بقلم| وليد الزبيدي (عضو اللجنة العليا للميثاق)
بدأ الجوع يزحف بقوة مع اشتداد حقبة الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة و معها حفنة كبيرة من الدول و الكثير من الدول العربية، على خلفيّة أزمة الكويت في العام 1990 بعد اجتياح القوات العراقية للدولة العربية الجارة، وتبين منذ البداية أن أهداف الحصار تتجاوز كثيرا موضوع الاجتياح، وأن ما قاله وزير الخارجية الأميركي بيكر قبيل الحرب لوزير الخارجية العراقي حينذاك المرحوم طارق عزيز في جنيف، من أن أميركا ستعيد العراق إلى "العصر الحجري"، وتلك الخطوات ما زالت مستمرة ضمن مخطط مخيف، وذلك بعد مرور سنوات طويلة على إطلاق بيكر لهذا التهديد الواضح والصريح في التاسع من كانون ثاني في العام 1991، أي قبيل شن الحرب على العراق بأسبوع، من جانب آخر زخر الخطاب الأميركي والعربي بالحديث في تلك الفترة أقصد بها التي سبقت البدء بالعمليات العسكرية ضد العراق في السادس عشر من شهر كانون ثاني 1991، عن حدود مهمة هذه الحرب و تتحدد بإخراج "القوات العراقية" من الكويت، وهو الهدف المعلن للحرب، وكانت البيانات والتحليلات والأخبار تركز على هذه الثيمة طيلة الستة أشهر التي استغرقتها الاستحضارات لبدء الحرب، والتي تواصلت على قدم وساق منذ آب/أغسطس من العام 1990 حتى الشروع في العمليات العسكرية الواسعة و التي اشتركت فيها مختلف أنواع الطائرات الأميركية منها بي 52 و طائرات الشبح و صواريخ توماهوك، و كانت الموجة الأولى قد استهدفت ثمانين موقعا عراقيا وحصلت العاصمة العراقية على حصة الأسد من تلك الهجمات، وعلى الطرف الآخر، فقد تواصل القصف الصاروخي على القوات العراقية في داخل الكويت وخارجه وتم التركيز على قوات الحرس الجمهوري والقطعات الأخرى.
بعد ما يقرب من أربعين يوما من القصف تحقق "الهدف" المعلن للحرب، والذي يتحدد بـ "إخراج" القوات العراقية من الأراضي الكويتية استنادا إلى قرارات الأمم المتحدة، لكن سرعان ما ظهرت الخروقات للقوانين والمعاهدات الدولية، فبعد الإعلان عن وقف إطلاق النار ارتكبت القوات الأميركية جريمة بشعة عندما استهدف طيرانها الحربي القوات العراقية المنسحبة في منطقة المطلاع شمالي الكويت وبالقرب من الحدود العراقية جنوبي البصرة، وسقط آلاف القتلى والجرحى وتم تدمير أعداد كبيرة جدا من السيارات والشاحنات وحصل ذلك بعد الإعلان رسميا عن وقف إطلاق النار بين الطرفين المتحاربين.
بدأت حقبة "السلام" التي أعقبت انتهاء الحرب بسلسلة من الجرائم بحق العراق، أولها تلك التي أشرنا إليها، وتبعتها سلسلة من الإجراءات القاتلة بحق العراقيين، فقد بدأت حرب تجويع العراقيين من خلال الحصار القاسي الذي فرض على العراق، وصاحب ذلك ما سمي" قرارات نزع أسلحة العراق" ثم الغزو والاحتلال والممارسات الخطيرة لنهب ثروات العراق ووضعه في خانة التبعية ومخطط تفتيت وحدته المجتمعية وإثارة الفتن وتمزيق البلاد.
سلسلة الجرائم التي ذكرناها وهي جرائم موثقة بالتفاصيل الدقيقة أليست جرائم يحاسب عليها القانون الدولي؟ أم لا يقترب منها المجتمع الدولي لأن أميركا تقف وراء ارتكابها؟