لقاء صحيفة الميثاق مع الخبير العسكري والأمني الأستاذ حاتم الفلاحي
الميثاق| تقيمكم العسكري لعملية طوفان الأقصى، وكيف كشفت ضعف العدو الصهيوني؟
الفلاحي| لا شك بأن عملية طوفان الأقصى كانت عملية نوعية بامتياز نفذتها كتائب المقاومة الإسلامية حماس والفصائل الفلسطينية الجهادية الأخرى التي نجحت في شن هجوم تعرضي بري وجوي وبحري مدبر يعتبر هو الأكبر منذ عام 1948، وقد ترافق هذا الهجوم بإسناد صاروخي حيث أطلقت المقاومة في الساعة الأولى من الهجوم أكثر من 3500 صاروخ كقصف تمهيدي طال الكثير من المدن التي يحتلها الكيان الصهيوني لشل حركته وإرباك قطعاته، خصوصاً وإن الكثير من المجاميع القتالية نجحت في التسلل إلى عمق المناطق التي تقع في غلاف مدينة غزة، بعد أن نجحت في اختراق الجدار العازل وتدمير كاميرات وأبراج المراقبة، حيث استطاعت خلال الساعات الأولى من الهجوم أن تصل إلى أكثر من 20 مستوطنة صهيونية وأكثر من 11 موقع عسكري بما في ذلك مقر القيادة العسكرية لفرقة غزة المسؤولة عن الجبهة الجنوبية، في أداء عسكري مذهل وتخطيط عسكري دقيق وكبير أفقد العدو توازنه منذ اللحظات الأولى للهجوم وبشكل مكن المقاومة من فرض سيطرتها الكاملة على منطقة غلاف غزة، كما تمكنت المقاومة من أسر الكثير من القيادات العسكرية والأمنية، كما حصلت على أسلحة ومعدات وآليات عسكرية، بالإضافة الى حصولها على الكثير من المعلومات العسكرية والأمنية وأجهزة الحاسوب التي تحتوي على معلومات عسكرية وأمنية سرية وخطيرة.
وتعتبر عملية طوفان الأقصى نقطة تحول في مسار الصراع العربي- الصهيوني، خصوصاً وإن هذه العملية التعرضية نقلت المواجهة إلى داخل الأراضي المحتلة التي يسيطر عليها الكيان الصهيوني، كما أثبتت المقاومة الفلسطينية بأنها نجحت في إسقاط نظرية الأمن الصهيوني القائمة على الردع، والإنذار المبكر، والقدرة على الحسم، كما أنها أسقطت منظومة القبة الحديدية، ونظرية الجيش الذي لا يقهر، بعد أن أصبحت نظريات الردع، والحرب الاستباقية، والحدود الآمنة، والمناطق العازلة من الماضي، بفعل العمل التعرضي الكبير الذي شنته المقاومة في السابع من أكتوبر الجاري، والذي أجبر الكيان الصهيوني على استدعاء 360 الف جندي من الاحتياط، كما إعلان الكيان الصهيوني حالة الحرب لهول الصدمة التي تعرضوا لها.
لقد تميزت العملية الهجومية التعرضية لفصائل المقاومة بالسرعة، والاندفاع، والجرأة، والمرونة، والمفاجأة، والمباغتة، والتخطيط العسكري الدقيق، ومعرفة الأرض بشكل دقيق وتوظيف ذلك، كما نجحت المقاومة في توظيف مبادئ الحرب بشكل دقيق، كما أن هذه العملية العسكرية كانت على درجة عالية من السرية والكتمان، كما أنها نجحت في اختيار التوقيت المناسب، والذي تمثل في اختيار يوم السبت الذي يعتبر عطلة رسمية أسبوعية، وكذلك نجحت في اختيار الأهداف، والاتجاه المناسب للهجوم، وتحديد القوة اللازمة للهجوم، بحيث تمكنت من إحداث الصدمة التي ساهمت بشكل كبير في فقدان توزان العدو وارتباك قيادته الميدانية والسياسية، ولا سيما وأنها نجحت في خداع جميع الوكالات الأجهزة الأمنية والاستخبارية الصهيونية والأمريكية التي فشلت فشلاً ذريعاً في كشف الهجوم وتحديد ساعة الصفر على الرغم من التحذيرات التي وصلتهم من بعض الدول المجاورة، خصوصاً وأنها أدخلت أساليب قتالية جديدة في المعركة منها الطائرات الشراعية، وكيفية تحييد المراصد وأبراج وكاميرات المراقبة الأمر الذي أدى الى كسر أرادة العدو على القتال وتراجع معنويات جنوده.
الميثاق| أفرزت معركة طوفان الأقصى قدرة المقاومة الفلسطينية على تعبيد الطريق لتحرير فلسطين، كيف ترى المشهد مستقبلا؟
الفلاحي| لقد نجحت المقاومة الفلسطينية في بناء قدراتها العسكرية والأمنية رغم الحصار المفروض عليها، ورغم قلة الإمكانيات، واختلال موازين القوة، ومع هذا فقد أثبتت المقاومة بأنها قادرة على إدارة الصراع، خصوصاً وأنها نجحت في الانتقال من الدفاع السلبي الى الهجوم البري المدبر والمباشر، بعد أن اقتصرت المواجهة بين الجانبين طوال الفترة الماضية على القيام بعمليات فدائية فردية تشمل: استخدام الأسلحة الفردية، والقيام بعمليات الطعن باستخدام السكاكين والآلات الحادة، وكذلك القيام بعمليات الدهس، أو عمليات التفجير، بالإضافة الى استخدام الحجارة، حيث تدرجت بعد ذلك لتصل الى إطلاق الصواريخ التي كانت تسمى بالعبثية والتي وصلت اليوم إلى 250كم، ثم نجحت في تصنيع واستخدام الطائرات المسيرة المفخخة والتي شكلت نقلة نوعية في المواجهة العسكرية.
الأمر الآخر إن جميع هذه العمليات السابقة كانت تأتي ضمن سياق الفعل ورد الفعل، كما أنها كانت تأتي ضمن المواجهة والتصعيد والرد المستمر على جرائم الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني الذي عمل على بناء قوة عسكرية بدأت بفتيان يحملون الحجارة والسكاكين، ثم تطورات قوتهم إلى بناء قوات عسكرية برية وجوية وبحرية، كما أنها تؤكد قدرة المقاومة على صنع أجيال من المقاومين الذين يتمتعون بقيادات فذة ذات تفكير عميق قادرة على إدارة الصراع بمستوى تدريب عالي وبمهارات فردية قتالية قل نظريها وبأسلحة فتاكة ومتطورة، بعد أن أثبتت المقاومة بأنها قادرة على مواجهة الحصار البري والجوي والبحري، وأنها قادرة على تصنيع أسلحتها بنفسها، كما أنها أثبتت بأنها تمتلك من القدرات والخبرات الاستخبارية ما يمكنها من مواجهة أعتى أجهزة المخابرات في العالم وهو جهاز الموساد الصهيوني الذي فشل في معرفة نوايا المقاومة الفلسطينية، والتي نجحت في تظليل العدو وخداعه على كافة المستويات (الاستراتيجي، العملياتي، التكتيكي) وانتقلت إلى تنفيذ عمليات هجومية وجعلت العدو يتحول من الفعل إلى ردة الفعل المحسوبة من قبل قيادات المقاومة.
