الميثاق: أين مشروع الاحتلال الأمريكي بعد عشرين سنة وكيف تقيمونه؟
د. الفيضي: كان للاحتلال مشروع رئيسي في العراق، وهو ذو شقين، الأول: تدمير العراق وإضعافه، ونهب ثرواته، واستهداف كفاءاته، وخلق فوضى عارمة على أرضه، والشق الثاني: العمل بعد ذلك على إعادة بنائه وفق مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الذي يقوم على فكرة تقسيم المقسم من البلدان في هذه الرقعة الجغرافية الواسعة، وتجزئة المجزأ، واعتماد المكونات الدينية والعرقية حدودًا جغرافية للبلدان الجديدة، وذلك كبديل عن اتفاقية سايكس بيكو التي كان يتقاسم عوائدها كل من فرنسا وبريطانيا، وكان موعد نهايتها سنة 2016م، والغاية من المشروع الجديد أن يؤول العالم إلى وضع تكون فيه الولايات المتحدة الأمريكية سيدة على منطقة الشرق الأوسط، ويكون القرن الجديد قرنا أمريكيا بامتياز، وقد جعلوا من العراق بوابتهم نحو هذا المشروع، وخطوتهم الأولى في سبيله، وكان وراء اختيار العراق نقطة بداية أسباب يطول شرحها.
وقد نجح الأمريكيون في الشق الأول من المشروع، فدمروا العراق، وأضعفوه وأفقروه، وقتلوا من كفاءاته الكثير، وهرب منهم خارج العراق الأكثر، وسرقوا خيراته، وبددوا ما تبقى منها، وخلقوا الفتن بين مكوناته، وهو اليوم بالمعايير الدولية الأكثر فشلا في العالم على المستوى الأمني والاقتصادي والتعليمي والصحي.. الخ. أما بالنسبة للشق الثاني فعلى العكس تماما فقد حصدوا فيه فشلا ذريعا، وخيبة أمل كبرى؛ فتبخر حلمهم في تأسيس مشروع أوسط جديد أو كبير، وانقط سعيهم في جعل القرن الواحد والعشرين قرنا أمريكيا، وتحول العراق بالنسبة لهم إلى كابوس ثقيل الوطأة، هم أرادوا منه أن يكون الخطوة الأولى لبداية مشروعهم فكان كذلك ولكنه صار ـ في الوقت ذاته ـ الخطوة الأخيرة التي أجهزت على الحلم تماما، وذلك أن المشروع الذي جاءوا به تحت مسمى: (الشرق الأوسط الجديد) كان يستلزم منهم البقاء طويلًا، واحتلال العراق لم يكن سوى الحلقة الأولى منه، تتلوه حلقات أخرى يتم خلالها احتلال ست دول أخرى في المنطقة ذاتها، ولكن الذي حدث أن الخطوة الأولى كانت فيها نهاية المشروع، فلم يستطع الأمريكيون بعدها أن يحتلوا دولة أخرى، ولم ينالوا في العراق نجاحا حتى يتمكنوا من تعميم النجاح على بقية الدول.
والحق أن فشلهم كانت له أسباب عديدة لكن السبب الرئيس هو انطلاق المقاومة العراقية في وقت مبكر، وإصرارها على طرد الأجنبي عن أرضها مهما كان الثمن، ونجاحها في كسر الإرادة الأمريكية، ودفعها من ثم لاتخاذ قرار مرّ لجأت إليه مضطرة يقضي بالتنازل عن فكرة الشرق الأوسط الجديد، والانصراف إلى التفكير في طريقة للخروج بقواتها من المأزق العراقي بأقل قدر ممكن من الهزيمة، وعلى نحو لا ينال من كرامتها الدولية.
