الهدوء يسبق العاصفة
صباح الناصري / خبير اقتصادي سياسي
فقط الآن، في السنة الثانية من عمر إدارته، أدرك الرئيس بايدن المأزق الحقيقي لسياسته الخارجية في الشرق الأوسط. بعد رفضه لاعتبار الشرق الأوسط إحدى أولويات سياسته الخارجية، وبعد مراهنته الساذجة للوصول لحل دبلوماسي واتفاق مع إيران بشأن الملف النووي و رفضه القاطع إلى الخيار العسكري، ها هو بايدن يرضخ للضغوطات الإسرائيلية والعربية للتلويح بالخيار العسكري كأحد الخيارات المحتملة بالتعامل مع الملف النووي الإيراني. اتفاقية بايدن مع إسرائيل يوم قبل حضوره لقمة جدة في ١٥ تموز، تضمنت ليس فقط الخيار العسكري، إنما أيضا تزويد إسرائيل بمنظومة دفاع متطورة وصواريخ تخترق صبات كونكريتية تحت الأرض، أي استهداف استراتيجي للمفاعلات النووية الإيرانية والتي بحسب الحسابات الاسرائيلية، تبعد بضعة "أسابيع" عن إمكانية تطوير أسلحة نووية.
في جدة، لم يحالف بايدن الحظ في الضغط على دول الخليج، وبالذات المملكة العربية السعودية، إلى رفع مستويات إنتاج النفط لحلحلة أزمة ارتفاع الأسعار والتضخم. الرد الدبلوماسي للدول العربية المنتجة للنفط، التزامها باتفاقيات أوبك بلاس والعقود المتوسطة وبعيدة المدى والسعة المحدودة للإنتاج، كانت رسائل إلى بايدن للتعامل مع ملف أمني خطير يهدد أمن المنطقة والعالم: أذرع أيران المسلحة في المنطقة وملف الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة بالإضافة إلى إشراك الدول العربية في المفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي كونه يهدد أمن وتوازن القوى في المنطقة!
قمة جدة نجحت بوضع الملف العربي على أولويات السياسة الخارجية لإدارة بايدن عن طريق استخدام ملف الطاقة والتهديد الإيراني للأمن الإقليمي والدولي.
إيران ردت بقمة طهران الثلاثية، روسيا وتركيا وإيران، التي بدت في الظاهر، متعلقة باتفاق استانة، لكن في الواقع كانت محاولة لمواجهة تداعيات قمة جدة. العقود الاستثمارية الضخمة التي وقعتها إيران مع روسيا، بالذات فيما يتعلق بملف الطاقة، أكبر مؤشر على سياسة مضادة للخليج والولايات المتحدة، لكن الأهم هو الشرخ الجيوسياسي الذي حدث بين تركيا وإيران بشأن الهجوم التركي المتوقع على شمال سوريا والذي سيضع إيران وحليفها الأسد تحت ضغط هائل بسبب الإزاحات الديموغرافية، إعادة ٣.٢ مليون لاجئ سوري إلى المنطقة الشمالية على الحدود التركية السورية، وإلى اختناق أمني في جنوب شرق سوريا بعد دفع القوات الكردية "قسد" إلى المناطق المتحكمة بها الميليشيات الإيرانية.
تداعيات صراع المصالح التركية الإيرانية تكمن خلف العمل الإرهابي في زاخو في محاولة إيران من خلال إذرعها الميليشياوية باستدراج تركيا إلى صراع جانبي في العراق، قصف القواعد التركية والقنصلية التركية في موصل بأسلحة وطيارات مسيرة إيرانية، بالإضافة إلى محاولة قلب الرأي العام العراقي ضد تركيا، هي أكبر مؤشرات على ذلك. إيران تحاول استخدام ورقة زعزعة الأمن في العراق ليس فقط لاستدراج تركيا إلى معارك جانبية، إنما أيضا كرسائل تحذير للغرب في تفاوضه أو انسداد أفق التفاوض مع إيران، وللدفع ضد أي تحالف أمني ضدها، وأخيرا لخلط الأوراق لمساعدة ذراعها السياسي، الإطار التنسيقي في تشكيل حكومة تابعة إلى إيران.
الحكومة في العراق التي أكالت التهم ضد تركيا تدرك تماما أن مجلس الأمن لن يدين تركيا ويدفع باتجاه تحقيق ثنائي عراقي تركيا، في حيثيات العمل الإرهابي في زاخو للوقوف خلف المسببات وكشف هوية الفاعل الحقيقي، بمعنى أن الحكومة تناور من أجل عدم تصعيد الأزمة المفتعلة و جر العراق إلى صراع إيراني تركي في العراق.
صيف ساخن ينتظر العراق!