الميثاق| معركة طوفان الأقصى بمنظور معادلة الصراع بالمنطقة، ماذا ستفرز من معطيات مستقبلا؟
الفلاحي| لقد أثبتت المقاومة الفلسطينية أن مقاربة الحل الأمني والعسكري، والقمع، والاعتقال، والسجون، وبناء الجدار العازل، وبناء المستوطنات، وتجاوز المتطرفين اليهود على بيت المقدس، ومصادرة المنازل وأملاك الفلسطينيين، ومحاصرة المدن، وقتل المدنيين، وتدمير المنازل على أهلها، وقطع المياه والكهرباء، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، لن يحل القضية الفلسطينية، خصوصاً مع سقوط نظرية الجيش الذي لا يقهر بعد السابع من أكتوبر التي طالما تباهى العدو الصهيوني بها، مما يعني أننا أمام معطيات جديدة تقول بأن الجيش الصهيوني لم يصمد أمام قدرات محدودة لفصائل المقاومة الفلسطينية، فكيف إذا كانت المواجهة مع جيوش تمتلك من القدرات العسكرية ما يمكنها من تغير قواعد الاشتباك واللعبة في المنطقة، لذا فهذا العمل التعرضي سيدفع الكثير من الدول على إعادة حساباتها في أساليب المواجهة مع الكيان الصهيوني، خصوصاً مع وجود رفض شعبي وإقليمي ودولي لما يقوم به الجيش الصهيوني من قتل للمدنيين وتدمير وقصف المشافي والمساجد والكنائس، ولكن هذا كله لن يغير من عدالة القضية الفلسطينية، بل إن هذه الممارسات العنصرية للكيان الغاصب ستزيد من إصرار الشعب الفلسطيني على الصمود لتحرير أرضه، ويجب أن يكون هناك حلا عادلا للقضية الفلسطينية بعيداً عن ألة القتل والتشريد، كما أن هذه المعركة ستجعل العدو يعمل على إعادة حساباته على كافة المستويات السياسية والعسكرية وخاصةً بعد انهيار جيشه وفقدانه القدرة على القتال.
الميثاق| هل القضية الفلسطينية عربية أم إسلامية، وبماذا تدعو الجميع؟
الفلاحي| لا شك بأن القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية بامتياز، وفيها جانب عقدي يخص كل مسلم عربي وغير عربي، كما أن نضال وصمود الشعب الفلسطيني هو وسام فخر وعزة، على الرغم من طغيان الصهاينة وإرهابهم، وعلى الرغم من الصمت العربي المخجل، وكذلك الصمت الدولي والإقليمي عما يقترفه هذا الكيان الغاصب من جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب بحق المدنيين الفلسطينيين بعد أن فشل جيشهم في مواجهة المقاومة الفلسطينية، كما حاول أعداء الإسلام أن يقزموا القضية الفلسطينية يجعلوا منها قضية عربية فقط بعد تعريتها وتجريدها من بعدها الديني والتاريخي، خصوصاً وأن فلسطين والقدس تكتسب مكانة دينية مهمة لجميع الأديان السماوية، كما حاول الكثير من المتصهينين العرب أن يقولوا بأن القضية الفلسطينية تخص الشعب الفلسطيني ودول الطوق أو دول المواجهة والتي تشمل مصر والأردن وسوريا ولبنان، ثم ذهبوا الى أبعد من ذلك عندما قالوا بأنها تخص الشعب الفلسطيني وما يرضى به الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره سنرضى به؛ في تخل واضح عن تحمل المسؤولية في دعم القضية الفلسطينية ونصرة شعبها المظلوم لتحرير أرضه وتحرير بيت المقدس.
لذا فالقضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين وهي أمانة في رقاب الجميع، وهي لا تسقط بالتقادم والتخاذل والتطبيع، بل هي تحيا في نفوسنا مهما طال الزمن، ولا سيما أن فيها بعدا دينيا وعقديا كونها تضم بين أكنافها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لذا فأنا أدعو الجميع الى دعم القضية الفلسطينية بجمع الأموال والمساعدات الإنسانية والطبية والغذائية كلا بحسب قدرته ولو كان الدعاء فقط لكي يتمكن الشعب الفلسطيني الذي سلبت حقوقه وانتهكت حرماته على مساعدته في استرداد حقوقه المسلوبة، بما فيها تحرير بيت المقدس من سطوة اليهود ومنعهم من تنفيذ مخططاتهم في هدم المسجد وبناء هيكل سليمان المزعوم، كما يجب فضح جرائم الاحتلال إعلامياً من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، كما يجب فضع المعايير المزدوجة التي يتعامل بها الغرب فيما يخص القضايا العربية والإسلامية بما فيها المنظمات الحقوقية، كما يجب مقاطعة الشركات والمنظمات الداعمة للكيان الصهيوني مثل ما حصل مع مطعم ماكدونالدز، و قهوة ستاربكس، وغيرها الكثير.
الميثاق| ما هي الحلول السريعة المطلوبة من الشعوب والأنظمة لاستثمار معركة طوفان الأقصى وسبل تفعيلها على جميع الجبهات؟
الفلاحي| يجب أن يكون الفعل على جميع المستويات الرسمية والمدنية لمساعدة الشعب الفلسطيني وخاصةً في غزة للرد على المجازر التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق إخواننا في غزة، لذا يجب زيادة الضغط الشعبي لفتح المعابر مع غزة، وخاصةً "معبر رفح مع مصر" التي يجب عليها كسر الحصار وإدخال الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية واستقبال الجرحى، كما يجب على الحكومات أن تفتح باب التطوع للذهاب الى نصرة أهل غزة بعد أن عجزت الأنظمة الحاكمة عن ذلك، وهم يرون كيف هرعت الدول الغربية وأمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا التي تقديم المساعدات العسكرية والمالية وكيف تم تحريك البوارج وحاملات الطائرات، خصوصاً وإن واشنطن أرسلت قوات عسكرية تقدر بـ2000مقاتل من قوات "دلتا فورس"، بالإضافة إلى إرسال أكثر من 50 طائرة نقل جوي عسكري حطت في إسرائيل وهي تحمل أسلحة وذخائر وصواريخ ومعدات لكي تتمكن إسرائيل من الدفاع عن نفسها كما يقول الرئيس الأمريكي "جون بايدن"، بعد أن فشل الكيان الصهيوني في الدفاع عن نفسه.