ولذلك حين تسألني أين مشروع الولايات المتحدة الأمريكية بعد عشرين سنة؟ فمن الطبيعي أن أجيب: لم يعد لها مشروع، وهي الآن في العراق ليس لها قوات قتالية تذكر، وما تبقى لها من هيمنة بحكم أن المشروع في العراق ما زال مشروعها، فإنها تدير الأمور فيه على طريقة الإدارة بالكوارث، أعنى من دون تخطيط مسبق، ولا خطط واضحة، وهو أسوء أنماط الإدارة في عرف أهل الاختصاص.
الميثاق: هل توجد ديموقراطية في العراق ولماذا؟
د. الفيضي: من حقنا أن نسأل أولا عن مفهوم الديمقراطية دوليا، ومن المعروف أن مؤسسي الأمم المتحدة عندما صاغوا الميثاق الأممي لم يكن لكلمة الديمقراطية ذكر في أدبيات الميثاق. وفي عام 1945 لم تؤيد العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الديمقراطية كنظام، ولم تتبن ممارستها؛ ومع ذلك فإن مجيء الكلمات الافتتاحية للميثاق، بعبارات "نحن الشعوب"، جعلت بعض المفسرين يقولون إن هذه العبارات تعكس المبدأ الأساسي للديمقراطية وهي أن (إرادة الشعوب هي مصدر شرعية الدول ذات السيادة، وبالتالي، الأمم المتحدة جميعها).
هنا لابد من الإشارة إلى أن النظام الديمقراطي في أساسه هو منتج للعالم الغربي، والذين انتجوا هذا النظام وضعوا -كما يقول بعض الخبراء- مستلزمات للشروع في بنائه، ومنها الآتي: عدم وجود تناحرات اجتماعية بين فئات المجتمع.. وجود قوات مسلحة قوية وقادرة على حماية النظام والتصدي للعدوان الخارجي.. وجود طبقة سياسية وثقافية مؤهلة ومؤمنة بالنظام الديمقراطي.. عدم وجود الأمية والجهل والفقر.. وجود نظام اقتصادي متين قادر على تأمين متطلبات العيش الكريم للمواطن.. إيمان القوى السياسية بالتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع.. وجود منظمات مجتمع مدني قوية وفعالة ومستقطبة لفئات واسعة من المجتمع.. وجود أحزاب سياسية مؤسسية.. وجود حرية لوسائل الإعلام.. وجود ضمانات كافية لحقوق الإنسان.. وجود قضاء مستقل.
وإذا اعتمدنا هذه المفاهيم للديمقراطية على اعتبار أنها من أدبيات صناع فكرة الديمقراطية في العالم؛ فقل لي بربك: أي فقرة من هذه المستلزمات موجودة في ظل الحكومات المتعاقبة من سنة 2003م وحتى الآن ونحن في الربع الأول من سنة 2023م.
لن أحدثك عن الواقع الفوضوي في العراق، والمآسي التي يعيشها أبناء شعبنا، والفساد المالي والإداري، ومعدلات الجريمة المنظمة، وانعدام الخدمات، فهذا الحديث يطول، وهو من البدهيات التي تراها كل يوم وتسمعها من كل عراقي صغيرا كان أم كبيرا رجلا كان أم امرأة، ومن المؤكد أن صحيفتكم تغطي جوانب كثيرة منها في كل عدد يصدر منها، فضلا عن أن مئات التقارير الدولية لمنظمات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وغيرها قد وثقت ما يندى له الجبين، ولكن دعني أحدثك عن المصيبة الكبرى التي ابتلي بها الشعب العراقي وتتجلى في احتكار السلطة من قبل طبقة سياسية محدودة العدد والأوصاف تعتقد أنها تملك العراق ملكا صرفا فهي تمسك بتلابيب السلطة فيه، وترفض مشاركة الآخرين، وفي كل دورة انتخابية ترى الوجوه نفسها تتكرر، والمتغير هو المنصب أو الوصف الوظيفي فقط، فوزير الزراعة في الحكومة السابقة هو وزير الصحة في الحكومة التي تلتها، ووزير التعليم في