة الحقيقية للفساد في البلاد، على سبيل المثال يلاحظ أن كل ما زعمته الأجهزة الأمنية منذ تولي السوداني منصبه، بتفكيكها لحلقة كبيرة لتهريب النفط مقرها البصرة والتي قيل إنها تضم ضباطًا في الجيش والأمن فإنه واضح تماما أن سرعة التحرك أثارت الشكوك والتساؤل عما إذا كانت الخطوة قد بدأت في عهد الكاظمي أم أنها عملية ملفقة تهدف إلى تصفية الحسابات والتخلص من العناصر المعادية في البصرة. وهذا هو المرجح، علما أن القاصي والداني يعلم علم اليقين أن أي عملية تهريب للنفط على نطاق واسع لا يمكن أن تجري إلا بتوجيه وعلم وبالتواطؤ مع اللصوص السياسيين والحيتان الكبيرة لذا فإن محاسبة السوداني لأي من الفاعلين السياسيين الفاسدين العملاء إشاعة لا يمكن تصديقها.

إن الولادة القيصرية لحكومة السوداني المعوقة بنيت على أسس من التحالفات المصلحية المتضاربة الهشة والملغومة وغير المستقرة من الأحزاب اللاوطنية التي اتفقت مؤقتا على تمرير الحكومة... إلا أن المرحلة الحالية والقريبة القادمة ستشهد اختلافات وتوترات لن تعطي الفرصة للسوداني أن ينفذ حتى ولو جزءا من أكاذيب برنامجه الوزاري، ولا سيما أن يكون السوداني لا يمتلك الاستعداد لمقاومة الضغوط من المتشددين ومصالح الشركاء من اللصوص والعملاء في العملية السياسية سيئة الصيت والمحتوى، علما أنه يمارس أساليب ملتوية ويقدم وعود مؤجلة ومحاولات في تجنب المواجهات، حتى مع أفضل النوايا وأعظم المجهودات، والنتيجة أن السوداني سيفشل بهذا الاختبار.

أما التحدي الآخر الذي يواجهه السوداني هو ملف العلاقات مع جيران العراق ومع المنطقة الأوسع، حيث اقترح السوداني في برنامجه تعزيز هذه العلاقات، لكن التحالف الذي ينتمي إليه السوداني وبتوجيه واضح من أسيادهم لا يشككون بجدوى هذه العلاقات مع الدول العربية بل وييشجعون على وأدها، لأنهم يخشون تقويضها لمصالح ملالي طهران السياسية والاقتصادية إضافة الى المصالح الخاصة بهم.

نار تحت الرماد

يتعين على السوداني عاجلا أم آجلا التعامل مع الخلافات بين العديد من اللاعبين السياسيين المهيمنين على السلطة في العراق المحتل، فالخلافات بدأت تطفو بسرعة على السطح بين الحكومة الفيدرالية والأحزاب المهيمنة على شمال العراق حول عقود النفط وتوزيع الإيرادات، علما أن ثمة خلافات بين الأكراد ووزير النفط الجديد المعين من قبل المالكي، ستجبر المفاوضات حول قانون النفط ودستورية عقود حكومة الأحزاب التي تحكم في أربيل والسليمانية السوداني على السير على حبل مشدود بين مصالح تلك الأحزاب في الإقليم ومصالح اللاعبين من قوى التحالف، كذلك فإن مطلب القوى التي تدعي كذبا أنها تمثل العرب في المحافظات الغربية المطالبة بإخراج الميليشيات العميلة من تلك المحافظات سيضع السوداني في موقف صعب التنفيذ بل وربما الاستحالة.

هناك أيضا كم من التحديات، ولاسيما في القطاعات الخدمية، حيث يواجه السوداني بشكل مباشر مصالح الأحزاب العميلة الفاسدة المالية وكذا الحال مع قطاع الأمن والمصالح النفطية وعلى سبيل المثال لا الحصر كافح كبير الفاسدين واللصوص المجرم المالكي بقوة للحصول على وزارة النفط الكنز المربح، والمركز العصبي للدخل المالي للعراق المحتل، واللاعبون الكبار في القوات المسلحة، ويريد المالكي والميليشيات في ممارستهم الضغوط للسيطرة على الأجهزة الأمنية مثل هذه الخطوة ضرورية للقضاء على التحديات المستقبلية التي يمكن أن تقوض سلطتهم، ناهيك عن هدف جوهري هو تجنب المساءلة والقصاص، وقص أجنحة مقتدى الصدر، صحيح أن هذه الأحزاب والجماعات العميلة الفاسدة قد تتشاجر حول مناصب محددة، لكنها ستجبر على أن تتكاتف معًا (من نظام الملالي) للحفاظ على سيطرتها الجماعية على البلاد والعباد، أما الحديث عن أن السوداني نجح في تعيين وزير الداخلية، فهو حديث واهن بسبب أن هذا الوزير لن يتمكن من منع كل الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية أو الأخرى من هيمنة الميليشيات المنفلتة والمجرمين كالمالكي والخزعلي والعامري

الواضح أن السوداني موعود بسبب المصالح الخاصة للأحزاب السياسية العميلة، إنه باق في السلطة لفترة أربع سنوات، وسوف يتم استغلال الفوائض المالية الكبيرة في العراق لمصالح أحزاب وسياسي السلطة بعيدا عن استثمارها لتحسين الخدمات الصحية والمرافق التعليمية، وزيادة توليد الكهرباء، وتوسيع فرص العمل، ورفع مستوى المعيشة، علما أن معدل الفقر المذهل فاق 31٪ في عام 2021.

المعادلة الأكبر للسوداني

تحليلنا لأسباب قبول الأمريكان للسوداني وحكومته هو أمر بالغ الأهمية من خلال تعهد جماعة الإطار وميليشياتهم القذرة بعدم التعرض للوجود الأمريكي ومصالحه الاقتصادية بأي شكل من الأشكال العسكري والسياسي أو غير ذلك وهذا ما لاحظناه من ترحيب السوداني ببقاء قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني الصهيوني، إلى أجل غير مسمى.

صحيح أن هناك اتفاقية بين الأحزاب السياسية (التي تفتقر إلى توقيعات الأحزاب) لإجراء انتخابات برلمانية في غضون عام، إلا أن برنامج السوداني لم يشير إلى انتخابات مبكرة، بل يقرأ كما لو أنه برنامج مدته أربع سنوات على الأقل، ليس من الواضح ما إذا كانت الاتفاقية الشاملة ستلتزم بها الأطراف التي رشحت السوداني وبالذات الهالكي المعروف عنه نكلانه المستمر لأي اتفاقات مع الآخرين، والإغفال الأكثر إثارة للقلق هو عدم وجود أي إشارة إلى الإصلاح السياسي والمؤسسي الذي تشتد الحاجة إليه، وهو مطلب رئيسي لحركة تشرين الاحتجاجية لعام 2019 في العراق والتي سبق للصدر أنه يدافع عنها.

مقالات متعلقة