ومن هنا أدعو الأنظمة العربية والإسلامية أن تتعامل مع هذا الواقع الجديد، ويجب عليها أن تستجيب لضغط الشارع العربي والإسلامي الذي خرج بقوة للضغط على الحكام الخونة التي تقاعسوا عن نصرة الأقصى ونصرة الشعب الفلسطيني المظلوم، وهم يرون كيف تقصف المشافي، ودور العبادة والمباني، وكيف يقتل الأطفال والنساء والمدنيين بلا رحمة في محرقة لم يعرف لها التاريخ مثيل، وبطريقة يندى لها جبين الإنسانية، بعد أن تعرى الغرب عن إنسانيته التي يتغنى بها، وها هو يكيل بمكيالين في القضايا التي تخص الشعوب التي تتعرض للظلم والقتل والتهجير والحصار، كما يجب أن تجمع التبرعات المالية والمادية، ويجب أن تتخذ القرارات بسحب السفراء، وإيقاف التعاملات النفطية والاقتصادية، ووقف التعاون على جميع المستويات مالم يتم وقف إطلاق النار وفتح المعابر وإدخال المساعدات الطبية والغذائية ويجب تفعيل الإعلام لفضح جرائم الاحتلال.
الميثاق| كيف تقرأ توقع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتن ياهو: أنه أمام شرق أوسط جديد؟
الفلاحي| إن هذا المجرم يحاول أن يتدارك فشله السياسي والعسكري بعد هذه الهزيمة المدوية لجيشه الذي لا يقهر، بعد أن فشل في مواجهة الهجوم العسكري لفصائل المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر الجاري، لذا فهو يقوم بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وجرائم حرب، يقتل فيها الأطفال والنساء، وهو يحاول أن يحرق الأرض ويقتل الجميع، فكل شيء هو هدف لطائراته ومدفعيته وصواريخه، وحتى المشافي والكنائس لم تسلم من قتله وبطشه، وهو يحاول أن يطلق تصريحات حول الحرب البرية وأنها قضية حياة أو موت، وهو يحاول أن يسوق فيها لشرق أوسط جديد يحلم فيه بالقضاء على حركة حماس وقيادات المقاومة في غزة وتهجيرهم إلى الدول المجاورة، فمرة يطلب تهجير الفلسطينيين إلى سيناء المصرية، ويطلب من مصر نصب مخيمات لهم في صحراء سيناء، ومرة يطلب تهجير قسم منهم إلى السعودية والأردن وبلدان أخرى ومنها العراق كما يروج، حيث رشحت معلومات تفيد بأن هناك مخطط لتهجير الفلسطينيين إلى صحراء الأنبار.
إن تهجير الفلسطينيين يعني تصفية القضية الفلسطينية على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية وقد تم رفض هذه جميع هذه الخيارات، الأمر الذي جعله يطالب بإخلاء المناطق الشمالية لقطاع غزة والتوجه نحو جنوب القطاع، وبنفس الوقت يقوم بقصف المناطق الجنوبية التي نزحت إليه الأهالي علماً بأن جميع هذه الخيارات هي مرفوضة من الشعب الفلسطيني ومن قبل هذه الدول العربية، ولكن الأمر الذي يثير الريبة هذا الحشد العسكري الأمريكي والاصطفاف الغربي ودعوة الرئيس الفرنسي ماكرون الى توسيع التحالف الدولي الذي يقاتل داعش ليشمل مقاتلة حماس، والسؤال هل يحتاج الهجوم البري على حماس هذه الحاملات والبارجات والمدمرات والسفن الحربية وتحريك الطائرات الاستراتيجية وقوات "دلتا فورس" وتوسيع التحالف الدولي ونشر منظومات ثاد وباتريوت واستدعاء 360 الف جندي من الاحتياط؟، إن لم يكن هناك وضع جديد يراد ترتيبه في المنطقة يستدعي هذا الحشد العسكري الكبير.
الميثاق| ما هي المعطيات التي يستند إليها ولاسيما وأن معركة طوفان الأقصى قلبت موازين القوى على الأرض؟
الفلاحي| رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يعرف جيداً أن وضعه وموقفه السياسي والعسكري غير جيد وهو يعاني من معارضة داخلية كبيرة، خصوصاً مع هذه الهزائم المتتالية التي مني بها جيشه مما دفعه للاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية لدعمه في استعادة التوازن، وقد استجابت واشنطن لذلك فتم دعم إسرائيل بالأسلحة والأعتدة اللازمة للدفاع عن نفسها مع ضمان تفوقها، وتم تحريك حاملتي طائرات أمريكية للمنطقة لمواجهة أي تهديدات أو لمنع تدخلات جديدة في الصراع القائم مع قطاع غزة، وقد قام بدعوة 360 الف مقاتل من الاحتياط لدعم الهجوم البري على غزة، وهذه التطورات تعني أن وضع جيشه المعنوي منهار بشكل كبير جداً وأنه فقد قدرته على القتال؛ وهذا يؤثر على أدائه العسكري، كما سيؤثر على الاقتصاد الذي شله بدعوة الاحتياط مما أدى إلى هبوط الشيكل إلى أدنى مستوياته، علماً أن الكيان الغاصب يخسر يومياً ما يقارب 300 إلى 400 مليون دولار لدعم المجهود الحربي.