السابقة هو وزير الإعلام في اللاحقة وهكذا، ومن لم يحظ بقيادة وزارة ستجده يشغل منصب وكيل وزير أو مدير عام، وإن عزت الفرص فستجده في أقل تقدير بمنصب مستشار، وهؤلاء جميعا لهم مرتبات فلكية لا تجد لها نظيرا إلا في طبقة الرؤساء لدول عظمى، وهذا يؤكد ما قلته للتو من أنهم يعتقدون أن العراق ملك لهم وليس لشعبه، ويكفي شاهدا يناسب المقام ما حدث قبل أيام حينما أصر البرلمان الحالي على تمرير قانون انتخابي يعتمد نظاما يخدم هذه الطبقة السياسية، ويجعل المقاعد الفائزة حكرا عليها، ويهدر فرص الكتل الصغيرة والمرشحون الأفراد، ويعرف بنظام سانتي لغو(1.7) وقد مرر القانون رغم أنف الشعب الذي قام بفعاليات شتى للإعراب عن رفضه، ورغم أنف أعضاء (40) نائبا مستقلا في البرلمان نفسه وصل حد استدعاء قوات أمنية لإسكات اعتراضهم على القانون بشتى الوسائل كان منها الضرب المباشر، تخيل: ممثلو الشعب يضربون داخل قبة البرلمان!!
وتسألني بعد ما تقدم: هل توجد ديمقراطية في العراق؟
هذه الطبقة أخذت العراق لحما وعظما، وقد جعلت منه الآن عظما من دون لحم، ومازالت مصرة على البقاء لتمتص ما علق في عظامه من بقايا لحم!!
أما سؤالك لماذا؟ فيطول الجواب عنه، ولا يمكنني في هذا الحوار القصير إحصاء الأسباب، فهي كثيرة ومتشعبة؛ ولذا اكتفي بجواب عام اقتبسه من حديث سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلمن وهو: (إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة)، فقد قال بعض علمائنا في تفسير هذا الحديث الشريف: ليس المقصود بالساعة هنا يوم القيامة بل ساعة ذلك الأمر يعني هلاكه، وهذا ما يحصل.
الميثاق: لماذا لم تتحول العملية السياسية في العراق إلى نظام سياسي؟
د. الفيضي: هذا سؤال مهم، وشكرا على إثارته، والجواب: يجب الإقرار أولا أن الديمقراطية بمفهومها المجرد وبغض النظر عن الموقف منها هي مجموعة من القيم والمبادئ تضمن مشاركة أكبر للشعب بحيث يتم فيها ممارسة إرادته بحرية ويكون للناس رأي في القرارات ويمكنهم من محاسبة صناع القرار، ويكون الناس في درجة واحدة من المساواة وفي مأمن من التمييز، وتتوافر للجميع بيئة تحترم حقوق الإنسان والحريات الأساسية له، لكن المشكل هنا أن الديمقراطية التي بشر بها العراق على لسان الأمريكيين ليست هي هذه المفاهيم، وإنما مفاهيم أخرى خاصة بالأمريكيين مرتبطة بمصالحهم، فالوصفة الأمريكية للنظام الديمقراطي تعني بالمعايير السياسية الدولية مسخاً للديمقراطية نفسها، والتفافا عليها، لأنها تقوم على تنصيب حكام موالين للدولة العظمى في العديد من دول العالم النامي المتعطشة للحريات لتدور في فلكها ولتتمكن هذه الدولة من تمرير كافة المشاريع المريبة من خلالها. وبالتجربة فإن الكائنات السياسية التي ينتخبها الشعب عبر صناديق الاقتراع، إذا لم تنل المباركة الأمريكية فمصيرها الزوال، تماما كما عبر عن ذلك الخبير الأمريكي والناقد السياسي نعوم تشومسكي بالقول: "مسموح لك بالعمل إلى حد معين، لكنك إذا كسرت القواعد، فستعاقب"، هذا إذا كانت الانتخابات نزيهة وشفافة، إما حين تجرى الانتخابات نفسها تحت إشراف الأمريكيين وبآليات من صناعتهم فلا تسل عما يمكن أن ينتهي إليه حال البلاد، وخذ العراق نموذجا.
