بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (صحفية وكاتبة)
نقطة الصفر عاد لها العراق مرة أخرى المشهد الأول الذي ما بعد 2003 رؤساء حكومات متعاقبة وكتل وأحزاب وشخصيات باتوا اليوم كالحرباء، تبدل جلدها في كل دورة لكنها تبقى حرباء، رؤساء للحكومة مرة أخرى وزراء وغيرها رؤساء أحزاب وكتل، وكأن العراق قد خلا من الرجال، نفس الوجوه ونفس الخيبات التي واجهها ويواجهها البلد منذ 19 عامًا.
خيبة أمل في هاجس كل عراقي من الوجوه المتكررة التي تقاسمت السلطة منذ السقوط ولغاية اليوم من أجل مصالحها الحزبية والشخصية، حيث تدور هذه الأيام عجلة القوى القديمة التي جربها العراقيون ولم تعط للعراق وشعبه شيئا بل أعطت لنفسها ولأحزابها الكثير بين أموال ومواقع في السلطة غذتها عمليات الفساد التي مارسها هؤلاء واغتنوا على حساب ثروات الشعب ومازالت في عقر المنطقة الخضراء.
لقد تناوبت على حكم العراق ومنذ سقوط النظام لسابق شخصيات باتت أسماؤها تؤرق ذاكرة العراقيين، وتهيمن بشكل تام هي وأحزابها على مفاصل السلطة، أسماء سئم سماعها العراقيون ولم تقدم للبلد سوى مزيد من الخراب والدمار والطائفية والتراجع في كل مفاصل الحياة اليومية للعراقيين.
بين أرجل شعيط ومعيط.. وطاويط يتغذون على دماء الشعب في ملاعب الفوضى والفنتازيا السياسية أحزاب شعيط ومعيط هم ومن يدعمهم ويرفعهم لدرجات في اتخاذ القرار لا يفهمون هم أنفسهم ماذا يجري وكيف وصلوا لما هم عليه وما السبيل ليفعلوه وهم يلعبون بالوطن!، كتل سياسية جربها العراقيون في أكثر من دورة انتخابية واكتشفوا أنها لا تملك برامج سياسية حقيقية تنتشل البلاد من أزماتها، خاصة أن الفساد المالي والإداري بات مترسخًا في الدولة، بسبب تلك الكتل التي أمسكت بالسلطة واغتنت على حساب شعب يتطلع لحرية حقيقية في الاختيار. وستبقى التحالفات القديمة المتجددة على ذات النهج في التخندق الطائفي والقومي، خاصة بعد أن فقدت الكثير من الأحزاب الإسلامية حواضنها الانتخابية التي عرتها وكشفت تبعيتها وزيف ما وعدت به من برامج كانت مجرد دعاية سقطت من على اليافطات الانتخابية الدعائية حالما فاز أصحابها بمقاعد في البرلمان.
أليس من سخرية القدر أن يفصل الجهلة في القضايا السياسية المصيرية ويتحول العراق إلى هذا المستوى من استمكان الجهلة والتافهين وأنصاف الأميين به وبمقدراته ومستقبل أبنائه.
إن من السخرية أن تتدهور أحوال الناس بعد كل ما قدموه من دماء وشهداء قربانا لثورة أرادوا بها أن تضمن ولو البعض من حقوقهم وتحسن من معيشتهم وتخرجهم مما هم فيه من فقر وعوز وظلم واستبداد.. لكننا يوما بعد يوم نرى أن حال المواطن من سيء إلى أسوء، وحال المسؤولين في تحسن دائم ولا مفر من هؤلاء القتلة الظلمة.
لقد ابتلى الوطن بمافيات مسلحة بالجهل وعقدة العوز، ومرضى السادية، جعلت من الصدف والأقدار أن يحكموا وطنًا استوطنت فيه الحضارات المتنوعة، وخزائن الشعر، وألق الحرف والكتابة والقانون، وطن عبقري المجد عزما وسماحا.
كان المحتل الأمريكي ذكيا في اختياره لمثل هذه النخب اللقيطة، لأنه يعرف مؤهلاتها الشخصية، وأمراضها المزمنة، وقدرتها على هدم الوطن وتفكيك نسيجه الديني والقومي والاجتماعي. ويعرف إن " شعيط" و"معيط"، يمكن لهما صنع عراق جديد، تموت الوطنية فيه، وترفع الغيرة منه، وتزداد فيه وقاحة النهب واللصوصية، ويقتل فيه الإحساس بالمواطنة والكرامة، ويكون القتل شجاعة، والعمالة للأجنبي انتماء، والخيانة مذهبا، ويصبح الوطن مستعمرة لأصحاب العمائم واللحى الجهلة واللصوص والمستبدون. حيث تنتعش فكرة "محو العراق" لاستبداله بوطن مجهول النسب والتاريخ.
هناك مثل يقول (ليس كل من وطئ مياه البحر أصبحَ سبّاحًا، وليس كل من اقتنى صـنارةً أصبحَ صيادا) وبالتالي ليس كل من أدعى الوطنية أصبحَ صوت الشعب. فقد غرق معظمهم في بحر قتل الشعب وتجويعه، وفي رذائل الفساد، وعمالة الأجنبي، ووحل الطائفية المقيتة. فأصبحت صنارتهم لصيد الأمل وقتله، وإفراغ بحر الوطن من المفكر والمثقف والفنان، وما تبقى من جمال الروح والموقف. حتى وصلنا إلى قاع مجهول لا نستطيع فيه التنفس، لأن شرايين رئة الوطن أمتلأت بالجلطات الدموية، فانغلقت منافذ العيش السليم، وتوطنت جراثيم الأحزاب وفيروساتها في خلايا الوطن.