الأمر الآخر هو أن هناك معارضة سياسية كبيرة لسياسية نتنياهو بدأت تزداد في الداخل الصهيوني، وهناك أحزاب يسارية تحمله المسؤولية الكاملة عن هذا الانهيار العسكري المريع، وقد يتم الإطاحة بحكومته ومعه ابن غفير ومجموعته بعد انتهاء العملية العسكرية خاصةً إذا فشلت في تحقيق أهدافها، كما أن هناك معادلة جديدة فرضتها المقاومة الفلسطينية على المستوى الاستراتيجي بعد أن فشلت الاستخبارات العسكرية الصهيونية في كشف الهجوم الفلسطيني من جميع النواحي، وخاصةً التوقيت، والاتجاه، وحجم القوة، وأبعادها، وعمقها، بعد أن انتهت نظرية الجيش الذي لا يقهر، بعد أن حققت المقاومة أهدافها الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية واستطاعت السيطرة على أكثر من 20 مستوطنة صهيونية، وأسرت الكثير من القيادات العسكرية لجيش الاحتلال، بإمكانيات بسيطة طورتها المقاومة بقدراتها الذاتية رغم الحصار البري والجوي والبحري، الأمر الذي غير الموازين على الأرض وفرض واقعاً جديداً جعل الجميع يعيد حساباته، على الرغم من الاختلال الكبير في موازين القوى العسكرية والتكنلوجية والجوية والاستخبارية، بعد أن تلاشت منظومة الأمن الصهيونية، والقبة الحديدية، ومقلاع داوود، وغيرها من القدرات والمنظومات المتطورة والحديثة، كما أن هذه العملية أوصلت رسالة بأن الأنظمة العربية التي طبعت معكم لن تكون قادرة على منع المقاومة من تحقيق أهدافها في التحرير والحرية مهما طال ليل الظالمين، علماً بأن الغرب لأول مرة يقر بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
الميثاق| وكيف تقيّم رفض بعض الدول العربية مشروع تهجير أهل غزة، وهل ستصمد الأنظمة في رفض هذا المشروع الخطير خصوصا أن الداعم للمشروع هي أمريكا؟
الفلاحي| مواقف الأنظمة العربية الحاكمة كانت ضعيفة ومتباينة منذ البداية وخاصة الموقف المصري والأردني، حيث رفضت الأردن مشروع التهجير بالمطلق منذ البداية، وحذر ملك الأردن من "أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من جميع الأراضي الفلسطينية أو التسبب في نزوحهم"، كما أكد "ضرورة عدم ترحيل الأزمة الى دول الجوار"، بينما وافقت مصر على التهجير من حيث المبدأ ولكن على أن لا يكون في صحراء سيناء بل يجب أن يكون في صحراء النقب، أي في الداخل الفلسطيني لحين انتهاء العمليات العسكرية، حيث يقول الرئيس المصري من المهم أن "يبقى الشعب الفلسطيني صامداً وحاضراً على أرضه"، وأضاف "بأنه لا يمكن السماح بالتهجير القسري للفلسطينيين" وأكد "بأنه لا يقبل بأي حال من الأحوال تصفية القضية الفلسطينية"، وبنفس الوقت وصف المقاومة في غزة بالجماعات المسلحة، وكأن مصر لم تكون وسيطاً في المفاوضات السابقة، علماً بأن هناك بيان مشترك صدر بين مصر والأردن جاء فيه "إذا لم تتوقف الحرب وتوسعت فأنها تهدد بإغراق المنطقة بأكملها في كارثة"، علماً أن هناك موافقة على تهجير الفلسطينيين ولكن داخلياً وليس الى دول الجوار بما فيها المملكة العربية السعودية التي رفضت دعوات التهجير على لسان وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان الذي طالب بالوقف الفوري لإطلاق النار، ورفع الحصار، وضمان دخول المساعدات الطبية والإنسانية والغذائية إلى القطاع، علماً بأن الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني كانوا يريدون تطبيق التهجير على قطاع غزة والضفة الغربية وتوزيعها على الدول المجاورة لإنهاء القضية الفلسطينية مقابل إعفاء مصر من الديون الخارجية.
إن هذه المعركة وضعت الدول العربية أمام مأزق خطير: إما أن تكونوا مع القدس والأقصى والشعب الفلسطيني، وأما أن تكونوا مع التطبيع والتخلي عن القضية الفلسطينية، لذا نرى بأن مؤتمر القاهرة للسلام الذي فشل في بلورة موقف عربي وإسلامي قوي يضع حداً للعدوان الصهيوني أو للدول الغربية المساندة للعدوان، بل إن الدول العربية التي طبعت مع الكيان الصهيوني لم تعلن تجميد التطبيع للضغط على الكيان الصهيوني وداعميه، لذا نرى بأن البيان الختامي اقتصر على المطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية، والغريب أن هذا المؤتمر حضره سفيرة واشنطن في القاهرة وكذلك وزراء خارجية كلا من دول المانيا وفرنسا وبريطانيا التي تدعم الكيان الصهيوني دون الالتفات إلى آلاف الضحايا من الأطفال والنساء وكبار السن لذا من أخفق في إدخال المساعدات الى غزة عبر معبر رفح الذي يخضع لسيطرتها ولا دخل للكيان الصهيوني به بل ويقبل بأن يحدد له وقت مرور الشاحنات التي تحمل المساعدات الإنسانية وعدده، سيكون من الصعب عليه أن ينجح في إصدار بيان يتضمن وقف إطلاق النار.
ومواقف الأنظمة العربية تقريباً متطابقة إلى حد بعيد ومتناقضة من حيث قبولها بالعمل العسكري الذي ينوي الجيش الصهيوني القيام به ضد فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وهذا مخالف لرأي وموقف الشعب العربي الرافض لموقف الأنظمة العربية والداعم للمقاومة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني في قطاع غزة وبقية المدن الأخرى، كما أن عدم فتح معبر رفح من قبل الجانب المصري هو خطيئة كبيرة ترتكبها الحكومة المصرية بحق المدنيين من أهل قطاع غزة الذين يتعرضون لقصف وحشي وإبادة جماعية وصلت إلى قصف المشافي ودور العبادة وقتل المدنيين، علماً بأن وزير الخارجية الأمريكية الذي جاء الى المنطقة بصفته يهودي قام بجولات مكوكية شملت الكيان الصهيوني وقطر والسعودية ومصر والبحرين والأردن لكسب التأييد لخطة التهجير ولكنه لم يوفق في ذلك!، لأن الشعب الفلسطيني في غزة حسم موقفه في البقاء مهما كانت التضحيات، علماً أني أرى بأن التهجير والهجرة ستكون لليهود من إسرائيل عاجلاً أم أجلاً، بعد أن فقدوا الثقة بجيشهم وأجهزتهم الأمنية والاستخبارية، كما أنهم فقدوا الأمن في مدنهم وبيوتهم التي يطالها القصف الصاروخي للمقاومة الفلسطينية بما فيها تل أبيب.
الميثاق| وهل تتوقع حربا إقليمية قادمة للمنطقة مع أزمات اقتصادية أخرى تمهيدا لنكسة جديدة، أم بداية زوال الكيان الصهيوني؟
الفلاحي| عملية طوفان الأقصى كانت لها تداعيات كبيرة على المنطقة خصوصاً وإن هناك توقعات بتحولها إلى حرب إقليمية إذا ما انضمت لها جبهات أخرى مثل الجبهة الشمالية مع حزب الله اللبناني أو حتى جبهة الجولان السوري، حيث تشهد الجبهة الشمالية في هذه الأيام تصعيداً متصاعداً، وهناك اشتباكات متقطعة، وقصف متبادل ومتدرج، ولكنه منضبط ومسيطر عليه ضمن منطقة جغرافية محدودة تتراوح من 2كم إلى 5كم وقد وصلت إلى 8كم في مرات متعددة، الأمر الذي جعل القيادة العسكرية الشمالية للكيان الصهيوني تقوم بإخلاء إجباري للمدن والقرى القريبة من الشريط الحدودي لمسافة تتراوح من 5كم إلى 8كم، وهذا التصعيد بحسب المعلومات يجري ضمن غرفة عمليات مشتركة يديرها حزب الله اللبناني وتشترك فيها الفصائل الفلسطينية المتواجدة على الأراضي اللبنانية، وتتراوح هذه الأعمال القتالية بالفعل ورد الفعل، وهي في تصاعد مستمر ولا أعتقد أنها ستنزلق إلى حرب مفتوحة على غرار الجبهة الجنوبية في غزة لأن هذا القرار هو إيراني بامتياز، خصوصا أن حزب الله لا يسعى لمواجهة مفتوحة مع الكيان الصهيوني ومن ورائه أمريكا، وبنفس الوقت تل أبيب وواشنطن لا تريد التصعيد على هذه الجبهة والإبقاء عليها هادئة، ليتسنى لهم التفرد بالهجوم البري على غزة كما تزعم، ولكن ربما تحصل بعض الأخطاء من الجانبين قد تؤدي إلى حرب شاملة.