السياسة هنا ليست منظومة قيم أخلاقية، وإنما منظومة مصالح، فتلك المنظومة الهائلة ـ كما يقول بعض الخبراء ـ قادرة على سحق ملايين من البشر تحت عجلاتها دون أي رادع أخلاقي لتحقيق مصلحة ما، وقد تعمل بمبدأ تحقيق المصالح مع المارقين، ومع غير المؤهلين سياسيا ونفسيا لقيادة المجتمع وذلك من أجل تخفيض حجم التكاليف اللازمة لتحقيق المصالح المبتغاة، وبالتالي ليس المهم من يكون في سدة الحكم (أنظمة علمانية أو أنظمة دينية أو غير ذلك) لكن من الأهمية القصوى أن يكون القادم متعاوناً مع الدولة العظمى في تحقيق مصالحها، خاضعا لإرادتها.
ولذا فيمكن الجواب أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من كانت أولًا تمنع من أن تتحول العملية السياسية إلى نظام سياسي، وقد زاد الطين بلة دخول الجارة إيران على الخط. هذه الجارة توافقت مع الولايات المتحدة الأمريكية في احتلال العراق، وقدمت لها العون بهذا الصدد، وكانت تريد من وراء ذلك الإفادة من إسقاط نظام عدو لدود لها من غير أن تدفع ثمنا، فتحصل على ما تريد بالمجان، ولكنها كانت تدرك في الوقت ذاته أن أهداف الولايات المتحدة تضر بمصالحها وتشكل مصدر تهديد لها وخطر عليها، فقامت باستدراج الدولة العظمى وعرضت عليها مرشحيها ليكونوا أدواتها في تنفيذ مشروعها السياسي في العراق، ولسذاجة الدولة العظمى وقلة خبرتها بالمنطقة وافقت على هذا العرض فكسبت إيران نفوذا كبيرا داخل اللعبة السياسية في العراق لم تكن تحلم به، وهنا حين أرادت أمريكا بعد مجلس الحكم وحكومة إياد علاوي أن تحول العملية السياسية إلى نظام سياسي اعترضت إيران طريقها وحالت دون فعلها ذلك، لأن تكوين نظام سياسي مستقر يعني في نظر إيران أن تدور الدائرة عليها، فتمكنت من خلال ما لديها من نفوذ كبير داخل العملية السياسية أن تحقق انعطافا بقوانين اللعبة نحو مصالحها هي، وتعمل على تخريب أي مشروع يفضي إلى استقرار العراق، وهنا اصطدمت الإرادتان، ولأن نفوذ الجارة إيران ليس سهلا بسبب أن معظم أدوات اللعبة السياسية التي اعتمدها الأمريكيون في العملية السياسية كانت أدوات إيرانية أو ذات ولاء صرف لإيران صار الصراع السياسي محتدما وشرسا بين الإرادتين ودفع العراقيون بسببه ومازالوا ثمنا غاليا من عافيتهم وأمنهم واستقرارهم، ومازلت أذكر وصفا دقيقا لهذا المشهد ورد على لسان أحد المحللين السياسيين العرب حين قال: إيران وامريكا مثل فيلين، إذا لعبا أو تصارعا حطما ما تحت أقدامهما، فالعملية السياسية يا عزيزي طيلة الفترة الماضية كانت وما زالت تحت أقدام هذين الفيلين ولذا بقيت بلاء على العراقيين، ولم تأتها الفرصة المناسبة لتتحول إلى نظام سياسي، ولن تأتيها ما دام النفوذ الإيراني قائما في المشهد العراقي.
