بقلم| مكي النزال
حين يقول العراقي الجنوبي (الريل) فإنه يعني القطار وهو في معظم توظيفاته الشعرية الدارجة والمغناة نذير شؤم وفراق فهو الذي يخطف الحبيب من غرق الأهوار وفقر المدن الجنوبية ليأخذهم إلى بغداد والبصرة حيث كانت توجد حياة مختلفة.
أما المفتشون عن الرمز في الشعر فهم يفسرونه تفسيرات أخرى ويتعمقون بالتحليل والمعاني التي لا أظنها تبتعد كثيرًا عن المعاناة التي يتسبب بها هذا الغول الحديدي الصارخ بالويل والثبور.
القطار؛ هذه الماكنة التي تسهل النقل والتنقل وتسرع وقت الوصول؛ صارت وحشًا مجرمًا في عيون معظم العشاق الذين اختطفت حبيباتهم وحرمتهم لذة الوصال لأنهم ببساطة يعيشون في الحضيض منذ أمد طويل يسيطر على مقدراتهم الإقطاعيون ثم السياسيون ثم المعممون ممن يزعمون الولاية والوصاية على ملايين البشر.
كل هذا وغيره جعل العراقيين يكفرون بالريل ومخترعه ومطوريه ومن جاء (ببلائه) ليحل على رؤوسهم.
ثم إن هذا الريل المشؤوم صار يأخذهم إلى الحروب بتذكرة في اتجاه واحد لأن العودة ليست مضمونة حتى إذا توقف خشية القصف حلت محله مئات (الريلات) الصغيرة المختلفة (وهي الحافلات التي يسمونها منشآت) فهي لا تحتاج لسكة وإنما تأخذهم على عجلاتها المطاطية إلى حيث الرصاص والقنابل والصواريخ التي تنهال على رؤوسهم وسعادة من ينجو مؤقتة فالقتال مستمر كمطحنة عملاقة تقتل دون هوادة.
حتى إذا استبشروا بريل جديد إن اشتغل فإنه سيكون قطار السعادة التي لا تنتهي فهو سيجلب الأرزاق من كل العالم ليوصلها إليهم وهو الذي سيأخذهم في رحلات سياحية ينفقون عليها حصصهم من نفطهم بأسعار بطاقات رمزية فالمحررون سيتكفلون بكل شيء من أجل سعادتهم وبهجتهم وحياتهم الرغيدة.
حتى تيقنوا أن قطارهم الجديد لا يجلب إلا الموت والجوع والمهانة كفروا بقديمه وجديده وهم اليوم يطالبون برؤوس سائقيه الذين قادوه إلى حفرة لا خلاص منها ولا منجاة.