وما يثير الريبة هو أن الكيان الصهيوني استدعى 300 إلى 360 الف جندي من الاحتياط، مما يجعله يتمتع بمرونة كبيرة من حيث استخدام القوة البشرية والمناورة بها على جميع الجبهات، على الرغم من أن هذه القوات لا تتمتع بقدرات عسكرية وبدنية كبيرة ولكنها تؤخذ في حسابات القوة وتقدير الموقف، كما أن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتحريك حاملة الطائرات "جيرالد فورود" إلى شرق المتوسط قرب شواطئ غزة ونشرت سفن حربية لمواجهة أي تدخل عسكري ضد إسرائيل من قبل أي جهة كانت سواءً إيران أو ميليشياتها المسلحة، وزودت إسرائيل بأحداث الأسلحة المتطورة، بالإضافة الى تحريك حاملة طائرات أخرى إلى المنطقة وهي "أيزنهاور"، وأرسلت الفي جندي من قوات دالتا، كما أرسلت الجنرال جميس غلين قائد مشاة البحرية الأمريكية ومستشارين عسكريين ليشاكوا في وضع خطة الهجوم البري على غزة وتقديم الاستشارة، خصوصاً وأنهم من المطلعين على الدروس التي استفادوا منها في محاربة داعش في مدينة الموصل، مع نشر 12 منظومة صاروخية دفاعية مثل ثاد وباتريوت في المنطقة، مما يجعل الحسابات العسكرية لهذه القوات تتجاوز سياسية الردع أو احتمالية منع التصعيد، خصوصاً وإن وزير الدفاع الأمريكي أوستن يقول بأننا لن نتردد في التحرك لمنع توسع الصراع في المنطقة في رسالة ردع قوية لمن يريد توسيع الصراع.
واندلاع حرب مفتوحة في المنطقة ستؤثر على أمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط، حيث صرح رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول قائلاً: "إن الحرب في غزة لا تجلب أخبار جيدة لأسواق النفط المنهكة بالفعل"، وأعتقد بأن دخول إيران سيؤثر بشكل كبير لأن 20% من إمدادات النفط يمر في مضيق هرمز، كما أن عدم تدخل إيران وفرض وتشديد العقوبات عليها من قبل واشنطن سيؤثر أيضاً على سوق النفط، خصوصاً وإن روسيا وإيران أعلنت في وقت سابق تخفيض الإنتاج، علماً بأن سوق الغاز كان أسرع تأثراً خصوصاً وإن وزارة الطاقة الصهيونية أعلنت تعليق الإنتاج مؤقتاً، وهذا كله سيؤثر بشكل كبير على الدول الغربية وخاصة الاتحاد الأوروبي، مما يعني اشتعال المنطقة بحرب جديدة شاملة ستكون كارثية على جميع الأطراف، وخاصة أن الوضع بعد السابع من أكتوبر لن يكون كما كان قبله، خصوصاً وإن إسرائيل أمام إشكالية كبيرة فيما يخص كيانها الغاصب الذي تكشفت حقيقته للعالم من خلال الجرائم التي يرتكبها في غزة من قتل الأطفال والنساء وتدمير البنايات السكنية على رؤوس ساكنيها، وقطع الماء والكهرباء، وانتهاك لحقوق الإنسان وهي جرائم ترتقى إلى جرائم الإبادة الجماعية وهي جرائم حرب بامتياز، وهي ترتكب على مرأى ومسمع من المنظومات الحقوقية والإنسانية الأممية مما يعني فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين.
الميثاق| إيران ومحور ما يسمى المقاومة وميليشياتها اكتفت بالتظاهر وإطلاق التصريحات النارية/ كيف تفسره؟
الفلاحي| يبدو بأن قيادات محور المقاومة وميليشياتها لا ترى ما يجري في غزة من قتل للنساء والأطفال وتدمير شامل للحياة هناك، أو أنهم ينتظرون إن يجهز العدو على ما تبقى من أهل غزة حتى يتدخلوا أو يقولوا لا داعي للتدخل لأن الأمور انتهت، أو إنهم ينتظرون سيدهم في طهران ماذا يقول لهم، أو أنهم سيكتفون بالدعاء خصوصاً وإن بعضهم نفى بشكل قاطع معرفته بما يجري في غزة، خصوصاً وإن بعثة إيران في الأمم المتحدة قالت بشكل صريح "بأن قواتها المسلحة لن تتدخل في الصراع ما لم تهاجم إسرائيل مصالح إيران أو مواطنيه"، كما قال حيدر جلال زاده رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني "بأننا على اتصال مع أصدقائنا في حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وموقفهم هو أنهم لا يتوقعون منا تنفيذ عمليات عسكرية"، علماً بأن المرشد الأعلى الإيراني الخامنئي "نفى تورط إيران بالهجوم على إسرائيل"، وهنا نقول إذن كيف تم اعتبار حماس من محور المقاومة؟.
الأمر الآخر هناك ثلاثة مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى ومصدر أمني غربي قالت لرويترز "إن إسرائيل لا تريد مواجهة مباشرة مع طهران، ولا يوجد مؤشر على إن ايران كانت على علم مسبق بهجوم السابع من أكتوبر"، في مناغاة واضحة بين الجانبين، وكأن هذه التصريحات هي رسائل متبادلة بين الطرفين على عدم التدخل في الصراع والاكتفاء بالحرب الإعلامية، وهذا يعني بأن محور المقاومة أمام اختبار حقيقي يهدد الاستراتيجية التي تتبعها إيران في المنطقة والمتعلقة ببناء شبكة لجماعات مسلحة تعمل بالوكالة في المنطقة، ناهيك عن فشل استراتيجية توحيد الجبهات التي روجوا لها سابقاً، وها هي اليوم تتخلى عن أحد حلفائها في المنطقة، تاركةً هامش لحزب الله اللبناني لتقوم بالمهارشة من خلال إطلاق صواريخ وبعض قذائف الهاون على الجبهة الشمالية لإسرائيل وهي ضربات محدودة لا قيمة لها على المستوى الاستراتيجي أو العملياتي، بينما أسقطت مدمرة أمريكية ( يو إس إس كارني) ثلاثة صواريخ وطائرات مسيرة قامت بأطلاقها ميليشيات الحوثي ولكن لا أحد يعرف باتجاه من أطلقت ويحتمل بأنها كانت متجهة الى إسرائيل وتم إسقاطها في البحر الأحمر حسب ما أعلنه المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية.