الميثاق: كيف تقيم انطلاق المقاومة العراقية وما الذي حققته؟
د. الفيضي: المقاومة العراقية موقف تاريخي كبير، وقصة عظيمة سيرويها الأجداد للأحفاد، قصة شعب رفض أن تداس أرضه من قبل قوات أجنبية، وأن يكون منصة لها لترسم مشاريعها على العالم العربي والإسلامي، فقرر مواجهة دولة عظمى كانت تمثل وقتها القطب الأوحد في العالم.
وبدأت قصة المقاومة في العراق بسلسلة من الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبها الأمريكيون، ودفعهم غرورهم إلى الاستهانة بها، وعدم الاكتراث لما يمكن أن تنتهي إليه من تداعيات، وأجلُّها خطرًا اللجوء إلى مجلس الأمن واستصدار قرار منه برقم (1483) في أيار من سنة (2003م)، بعدِّ القوات العسكرية للولايات المتحدة في العراق قوات احتلال، فقد أنهى هذا القرار الجدل الحاصل بين بعض صفوف الشعب العراقي في الأسابيع الأولى من الاحتلال حول وصف هذه القوات، بين من كان يرى أنها جاءت مخلِّصة من نظام قائم عانى من سياساته طويلًا، وبين آخرين كانوا يرون أنها قوات أجنبية لها أطماع في البلاد، لا ينبغي التزام الصمت حيالها، لكن بعد أن اتخذ مجلس الأمن هذا القرار بمباركة أمريكية صارت الرؤية لدى الجميع واضحة للعيان، وأصبح تفسير الوجود الأمريكي في العراق واحدًا، وهو أنه احتلال ليس إلّا.
ثم كانت هناك بلايا أخرى عمَّقت الشعور لدى الشعب العراقي أنه إزاء محتل غاشم، وليس ضيفًا طارئًا، أو جمعية خيرية تريد تقديم الخدمة للبلاد والعباد مجاناً، وأن القيم الإنسانية وعلى رأسها الدين تستلزم من الشعب العراقي الوقوف بوجه هذا المحتل، وبذل التضحيات في سبيل إخراجه، وتحرير البلاد من ظلمه وسطوته.
ومن هذه البلايا -على سبيل المثال لا الحصر- السماح للصوص بنهب دوائر العراق وبنيته الاقتصادية، من مصانع وأسواق مركزية وبنوك ومخازن عملاقة، واستهداف آثاره، ومراكز العلم فيه من جامعات ومكتبات مركزية، وغيرها، ومنها: الاستخفاف بالمشاعر العامة للعراقيين واستهداف رموزهم الدينية والعشائرية والمجتمعية، واستفزازهم في قضايا الأعراض والاعتبارات الأخلاقية، ومنها: القتل غير المبرر، والقتل العشوائي، والاعتقال التعسفي، ومنها التلاعب بالجينات الوراثية للمنطقة، والسعي في إثارة فتن طائفية وقومية، ومنها ترك مخازن السلاح الكبرى أمام الناس مفتوحة الأبواب والسماح لهم بالاستيلاء عليها، وغير ذلك.
هذه الجرائم كانت الفتيل الذي أشعل لهيب المقاومة من أجل طرد قوات الاحتلال، والعمل على إعادة العراق ليكون بيد العراقيين أنفسهم، لا يتحكم فيهم حاكم أجنبي يملي عليهم إرادة قيادته، وكانت هذه هي البداية لمقاومة عراقية وطنية خالصة ضد الاحتلال.