لن أتردد قولا وقناعة، بأن أهل السياسة في العراق يحملون فصيلة وراثية مرضية بالجينات والأنزيمات والكروموسات. فالخريطة الجينومية لهم هي جينات قاتلة لبروتين الحياة، ومعطلة للتطور، وقاتلة للأمل وخلايا الجمال. هم مافيا متحركة تنجذب مغناطسيا إلى عمالة المال والدول، أكثر مما هم طبقة سياسية. فهم ليسوا كلهم سياسيين: منهم "كورس سياسي" مربوط بحبل الحزب دون شراكة في القرار لا في العير ولا في النفير، ومنهم بوق سياسي ينشر مكبات حزبه بين الناس، يدعوهم إلى الفضيلة وعدم معصية الله وآل البيت الكرام، لكنه غارق بفضيلة معاصي متعة زواج المال والجسد، ونهب الوزارات والمنافذ والعقود، ومال اليتيم والفقير. قليلون هم السياسيون العراقيون الذين يزرعون الأمل للوطن ويرممون البيت العراقي بالموزاييك الوطني الأصلي ورغم هذا فتكتم أفواههم ويغلبون على أمرهم.
بلد متنافر ومتفجر ومُشوه الهوية والشَخصية، حيث انتشار الفقر والبطالة والعوز، وتَدنى مستوى التعليمِ والثقافة، مقابل انتشار العرافيّن والدجاليّن. حيث تسخف مفهوم المواطنة والدولة، وانخفاض سقف الطموحات الوطنية، وانتقال جموع الجهلة إلى المؤسسات، وإقصاء رجال العلم والفكر عنها، لاستبدالهم بالأميين والمزورين واللصوص. ليصبح مع الأسف شعب العراق تعظُـمُ فـي عَيـنِ الصغِـيرِ صِغارُه بعد أن كان شعب تَصْغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ.
صار الوطن يجمع شعيط ومعيط وجرار الخيط أو نطاط الحيط. فالحاكم السياسي عندنا حرامي اسمه شعيط وقاطع طريق اسمه معيط كلاهما من فصيلة واحدة، تجمعهم شهوة الجوع ودجل الخرافات الدينية وتقية القتل والسرقة، فصار الكثير منهم قادة لأحزاب ظاهرها مخافة الله وحب الوطن وباطنها معصية الله وسرقة الوطن حيث تفننوا بصناعة الطائفية والقتل والتهجير وشفط المال والنفط، وتأسيس واقع مريض بالفقر والبطالة والمخدرات والخرافات والمزابل. فكانت مكرمتهم توسعة مقابر الوطن، بدلا من توسعة بساتين النخيل والبرتقال ومتنزهات الزهور ودور العلم والثقافة والفنون.
وبمنطق التاريخ من كان فكره ملوثا بعقل الجاهلية الأولى وبدجل العرافين والسحر والكهانة، لا يمكن أن يكون حاكما متحضرا وديمقراطيا ووطنيا إلا عندما يبيض الديك أو أن تتغير الفصول دون أن يتغير الطقس، أو نرى شعار المجرب لا يجرّب يجرّب لمرة واحدة فقط على حراميّة العراق!
فأيّ عراق نتحدث عنه اليوم، وقد هجره التاريخ، وَاستلبت هويته الوطنية والعروبية، واستباح أرضه العجمي والتركي والأمريكي، وأقوام الدنيا كلها وأي حاكم سياسي نتحدث عنه وسيرته معطرة بالفضائح المخزية، ونوادر الزمن وعجائبه فصار العراق يحكمه من كان مهنته قاطع طرق وحمله دار وراعي غنم ومزور. فكانت النتيجة بلد مدمر ومفكك وفاسد ومستباح، لا يعرف تاريخه ولغته، ولا يحسن أن يدرك من هو الابن أو العدو.
بالمختصر، لدينا اليوم حكاما من الإسفنج، فهم أصداء وليسوا أصواتا! ولدينا شعب مازال مغيّبا بالطقوس والخرافات، وما يضرّسه من علقم وحصرم وحصى هو حصاد ما زرعه بِيَدَيْهِ! وما أصاب العراق اليوم من تخلف وتهميش ونكبات ما كان يحدث لو أن هناك طفرة جينية من الغيرة الوطنية، وشيء من الحياء لدى من يحكم الوطن. لكن للأسف فإن الذين لديهم غيرة عراقية قد ماتوا عبّر الزمن بعطر العراق.
لذلك لا نستغرب أن نجد في عراق اليوم، سوى عراقي محدوب الظهر من أحمال ثقيلة ألقت بها هذه الأحزاب على ظهره بحجة الأزمات المتوالية. ولا أبطالا إلا في القبور، ولصوصا في القصور، وحكاما على جثث الناس يرقصون، وبالدين يظلمون ويقتلون ويكفرون. وأوغاد سياسة تتمجد بالعمالة، وتنافق بتحيات العبيد المذعنين.
إن من يريد إخراج العراق من هذه المحنة المستفحلة فعلا والآخذة بالتمدد لعدم وجود روادع تسحق كل الخارجين عن القانون ومن يدعمهم ويقف وراءهم دون رحمة، أن يكون ذا بأس وقوة وصرامة، بعزيمة فدائي حقيقي، وليكن مثل هذا المسؤول الوطني الشجاع منذورا لخلاص الوطن والشعب من هذه الحثالات الرثة التي أن لم تلق المواجهة الحقيقية والحاسمة، ستستمر في الخراب والاستهتار بمقدرات البلد ومستقبل الأجيال القادمة، وتقرير مصائر الناس، لأن ما يهمها بالأساس هو تنفيذ أجندات أعداء الوطن تحت مسميات عقائدية ودينية تأتي في أولويات الانتماء لوطن أسمه عراق.
وسوى ذلك فنحن والطوفان...