أما ما تقوم به بعض الميليشيات المسلحة التابعة لإيران من هجمات في العراق على بعض المواقع والقواعد الأمريكية فهي محدودة ولا قيمة لها على المستوى الاستراتيجي أو العملياتي أو حتى التعبوي، ويمكن أن نقول عنها عبثية و لا تأثير لها على ما يجري في غزة، وهذه المناوشات بعيدة كل البعد عن الدخول في مواجهة مفتوحة وشاملة مع الكيان الصهيوني، لأن قرار المواجهة لهذه الميليشيات بيد إيران، والغريب أيضاً هو غياب قائد الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني عن المشهد العسكري المتصاعد على الجبهة الفلسطينية خصوصاً وإن المنطقة تمر بمنعطف خطير، كما غابت عن المشهد التصريحات الحماسية والإعلامية والدعائية لقيادات المقاومة التي تنادي بتحرير الأقصى، ولكن يبدو بأن قيادة المقاومة سمحت أن تكون هناك مظاهرات، وتجمعات، وخطب حماسية، وشعارات معادية للشيطان الأكبر، بما في ذلك التقاط الصور على الحدود اللبنانية ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه التهدئة وعدم التصعيد هو متوقع خصوصاً وإن هناك "تأكيد من مجلس الأمن على رفع الحظر الصاروخي عن طهران وفقاً للقرار 2231 الدولي".
الميثاق| تحاول ميليشيا حزب الله ركوب موجة الحراك الشعبي العربي بمناوشات خجولة مع الكيان الصهيوني لذر الرماد بالعيون؛ كيف تقيمون ذلك؟
الفلاحي| يبدو بأن الضربة التي وجهتها حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى للكيان الصهيوني في غلاف مدينة غزة جعلت الكيان الصهيوني يعيد حساباته ويحرص على عدم فتح جبهة جديدة مع حزب اله اللبناني لأنهم مرعوبين من هول الصدمة التي تعرضوا لها في غلاف غزة، لذا فهناك مناوشات محدودة تقوم بها الفصائل الفلسطينية المتواجدة على الأراضي اللبنانية بالاتفاق مع حزب الله، وتعتبر هذه العمليات نوعية ولكنها محدودة وتدخل ضمن سياق قواعد الاشتباك في الفعل ورد الفعل، وهي لا تكتسب قيمة استراتيجية أو عملياتية كبيرة على مستوى الصراع القائم، علماً بأن دخول حزب الله في هذه المعركة سيكون عاملاً حاسماً في إمكانية أن تنزلق المواجهة العسكرية الى حرب إقليمية، ولكني أرى بأن قرار المواجهة العسكرية بيد إيران، ومع هذا فقد أعلن رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله هاشم صفي الدين، منذ الساعات الأولى بأن "حزب الله لا يقف على الحياد في هذه المواجهة"، ولكنه في الحقيقة وقف على الحياد ولم يخرج عن قواعد الاشتباك المعمول بها في المنطقة، لأنه يدرك بأن التكلفة ستكون باهظة، وقد لا يتحملها بسبب الوضع الاقتصادي المزرى، خصوصاً وإن هناك تهديدات أمريكية بمنع التصعيد وهناك تحذيرات إقليمية صدرت من الرئيس الأمريكي بايدن، ووزير خارجيته بلينكن، ووزير الدفاع أوستن بعد استغلال الوضع الهش الذي ظهر فيه الكيان الصهيوني، خصوصاً وأنها أرسلت حاملة طائرات إلى شرق البحر الأبيض المتوسط كتحذير لحزب الله وإيران من عدم تصعيد المواجهة، على الرغم من وجود رغبة إيرانية في عدم التصعيد مستفيدة من الموقف الأمريكي الساعي لذلك أيضاً، ومع هذا فقد ترك وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان الباب موارباً عندما قال "أنه لا أحد بإمكانه ضمان بقاء الوضع في المنطقة على ما هو عليه إذا استمرت جرائم النظام الصهيوني"، وهنا لا أستبعد فتح جبهة الجولان بديلاً عن الجبهة اللبنانية.
الميثاق| مجزرة مستشفى المعمداني ارتكبها الكيان الصهيوني بكل بشاعة، ويحاول الرئيس الأمريكي جو بايدن بكل وقاحة تبرئة الكيان الصهيوني المجرم منها؛ بماذا تفسر ذلك؟
الفلاحي| تعتبر مجزرة مستشفى المعمداني كارثة إنسانية بما تعنيه هذه الكلمة، فهي فاجعة سيسجلها التاريخ خصوصاً وإن هناك 20 مشفى في الشمال تلقوا تهديدات بالإخلاء ومنهم مستشفى المعمداني، حيث تلقى الكادر الطبي تهديدات بإخلاء المستشفى مما دفع الكادر الطبي الى التواصل مع السفارة الأمريكية، والصليب الأحمر، ومع المطران، وتم التوصل إلى تطمينات تقول بأن المستشفى لن يصيبه أذى، مما دفع الكثير من الأهالي إلى اللجوء إلى ساحة المستشفى ظانين ومعتقدين بأن اليهود عند عهودهم ومواثيقهم ولكنهم أخطأوا، وإذا بالاحتلال الصهيوني يقوم بقصف المستشفى في مساء يوم17أكتوبر/تشرين الأول التي تحولت إلى ليلة رعب بعد أن تناثرت الجثث والأشلاء في كل مكان، وعمت الفوضى في كل مكان بعد أن أصبحت جثث الشهداء تملأ المكان، حيث يمكن وصفها بالمذبحة البشرية ومجزرة ارتكبت بدم بارد، بعد أن استشهد أكثر من500 فلسطيني أغلبهم من النساء والأطفال وكبار السن، وقد طل علينا الرئيس الأمريكي بايدن الذي وصل لإسرائيل في صبيحة يوم 18 أكتوبر/تشربن الأول أي بعد المجزرة بساعات ليقول "إن الجانب الآخر وراء ذلك الانفجار وليس أنتم"، في تأييد صريح للرواية الصهيونية التي تتهم الجهاد الإسلامي بإطلاق صاروخ بشكل خاطئ، وهذا يفضح الموقف الأمريكي الأعمى الدعم لهذا الكيان المجرم، وازدواجية المعايير، والانتقائية في تطبيق القانون الإنساني والدولي الذي يعتبر هذا القصف جريمة حرب، ويجب تقديم المسؤولين عنها للمحاكم الدولية لذا فهو هجوم غير إنساني، وغير مبرر، وهو جريمة مروعة وغير مقبولة مهما كانت التبريرات، كما إن تنكيس الأعلام في بعض الدول العربية والإسلامية لا يواسي عوائل الشهداء والجرحى ولا يكفي لوقف جرائم الكيان المجرم.
