بقلم| أ. عبد الكريم البياتي (كاتب وباحث سياسي)
حاز الإعلان عن محاكمة أحد ضباط النظام السوري في ألمانيا باهتمام عربي شعبي واسع منذ نهار الخميس الماضي، وترجم ذلك ردود فعل كبيرة ومرحبة في الشارع نقلت جانبا منها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الضابط المدان وهو عميل في مخابرات نظام بشار الأسد، ويدعى أنور رسلان، حصل على حكم سجن مدى الحياة بعد ثبوت تورطه بجرائم قتل وتعذيب للمواطنين السوريين خلال فترة عمله في دمشق بين عامي 2011 و2013، ووفقا لمجريات محاكمته التي تمت في مقاطعة كوبلنتس الألمانية، والتي تعتبر الأولى من نوعها في هذه البلاد الأوربية فتحت على ذاكرتي وذاكرة ملايين العراقيين أسماء مماثلة للضابط رسلان وإمكانية أن تتوفر عدالة ولو بالجزء الذي يتيح السؤال حول أين الضحايا أو من قتلهم أو هل يمكن البكاء عليهم؟
مثل هكذا عدالة لا تتوفر في وطني ولو بالحد الأدنى جعلت للعراقيين ذاكرة حديدية لا تصدأ وتستعيد شريط السنوات الماضية والحالية، بل وحتى القادمة، وإمكانية أن نرى ثمة شيء منها عادت بي الذاكرة كغيري من العراقيين الذين شاهدوا هذا الخبر إلى الأحداث التي مرت بالعراق منذ عام 2003 وحتى الآن من مجازر وحشية ومروعة وانتهاكات ارتكبت بعشرات الآلاف وعمليات نهب وسرقة أموال العراقيين، بلا من محاكمة عادلة واحدة وآخرها الجدل الذي عم في الشارع العراقي بشأن جلسة البرلمان الأولى وما شابها.
فلقد تفاجأ الأغلبية من أبناء الشعب العراقي وخاصة من النازحين والمهجرين الذين يتطلعون إلى الاسماء التي ستمثلهم في البرلمان وتنصفهم في إعادة حقهم بالعودة إلى مدنهم وقراهم بخبرين: الأول إعادة انتخاب الحلبوسي لرئاسة البرلمان رغم كل ملفات الفساد والمخالفات التي لفت شخصه بالسنوات الماضية، والثاني انتخاب حاكم الزاملي كنائب أول لرئيس البرلمان وهذا ما تفاجأ منه أغلب من شاهد الخبر، فلهذا الاسم موقع في ذاكرة العراقيين إبان الفتنة الطائفية وتورطه في فرق الموت التي قامت بتصفية الكثير من الأطباء والكفاءات قتلا وتهجيرا، خلال عمله مع ميليشيا (جيش المهدي) بين عامين 2006 و2008 ومنها تورطه بمقتل الطبيب علي المهداوي وشقيقه وكذلك تهم خطف المواطنين على الهوية من المرضى والمراجعين الأبرياء.
عقب اعتقاله من قبل القوات الأميركية قامت بتسليمه للقضاء العراقي مع قائمة طويلة من الاعترافات التي أدلى بها، من إدارته أنشطة اغتيال وتصفية داخل وزارة الصحة واستخدام سيارات الوزارة في عمليات قتل طائفية على الهوية وصولا إلى عمليات فساد ونهب واسعة، حتى توقع البعض أن ثمة محاكمة كبيرة ستكون الأولى من نوعها بعد محاكمة رموز النظام السابق، ولكن ما الذي حدث أولا تمت المحاكمة بشكل مسرحي وصوري من قبل قضاة جيء بهم لهذا الغرض نتج عنها قلب ميزان الحكم وطلب المدعي العام تبرئة الزاملي معللا ذلك كون شهادة الاتهام سماعية وليست عينية فتم الإفراج عنه وعن آخرين معه اتهموا بجرائم مماثلة.
وبعد نحو عام واحد من المحاكمة المسرحية رشح الزاملي في الانتخابات التشريعية، وحصل على مقعد في البرلمان ممثلا عن التيار الصدري، وبالرغم من صدور مذكرة اعتقال جديدة بحقه في عام 2014 إلا أنها جمدت للحصانة التي يتمتع بها السيد النائب القاتل! ولكون القضاء المتوفر في العراق هو قضاء مسيس وتابع للأحزاب فمن يملك ميليشيا فهو يعتبر نفسه وعناصر ميليشياته فوق طائلة سلطة القضاء وأجهزة الدولة الأمنية.
الظاهر اليوم من العراق أن من يريد فصل القضاء عن السياسة وضغوط أحزابها وميليشياتها يحتاج إلى استيراد قضاة أو محاكم ذات منشأ أوربي لكي تبت في قضايا الإرهاب والعنف الطائفي والمجازر ضد المدنيين التي مر بها العراق منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا، وآخر تلك الأحداث قتل المتظاهرين بأحداث ثورة تشرين والتي لم يتم الكشف عن المسؤولين عنها أو محاكمتهم فهنيئا للشعب العراقي بهكذا سلطة قضائية تقف مع القوي من الأحزاب وميلشياتها مقابل المواطن الضعيف الذي بلا حول ولا قوة.