الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات القضاء العراقي عدالة عمياء.. وقانون أصم ..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي

(كاتبة وباحثة)

من ضمن ركائز ومقومات أي دولة ذات سيادة وقانون هو حفظ أمن الوطن والحفاظ على كرامة المواطن ولا يتوفر هذا إلا بوجود قضاء نزيه رصين لا يقبل التجزئة ولا المماطلة والخوف ولا التنازلات. ومن مظاهر تحقيق العدل هو تجسيده في أرض الواقع لا في النصوص القانونية فحسب، وهذا هو المُتعارف عليه في البلدان التي تحترم القوانين الإنسانية وتقدرها وتبرزها بشكل واضح من دون أي تحريف وتلاعب واستغلال لثغراتها، إذ لا محيد للمنتمين للوطن الواحد من التعرض للمساءلة القانونية والمحاسبة النزيهة، لهذا فالقاضي مهما كان حجم القوة التي يمتلكها الظالم مُلزم بأن يكون على مستوى متساو بين المظلوم والظالم وعلى مسافة واحدة بين الضحية والجلاد، حتى لا ينتفي العدل على الأحكام أو القرارات الصادرة عنه في المحاكم.

ويعد العدل من القيم العليا التي تتحقق بها إنسانية الإنسان الحقة، كما أنه بمثابة القاعدة المتينة لنهوض الأوطان ويشمل العدل جميع جوانب حياة الفرد ولا يقتصر على جانب دون آخر، لأن وجوده يقتضي أن يعم كل المجالات الحياتية للأفراد، فبدونه لا يمكن أن تُحفظ الحقوق ولا أن ينعم المجتمع بالأمن والاستقرار، وبفقدانه لا يمكن أن تُعمق المبادئ الأخلاقية التي تُبنى بها الشخصية السوية، لهذا يمكن أن نقول أن اللاعدل لا شرعية له إطلاقا ولو بالقانون مهما كانت القوة الظالمة التي تَفرضه، فالعدل وحده من يمنح للمواطنين رغبة شديدة في قبول حق السلطة عليهم، وحتما بغياب العدل يحل الجور والعدوان في محله.

والعدالة مبدأ إلهي سماوي وقاعدة قانونية إنسانية، فعندما تسود العدالة يشعر الناس بالكرامة والاطمئنان والسعادة، وعندما تغيب العدالة وتهتز موازينها تسود الفوضى ويتسلط الفوضويون والفاسدون والتافهون، العدالة ليست المساواة وليست القسوة، بل هي وضع الشخص في مكانه الصحيح ووضع المكين في مكانته، وإحقاق الحق، وكشف الحقيقة، بلا تحيز او مداراة أو خداع.

قبل أيام كنت في جلسة حوارية مع القاضي رزكار محمد أمين رئيس استئناف محكة إقليم كردستان وهو من كبار القضاة المتقاعدين حاليا ودار الحديث عن رحلته كقاضي وتذكر بعض المواقف وأحداث عاشها في حلبات قاعة المحكمة أبرزها محاكمة الرئيس السابق صدام حسين وغيرها كثير من الحكايات .. وهنا سألته ما مفهوم العدالة عند قاض مثل حضرتكم ..

تأمل قليلا في السؤال ثم قال من خلاصة تجربتي استطيع أن أقول: هناك نوعين من العدالة هما العدالة المبصرة والعدالة العمياء..

تعجبت من هذه التسمية فقلت هل يمكن أن توضحهما عبر مثال أو واقعة قال نعم. كنت قاضيا ووردتني قضية شاب قتل والديه نحرا واستولى على أموالهما وبيتهما الوحيد. وفي يوم النطق بالحكم بالإعدام وفق القانون النافذ، كنت قبل الجلسة متحفزا للحكم بقسوة لأن ضميري مستفز نتيجة عقوق الولد وسقوطه الأخلاقي، كنت انظر في أوراق القضية والاعترافات فأشعر بجسدي يرتجف من هول الجريمة وبشاعتها، وعندما وقف الشاب أمامي كنت أريد أن أقوم من مكاني وأصفعه، لكن مكانتي جعلتني أتظاهر بالصبر والحكمة طلبت منه أن يسرد ما جرى، فقال وهو يبكي، لم يجر أي شيء مما تراه أمامك في أوراق الاعتراف، فقد دخلت البيت ووجدت والدي مقتولين لا أكثر! سألته ألم تقتلهما أنت؟

قال سيدي القاضي أنا لم أذبح دجاجة في حياتي فهل تراني قادرا على ذبح أمي وأبي.. شعرت بالحيرة والدوار، فهذا الشاب الحزين الرقيق لا يمكن أن يكون قاتلا، كما يبدو أمامي ولكن ما هي الحقيقة قلت.. لماذا اعترفت على نفسك.. قال شاهد آثار التعذيب في جسدي وستعرف الجواب.. قلت مع نفسي لو حكمت عليك الآن بالإعدام ماذا تقول؟ قال الشاب هذه تسمى العدالة العمياء يا سيدي..

