الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات العراق.. والحكومات الكلاسيكية وحتمية الفشل..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)

لم يستقر النظام السياسي في العراق منذ سنوات الغزو الأولى، لما حملته الساحة السياسية من أحداث ومتغيرات جعلت ذلك النظام يعاني من الهشاشة وعدم الاستقرار طيلة تلك السنوات فضلا عن كونه نظاما بني على المحاصصة والطائفية التي جاء بها المحتل ورسختها الحكومات المتعاقبة، ويمكننا القول إن أكثر من نصف العراق كان خارج سيطرة وإدارة الحكومات المتعاقبة إذا ما أخذنا الحروب الداخلية التي سيطرت عليه، ومنها الحروب الطائفية وسيطرة الميليشيات على القرار الأمني والاقتصادي.

وما تعرض له العراق من دمار وانهيار بنيته التحتية على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي بشكل تسلسلي وتدريجي من أحداث وما يمر به اليوم، هو امتداد لسيناريو انطلق منذ الأيام الأولى للغزو سببه الحكومات الكلاسيكية المتعاقبة.

وما وصل إليه الوضع المتردي اليوم من خراب سببه الرئيس هو استمرار هذا السيناريو في النظام السياسي والطبقة السياسية المتسلطة على البلد، لأن أحزاب السلطة تعلم جيدا أنه ليس من مصلحتها أن يكون للعراق نظاما سياسيا وطنيا قويا، لأن وجود مثل هذا النظام سيكون عاملاً أساسياً لزوال تلك الأحزاب، ولذلك تستمر الأحزاب الفاسدة في تمديد جذورها وتسلطها على رقاب العراقيين مع عزفها الدائم على وتر الطائفية وإذكاء نار الفتنة المذهبية.

ولعل الثقافة السياسية عند هذه الأحزاب التي ترشح نفس الشخص على مدى 19 عاما، يضع علامة استفهام كبيرة على مجمل الثقافة الحزبية ومفهوم العمل السياسي عند هذا الحزب وغيره. فالعقلية والثقافة التي تؤيد مثل هؤلاء المرشحين، لا تعطي أهمية للبرامج الانتخابية والخطط العملية بل تعتبرها أمورا تافهة، وهذا يؤكد أن أحزاب السلطة لم تستوعب بعد أنّ الأزمة مع الناخبين ليست أزمة برامج بقدر ما هي أزمة التزام بتلك البرامج. كما لم تستوعب انعدام ثقة المواطنين في الأحزاب وبكل مرشحيها.

الأحزاب الحالية لن تستطيع تجاوز المنطق الكلاسيكي في تدبير الأمور، والإبداع في أساليب ممارسة العمل السياسي، ولن تجرؤ على تشخيص المرحلة الراهنة، وإيجاد مخارج لربط الجسور مع مستقبل آمن. لأنها سبب في المشكلة ولا يتصور أن تكون جزءا من الحل؛ ولذلك فعودة الوجوه الكالحة لتصدر المشهد سيكون له تداعيات سلبية على العراق، خاصة أن أحزاب السلطة تريد الإبقاء على وجوه اعتادت على الخطاب والممارسات الاستفزازية الطائفية في "الانتخابات" وإدارة البلاد، وهذا سيزيد من شيخوخة الجسم السياسي المريض، الذي لا يحتمل الاستمرار في سماع أسطوانة مشروخة، لا تنسجم ألحانها وإيقاعاتها مع مضامين الدستور الجديد، الذي يراهن على الطائفية والفتوة السياسية.

لكن ما الذي مكن هؤلاء السياسيين من استمرار حكمهم على هذا النحو؟

من ديموقراطي أمريكا ومجاهدي إيران تشكل مستنقع العملية السياسية في ماخور المنطقة الخضراء، بكل ما تجمع فيه من حثالات نافقة: أحزاب وتيارات وائتلافات للعهر السياسي تموه حقيقة سقوطها الاجتماعي والأخلاقي في صيغ شريرة للمصالح والأطماع الخارجية، وبأدوات الولائيين في الداخل فرضت على العراق نظاماً للمحاصصة المكوناتية سحقت بها أضلاع المشروع الوطني العراقي. العراقيون يترصدون حكومة الولائيين بلحظة الانفجار الوطني وثوار الأول من تشرين أول الغيث الذي سيعلن عن التغيير الجذري عاجلاً أو أجلا.