الميثاق| سياسيا كيف تقيم الموقفين الروسي والصيني من تداعيات الأزمة؟
الفلاحي| لا شك بأن ما يجري في المنطقة من تصعيد عسكري بين فصائل المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني يصب في مصلحة روسيا بالدرجة الأولى، ثم الصين، لأن هذا التصعيد سيحول الاهتمام الأمريكي والأوروبي عن الجبهة الأوكرانية وستتحول المساعدات العسكرية إلى دعم الكيان الصهيوني مما يعني أنها ستتورط في حرب أخرى، وهذا سيكون على حساب تعثر استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا أو على الأقل إضعافه إلى حد بعيد، كما يعني بأن روسيا باتت تتمتع بحرية كبيرة فيما يخص القيام بعمليات عسكرية ضد أوكرانيا، كما أن العلاقة الوثيقة بين ايران وروسيا جعلت الكيان ينظر إلى التصعيد الحالي بأنه مدفوع من إيران، وهذا ما رفضته موسكو التي قالت "بأنها ترفض إلقاء اللوم على الإيرانيين"، كما أنها "حذرت من خطر الحرب الإقليمية"، في حال استمر الكيان الصهيوني في تقويض مراكز إيران الإقليمية، حيث يقول بعض الخبراء الصهاينة إن "الموقف الروسي الحذر يخفي سياسات معادية للكيان الصهيوني، خصوصاً وإن بوتين لم يتصل للتعزية بالقتلى الصهاينة إلا بعد مرور ثمانية أيام"، كما قال أحد زعماء حزب الليكود "أمير ويتمان" بـ"أن روسيا باتت عدواً"، وتعهد بمعاقبتها بعد انتهاء المعركة مع حماس، وقال بأن "روسيا ستدفع الفواتير صدقوني، فروسيا تدعم أعداء إسرائيل، تدعم النازيين الذين يريدون ارتكاب إبادة جماعية"، وأضاف بأن إسرائيل "لن تترد في أرسال قواتها الى أوكرانيا لمعاقبة روسيا"، كما تدمير الكنيسة الأرثوذكسية هي رسالة موجهة إلى روسيا بصفتها "حامية العالم الأرثوذكسي"، وقد وصفت الكنيسة الروسية الغارات الجوية الإسرائيلية على المؤسسات الإنسانية في قطاع غزة بأنها "جريمة حرب لا يمكن تجاهلها"، علماً بأن الموقف الروسي الرسمي اختصره الكرملين عندما قال بأنه يؤكد على "التزامه بحل الدولتين وإن لا تسوية ممكنة من دون قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية".
أما الموقف الصيني من عملية طوفان الأقصى فلاشك بأن العملية العسكرية ستخفف التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية في المحيط الهادئ، وبحر الصين الجنوبي، وقضية تايوان، بعد أن تحول اهتمامها الى الشرق الأوسط الذي تراجعت أهميته لديها في الفترة الماضية بعد أن تم إعادة التموضع فيه وسحب الكثير من القوات العسكرية بما فيها منظومات باتريوت ونقلها إلى آسيا الوسطى لمواجهة التمدد الصيني، كما إن الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني في فلسطين سيعري الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية والاتحاد الأوربي فيما يخص حقوق الإنسان التي يتغنون بها وهم يدعمون هذا الكيان الغاصب الذي يقتل المدنيين من النساء والأطفال وكبار السن بل حتى المستشفيات والمدارس والكنائس لم تسلم من قصفه وإجرامه، فهناك إبادة جماعية ومجازر يندى لها جبين الإنسانية، كما أنها تكشف سياسية الكيل بمكيالين والمعايير المزدوجة التي يتعامل بها الغرب مع القضايا الإنسانية، علماً بأن وزير الخارجية الصيني يقول بأن المجتمع الدولي وخاصةً الدول الكبرى يجب أن تتبنى موقفاً موضوعياً وعادلاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وأضاف "يجب على الدول خارج المنطقة وخاصةً الدول الكبرى الحفاظ على النزاهة وعدم التحييز ولعب دور بناء في تهدئة الأزمة"، وأكد بأن "الصين تدين بشدة وتعارض جميع الأفعال التي تلحق ضرراً بالسكان المدنيين وتنتهك القانون الدولي"، مشدداً على "ضرورة وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وضمان الظروف الأساسية للحياة لسكان قطاع غزة"، وأضاف بأن الصين تتعاطف بشدة مع الشعب في غزة، وأكد "إن الحق لأي دولة بالدفاع عن نفسها ولكنها يجب أن تلتزم بالقانون الدولي"، وقال "بأن حل الدولتين هو الحل الوحيد لحل القضية الفلسطينية"، كما أنها تحذر من الوضع الخطير في قطاع غزة" وهناك أنباء عن نشر ستة سفن حربية صينية من بينها مدمرة صواريخ موجهة في الشرق الأوسط على ضوء التطورات الأخيرة في غزة.
وأخيراً تم رفض مشروع القرار الروسي الصيني المقدم في يوم25 أكتوبر/تشرين الأول الجاري الى مجلس الأمن بشأن غزة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، فاستخدمت كلاً من الصين وروسيا حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن، خصوصاً بعد أن رفض المندوب الروسي مشروع القرار الأمريكي الذي لا يدعو إلى وقف العمليات العسكرية في غزة، والذي اعتبره بمثابة الترخيص من المجلس لمواصلة الهجوم الصهيوني على غزة لذا لا يمكن تمريره، لأن المجلس سيفقد مصداقيته تماماً، بينما رفضت الصين تمرير مشروع القرار الأمريكي الذي لم يذكر إن فلسطين محتلة منذ وقت طويل، وأنها ستصوت للمشروع الروسي، بينما صوتت الولايات المتحدة الأمريكية ضد مشروع القرار الروسي المقدم إلى مجلس الأمن حول أحداث غزة والهدنة الإنسانية تدعمها فرنسا واليابان وبريطانيا، مما يعني بأن كلاً من موسكو وبكين خرجت من هذه المعركة الدبلوماسية والإنسانية منتصرة، كما أنها عززت حضورها في الأوساط العربية والعالمية وأمام الرأي العام المحلي والعالمي وتسعى لكسب الدعم لحربها مع أوكرانيا، وهي تميل إلى تحقيق التوازن في العلاقات العربية ومع الكيان الصهيوني.
