الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات القطاع المصرفي العراقي وحتمية الانهيار

بقلم| عمر الخليفة (باحث بالاقتصاد)

لم يعد يخفى على أحدٍ أن القطاع المصرفي العراقي عبارة عن بؤرة للفساد تقوده الميليشيات وأحزاب السلطة ودول الجوار التي استغلت انعدام السيادة لتجعل من العراق واحدًا من أكثر بلدان العالم في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب عبر مجموعة كبيرة من المصارف التي أسست بأموال الشعب العراقي وتسرق بوضح النهار، فضلاً عن المصارف الأجنبية التي فتحت أفرعًا لها في العراق لاستخدامها كممر لغسيل الأموال بتواطؤ حكومي وتساهل من البنك المركزي العراقي الذي يعد المتستر عن الكوارث التي تحدث في القطاع المصرفي وهو ما سينعكس سلبًا على الواقع الاقتصادي للبلد في ظل انهيار من الداخل للمصارف العامة والخاصة.

لقد أصبحت المصارف الخاصة في العراق عبارة عن دكاكين تدعي العمل المصرفي تحت سلطة البلطجية الميليشياوية التي تستخدم المصارف كأذرع لتمويل أنشطتها وأعمالها الإرهابية داخل العراق وخرجه بالاعتداء على دول الجوار التي لم تسلم من إجرام الميليشيات، فمن يعمل في القطاع المصرفي العراقي يدرك بأنه ليس له من اسمه نصيب فلا خدمات ولا منتجات مصرفية حقيقية، بل مجرد دكاكين تمارس غسيل الأموال ومخطط بونزي والمحاسبة الخلاقة التي دأبت المصارف جميعها على استخدامها لتعظيم أرباحها دون تقديم خدمات مصرفية حقيقية في ظل تغاضي متعمد من البنك المركزي العراقي الذي لم يتخذ أي خطوات جادة لمكافحة المخاطر التي تقوم بها المصارف على حساب أموال الشعب المودعة لديها وحتى على حساب أموال مؤسسات الدولة التي تتاجر بها المصارف نظير أرباح زهيدة أو قد تختفي هذه المبالغ في طرفة عين.

والمتتبع للقطاع المصرفي يدرك بأن أجل انهيارها لن يكون بعيداً مع تصاعد الضغط من قبل الفيدرالي الأمريكي الذي اتخذ خطوات صارمة لمحاربة غسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة خارج العراق عبر المصارف التي تستخدم فواتير مزورة وشركات وهمية تقوم بشراء الدولار من مزاد العملة في البنك المركزي الذي يحتكر بيع العملة لمصارف الميليشيات الموالية لإيران ومن أهمها مصارف (علي محمد غلام) وتقديم لها التسهيلات، فضلاً عن إتلاف الوثائق لطمس معالم الجريمة التي تحدث بحق القطاع المصرفي العراقي.

ولذلك فإن المصارف الخاصة والحكومية شكلت مع الميليشيات والأحزاب وبعض دول الجوار أداة تدميرية تفاقمت بشكل كبير حتى أصبحت عبارة عن مافيات مصرفية تسرق أموال المودعين عبر وسائل متعددة منها تزوير التواقيع ونقل الأموال من ملكية الفرد إلى حساب المصارف، فضلا عن التحايل وفرض ضرائب متراكمة تثقل كاهل المقاولين لسرقة أموالهم، ناهيك عن التحايل واستخدام أموال المودعين في المتاجرة والمخاطرة فيها وهو ما جعل القطاع المصرفي يفقد ثقة الشعب العراقي الذي سحب أمواله واكتنزها في المنازل حفاظًا عليها من الاحتيال المصرفي.

لقد استخدمت المصارف في العراق كل وسائل الخداع التي من شأنها أن تسهم في الاحتيال وخداع المواطنين منها تقديم أرقام غير حقيقية عن ممتلكات المصارف وأنشطتها ومن يتتبع ذلك يجد الأرقام التي تعلنها المصارف عبر البنك المركزي أو مراكز الدراسات أو عبر حساباتها متناقضة مع الواقع بالمقارنة مع أسعار الأسهم المتدهورة لجميع المصارف والتي لا تتعدى بعض دنانير وأغلبها أسعار أسهمها أقل من دينار، إذ أنه متعارف عند الاقتصاديين أن المصارف التي تعلن أرقاما كبيرة وتكون أسهمها متدنية فهذا يعني أن أرقامها مزيفة وليس لها واقع.

فمع تصاعد الضغط من الفيدرالي الأمريكي الذي اتخذ قرارا بالمحافظة على الدولار من عمليات غسيل الأموال التي تقوم بها المصارف في العراق ووضع خمسة مصارف على قوائم المصارف الممنوعة من تداول الدولار وسعيه لإضافة مصارف أخرى ضمن هذه القائمة، إذ كنت قد أعلنت مسبقاً أن عام 2025 سيكون عام انهيار القطاع المصرفي العراقي والذي يسير بشكل متسارع نحو حافة السقوط مع اتساع الأعمال الغير قانونية للمصارف والتي ستكون ذات تأثير تدميري كبير على الاقتصاد العراقي الذي يعاني من استنزاف تقود المصارف جزءًا كبيراً منه.

ومن هنا يتبين أن المصارف العاملة في العراق هي جزء من الاقتصاد الأسود الذي نشأ على حساب الاقتصاد الوطني العراقي الذي تراجع بشكل كبير وأخذ بالانحسار مع تصاعد حدة الاقتصاد الأسود المحمي بالدم والرصاص والذي تكون بفعل تحالف المصارف مع الميليشيات، مما جعل القطاع المصرفي العراقي عبارة عن دكان تمارس فيه السرقة وتهريب الأموال والتحايل والتزوير ومن يعترض يكون مصيره القتل أو تلفيق التهم ليزج في غياهب السجون ومن يتتبع كواليس ودهاليز القطاع المصرفي يجد فيه الكثير من الأمور الإجرامية وفي مقدمتها الاستغلال الجنسي لبعض الموظفات فضلا عن تدني الرواتب للعاملين مع طول وقت العمل اليومي، لقد وصلت المصارف إلى المرحلة الأخيرة من الانهيار وهو ما سيكون في مطلع عام 2025 بحسب قراءتي للمتغيرات وتتبع لأنشطة المصارف التي تعاظمت أموال مالكيها وأدخلت الميليشيات في مكاتبها ليسهل عليها تحقيق مأربها السيئة على حساب الوطن والشعب.

مقالات متعلقة