فجميعهم يعرفون فساد وإرهاب بعضهم بعضا وما سرقوا وهربوا وزوروا، وإن اختلفوا صدفة أو خديعة حول حصة الأسد من المسروق والمهرب من الثروات الوطنية، وفي نباح لا هوادة فيه يتبادلون الشتائم وبذاءات التسقيط، وكل منهم يدعي أن ما يقوم به من أفعال مشينة جميعها من أجل الوطن والشعب والقومية، وكذلك من أجل المذهب والمكون والأضرحة المقدسة!! ومن أجل إضافة مسحة من المصداقية على هرائهم، يقسمون بشرفهم وضمائرهم على أنهم سيكونون أهلا للمسؤولية!.

يعتبر تكليف محمد شياع السوداني لتشكيل الحكومة الجديدة استمرار لظاهرة تراجع الصف الأول من قادة الأحزاب والكتل في تولي رئاسة الحكومات المتعاقبة منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، حيث يحسب السوداني من الصف الثاني لأحزاب الإسلام السياسي، التي تصدرت واجهة العمل السياسي والحزبي في العراق خلال العقدين الماضيين.

فهو ينتمي لحزب الدعوة، وأحد عناصر كتلة دولة القانون التي يرأسها نوري المالكي، قبل الإعلان عن انسحابه من الحزب في العام 2016، وتأسيسيه حركة تيار الفراتين

يعد السوداني أحد الداعمين لمواقف وجرائم ميليشيا الحشد الشعبي، والمقرب من قياداتها، وهو ما يشير إلى تكرار تجربة عادل عبد المهدي، وفسح المجال أكثر لتغلغل الميليشيات وسيطرتها على المؤسسات الحكومية، والسير في استنساخ تجربة الحرس الثوري الإيراني في العراق.

ومن جانب آخر لم تكن تحفظات مقتدى الصدر، منذ 2019 وإلى هذه اللحظة أي اعتبار على ترشيح السوداني لرئاسة الحكومة فقد سبق وأن رفض الصدر ترشح السوداني عقب استقالة عادل عبد المهدي، وهو ما يجعل المشهد السياسي في البلاد غير مستقر، من ناحية استمرار الصراع على السلطة بين أقطابها، وقد شهدت الأسابيع الماضية مواجهات مسلحة بين الإطار والتيار وصلت إلى السيطرة على مبنى البرلمان والقصر الحكومي.

إن الأحزاب التي تصر على تخيير المواطنين بين الوجوه الكالحة نفسها، ثم تتساءل عن سبب عزوف عن المشاركة في الانتخابات، هي أحزاب لم تدرك بعد حقيقة وطبيعة الدور المنوط بها في تأطير المواطنين وتحفيز مشاركتهم في الشأن العام. كما أن سلوكها هذا يؤكد أنها تنظر للمواطنين نظرة “دونيةّ” أبعد ما تكون عن الندية والمشاركة، وفي أفضل الحالات، هم في نظرها خزانات أصوات انتخابية يجتهد نفس المرشحين مرة كل أربع سنوات، في استمالة أصواتهم بوسائل مشروعة وغير مشروعة، دون الحاجة لتجديد الخطاب أو وسيلة التواصل، أو محاولة الوصول إلى شرائح جديدة.

السؤال اليوم: ما هو موقف الصدر وخطواته المقبلة، وهل سيقصي السوداني أتباع الصدر من الوزارات؟ وهل يمكن في ظل الفساد المستشري ونظام المحاصصة أن يحقق السوداني وعوده الكاذبة؟! أم إن نتيجة الفشل الحتمية هي التي ستقود العراقيين لإحداث التغيير، وقلب الطاولة من جديد.

إن أحد أكبر تحديات الحكم الرشيد، هو الخلل البنيوي في منظومة الحكم بعد عام 2003، لأنها لا تفي بمتطلبات العراقيين، ولا جدال في حاجتها للتغيير الحقيقي والجذري. فما تحقق بعد عام 2003 لا يمكن الاستخفاف به إذ تعاقبت عليه 6 حكومات و5 مجالس نيابية..

مقالات متعلقة