كدت أسقط من الكرسي فقد اهتزت الأرض تحتي لهذا الوصف الرهيب .. قلت وما هي العدالة الحقيقية في نظرك أيها المتهم بالقتل. قال الشاب لو أعدت التحقيق وجمعت أدلة جديدة وتعمقت في الاستجواب سوف تكون العدالة مبصرة وليست عمياء..

شكرته ورفعت الجلسة بعد أن قررت إعادة التحقيق من قبل ضباط ومحققين آخرين بأسرع وقت وتحت إشرافي المباشر

التحقيق الجديد المعمق المحايد كشف عن تفاصيل مذهلة أولها براءة الشاب من تهمة القتل وثانيها تورط أحد الجيران من المسؤولين الكبار في ذلك الوقت بترتيب الجريمة بهدف الاستيلاء على بيت المقتولين بعد أن رفضا بيعه لذلك المسؤول الذي يريد التوسع في بيته على حساب جيرانه.. كشفت خيوط الجريمة كلها وجعلت المسؤول والقاتل المستأجر في قفص الاتهام وحكمت عليهما بالإعدام، وتلك هي العدالة المبصرة، ولكن ما أصعبها فقد كانت حياتي ووظيفتي مهددة أمام جبروت المجرم..

رويت هذه الواقعة في حضرة مسؤول كبير ولكن ما أصغره وطلبت منه إعادة التحقيق في قضية كنت متهما فيها بأنني قلت في رسالة واتساب أن فلانا الفلاني فاسد، أجاب ذلك الأعمى قلبا وعقلا إن تظلمك غير صحيح لأن لجنة التحقيق تقول إنك تصر على الاتهام ولم تتراجع أو تعتذر. قلت نعم إنها العدالة العمياء..

لذا فإن الثابت أن ذرائع الأنظمة الفاسدة منافية ومجافية للحقيقة وإن احتكمت للقضاء الذي يخدمها في المقام الأول قبل غيرها، في حين أن المواطن المظلوم هو الذي لا حق له أمامها، لأنه في جميع الحالات لا يمكنه أن يكون سوى متفرج.

وقبل الغوص أكثر في عمق الموضوع ينبغي التأكيد على وجود فرق شاسع وبون هائل بين القاضي والجلاد فلكل منهما أدوار ومهام مختلفة؛ فالقاضي وفقا للعرف والقانون هو جهة الفصل بين المتخاصمين، أما الجلاد فهو أداة غليظة لتنفيذ ما حكم به القاضي، أي أن القاضي له سلطة الحكم والجلاد هو المنفذ للحكم على الظالم المتهم ومن المفترض أن تكون أحكامه بعيدة عن الهوى وما يكنه في القلب، والجلاد بعيد عن التأثير في حكم القاضي، لكن واقع الحال في بلداننا العربية فيه تناقضات عديدة، ومن بين تجليات ذلك أن نجد الظالم هو نفسه القاضي وهو أيضا الجلاد، وإن تعددت الشخصيات لكنها في الواقع تخدم طرفا واحدا وهو الظالم سواء كان مسؤولا من المسؤولين في أجهزة الدولة أو من ذوي الجاه والنفوذ أو ممن يتمتع بالمال..

إن الأنظمة السلطوية تعتمد على عكاز الأمن لتمارس الظلم والجور والقهر مع مواطنيها تحت مسمى القانون الذي يوضع على مقاس مصالح هذه الأنظمة التي تُفقد شرعية ذلك القانون أخلاقيا وإنسانيا، وتبقى تلك الأنظمة مهزوزة حقوقيا مهما رفعت من شعارات الديموقراطية الراقية التي يظهر زيفها في أبسط الأمور الحياتية المعاشة بأرض الواقع، فقد تحارب وتحاصر وتسجن من يختلف معها ولو في رأي موضوعي أو موقف سياسي، لأنها تعتبر ذلك انتفاضا ضد ما تم سَنُّهُ من قوانين ظالمة، فيحاسب بذلك المواطنون بحجة أنهم لم يحترموا ما نصَّت عليه تلك القوانين التي تجور عليهم وتكبح وعيهم...

وأخيرا ينبغي الإشارة إلى أن تحقيق العدل في دولة ما لا يكون من دون توفير المناخ الآمن له عبر حماية حق المواطن في التعبير، وحفظه من تداعيات الاستخدام السلبي للقانون الذي يخلف الظلم من الآخر الأقوى، والذي قد يكون السلطة الأمنية نفسها التي يستند النظام السياسي عليها في بسط سيطرته، أو المؤسسة التي يعمل بها، أو حتى من المجتمع المختلف معه في الرأي، ولا يحق للدولة أن تتحدث عن العدل في ظل شرعنتها للقمع والظلم في قوانينها وسياساتها وخطاباتها التي تبرر له وتجعله أمرا ضروريا ومعقولا، فبذلك تميط لنا اللثام عن وجهها الحقيقي، لقد أصبحت حيل الأنظمة الفاسدة مكشوفة للعيان، وتصريحات رعاعها وعملائها التي تساق من أجل تبرير جرائمهم النكراء ضد قيمة العدل مجرد حيل ومقولات بالية ليست إلا دليلا واضحا على السفاهة التي بلغتها هذه الأنظمة على مستوى هياكلها وأجهزتها ومؤسساتها...

مقالات متعلقة