الميثاق| هل مظاهرات طريبيل لنصرة غزة وفلسطين أم أنها ضمن مآرب سياسية ودوافع إقليمية؟
الفلاحي| لا شك أن هذه المظاهرات تثير الكثير من علامات الاستغراب والتعجب خاصةً وأن من دعا إليها هو متهم بقتل وتهجير الفلسطينيين المتواجدين على الأراضي العراقية، والذين نزحوا إلى العراق منذ أكثر من 75 سنة، وتصل أعداهم إلى 40 الف نسمة، ولكن هذا العدد انخفض بعد عام2003 إلى 4 آلاف فلسطيني، والسبب في ذلك المعاناة الإنسانية التي تعرضوا لها بعد الاحتلال من قتل واعتقال وخطف وتغييب قسري، بالإضافة إلى حرمانهم من الوثائق الرسمية، والتضييق عليهم حيث تم الاستيلاء على أملاكهم تشريدهم، بعد أن الغى البرلمان العراقي في عام2017 القانون الذي يمنحهم حقوق المواطن العراقي في كل شيء، بما فيها وقف البطاقة الغذائية الشهرية عنهم، ثم يقولون لنا اليوم بأننا ندعم قضية الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه واسترجاع حقوقه المسلوبة وهم ينطبق عليهم المثل الذي يقول "إن لم تستحي فاصنع ما شئت"، لذا فهذه المظاهرات هي بدوافع طائفية لإحراج الحكومة الأردنية وأنها منعتنا من الدخول، كما أنها جزء من سياسية النظير والتسويق الإعلامي والشعارات الزائفة، لأن من يقتل ويشرد ويهجر الأطفال والنساء في العراق وسوريا واليمن لن يقاتل للدفاع عن فلسطين وشعبها.
كما إن هذه المظاهرات هي تابعة للميليشيات الولائية التابعة لإيران هي متواجدة على الأراضي السورية واللبنانية وهي تقاتل في أغلب الجبهات مع الحرس الثوري الإيراني باعتبارها تابعة له ضمن محور المقاومة، وبإمكان هؤلاء المتظاهرين أن يذهبوا إلى سوريا أو لبنان وينضموا إلى الميليشيات هناك ويفتحوا جبهة الجولان أو الجبهة اللبنانية، كما فعلت بعض الشخصيات المنتمية للحشد الولائي والتي ذهبت إلى لبنان والتقطت الصور التذكارية وكأنهم في سفرة، وهذا يجعلنا نقول بأن الذهاب إلى الحدود الأردنية هو لإحراج الحكومة الأردنية، ولذر الرماد في العيون، لأنهم يعرفون بأن الحدود الأردنية ليست الحدود العراقية مع ايران عندما دخل أكثر من 500 ألف زائر بدون تأشيرات بعد أن كسروا السياج ودخلوا في عام2015، وهم يعرفون بأن الأردن لن تسمح بالدخول بحجة القتال في فلسطين لأنها لا تثق بهم، كما أنهم يمتلكون طائرات مسيرة وصواريخ قادرة على الوصول إلى الكيان الصهيوني ولا حاجة للذهاب إلى منفذ طربيل، كما إن هناك الكثير من الفعاليات التي يمكن لهم القيام بها وهي ذات فائدة كبير مثل جمع الأموال والتبرعات والمواد الطبية والغذائية وأرسالها إلى غزة عن طريق مصر كما فعلوا في دعم ميليشيا الحوثي فيما مضى بدل هذه الدعاية الإعلامية الرخيصة التي لا قيمة لها.
الميثاق| وهل تهجير الفلسطينيين إلى صحراء الأنبار في الرطبة أصبح مدعوما أكثر، وهل له علاقة بتهجير أهالي الرطبة بالتضييق عليهم؟
الفلاحي| نسمع منذ فترة بأن هناك مخطط لتهجير الفلسطينيين إلى صحراء الأنبار كجزء من تصفية القضية الفلسطينية، خصوصاً وإن هناك دعوات ارتفعت الآن من قبل الكيان الصهيوني تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية لتهجير أهالي غزة الى الدول المجاورة لفلسطين، وهذا الأمر رفضته الدول العربية على الأقل إلى الآن، كما أنه لم يأتي أحد على ذكر العراق، ومع هذا فالمعلومات تشير إلى وجود مخطط يريدون تنفيذه في المنطقة وهو ما اطلق عليه بنيامين نتنياهو "الشرق الأوسط الجديد"، ولكنه لم يحصل على موفقة عربية على ذلك وخاصةً دول الطوق التي رفضت التهجير، كما إن طرح هذا المشروع سيقابل برفض عراقي محلي كبير وخاصةً من قوى الإسلام الشيعي لحسابات طائفية، علماً بأن هناك معلومات أخرى تشير إلى أنه سيتم ترحيل الميليشيات الكردية المعارضة للنظام الإيراني من شمال كردستان إلى صحراء الأنبار كجزء من نزع فتيل الأزمة القائمة مع ايران، بعد أن هددت باقتحام كردستان العراق مالم يتم نزع سلاح هذه الميليشيات وترحليها من كردستان، وهذا ما يجعلنا نقول بأن هناك من يحاول حشر هذه المنطقة ضمن سياق إقليمي لتصفية حسابات داخلية.
كما أن تنفيذ مثل هذه المشاريع تحتاج إلى ترتيبات وتسويات دولية وإقليمية ومحلية وأنا لا أراها متوفرة في هذا التوقيت، علماً بأن هناك تضيق كبير على الأهالي من سكنة مدينة الرطبة من قبل الميليشيات التي سيطرت عليها ومنعت الأهالي من حفر الآبار وزراعة الأراضي، كما اتبعت سياسية الاعتقال والخطف والمساومة على إطلاق سراحهم مقابل مبالغ مادية، وهذه السياسات دفعت الكثير من الأهالي الى النزوح الى مناطق أخرى أكثر أمناً لهم، بل أجبر الكثير منهم على بيع أراضيهم بثمن بخس كجزء من سياسية التغير الديمغرافي والتهجير القسري التي تتبعها الميليشيات المسلحة للسيطرة على هذه المناطق التي تكتسب أهمية استراتيجية كبيرة لوجود الكثير من المعادن والثروات الطبيعة فيها مثل النفط والغاز والفوسفات وغيرها الكثير، ناهيك عن صلاحيتها للزراعة، ووجود المياه الجوفية فيها بكثرة ، كما إن هذه المناطق لها حدود مع دولتين عربية هي الأردن والسعودية مما يعني بأن هناك إمكانية للتبادل التجاري، وكذلك للتصعيد العسكري معها اذا ما طلبت ايران ذلك كما حصل في الهجوم الذي شنته الميليشيات على شركة أرامكو السعودية خصوصاً وأنها سيطرت على منطقة النخيب وضمتها لمحافظة كربلاء.