أما ما الذي حققته، فإن أهدافا عظيمة تم تحقيقها من خلال هذه المقاومة الميمونة، وقي مقدمتها إنهاء الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق، فقد اضطر الرئيس الأمريكي باراك أوباما أمام ضربات المقاومة العراقية أن يعلن عن موعد نهائي لسحب جميع قواته من العراق في نهاية سنة 2011م، وتم بالفعل سحب هذه القوات أمام العالم، ومن ذلك: أنها أفشلت المشروع الخطير الذي أراد الأمريكيون من خلال احتلال العراق البدء بتنفيذه، وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير ـ كما بيناـ حتى أن المفكر الإستراتيجي الأمريكي بريجنسكي أشار في كتابه (الفرصة الثانية) الذي صدر في سنة 2007 إلى نهاية المشروع الإمبراطوري الأمريكي في المنطقة، ونُشر في صحيفة الحياة من واشنطن "أن المقاومة في الفلوجة أحبطت مشروع الشرق الأوسط الكبير"، هذا المشروع الذي استخدم لفرضه على العراق والمنطقة أقوى جيوش العالم قد نسجت أكفانه على أيدي المقاومة العراقية، ولو قدر لهذا المشروع أن ينجح لتغير وجه المنطقة، وانتهت معالم ثقافتنا وديننا، ونهبت خيراتنا وثرواتنا إلى أجل غير معلوم.
وهذان الإنجازان لوحدهما تاريخيان عظيمان، وقد قلت في مقدمة كتابي (في كبد الزلزال) الذي صدر مؤخرا: "قد يبدو أن الدول والشعوب لا تلقي الآن اهتمامًا لما حدث في العراق من مقاومة شعب أنهت احتلال دولة عظمى له لكني على يقين أن ذلك سيحوز يومًا ما على اهتمام العالم وإعجابه، حين يدرك الجميع أن ما حصل في العراق دفع عن العالم مصيرًا مظلمًا، ومآلًا مجهولًا.
لقد استطاعت المقاومة العراقية، بظهورها القوي وادائها الفريد ـ كما يقول أحد الكتاب العرب ـ أن تعيد ترتيب موازين القوى الإقليمية لمصلحة الدول والقوى الإقليمية في المنطقة، كل منها وفقاً لطاقته وقدرته على الاستفادة من المأزق الأميركي في العراق. وقد يرى البعض أن العراق خارج دائرة هذه الفائدة، وأن هناك دولا أخرى كانت أكثر ربحا مثل إيران والصين وروسيا وغيرهم، وكأن العراق صار مثل الشمعة التي تحرق نفسها لينتفع الآخرون بضوئها، وأقول لهؤلاء: ليس بعدُ؛ فما زلنا في مرحلة التفاعلات التي نجمت عن هزيمة أمريكا في العراق، ولم يستقر الماء في الكأس، وفي ضوء قراءة متأنية لتسارع الأحداث، فإن الفوائد للعراق قادمة، وسيكون في العاقبة هو الرابح الأكبر في المنطقة بإذن الله. ومن المهم أن ندرك أن أحدا لم يقاتل بمثل شجاعة العراقيّين وقوتهم ومثابرتهم، وهذا سيتحول لاحقاً إلى رصيد لهم يمكنهم من شرعية القيادة المركزية للمنطقة، وفي التأثير على مجمل الأحداث فيها، وأقدر ـ والله أعلم ـ أن هناك مرحلة ثانية قادمة سيقطف فيها شعب العراق ومقاومته خاصة ثمار جهودهم وجهادهم، وسوف تعصف هذه المرحلة بالنفوذ الخارجي على أرض العراق، وستشهد البلاد قفزة نوعية في الأمن والاستقرار والتطور والازدهار، وهذا ليس رجما بالغيب، وإنما نتيجة قراءة موضوعية لطبيعية التفاعلات القائمة، يستدعي شرحها حديثا طويلا، والمقام هنا لا يتسع لذلك.
الميثاق: ما هي أنواع المقاومة العراقية أم أنها اتخذت خيار الكفاح المسلح فقط؟
د. الفيضي: المقاومة العراقية ابتدأت بمشروع التحرير، وكانت أول الأمر شعبية عفوية.. فعاليات تنطلق من هنا وهناك، ثم اخذت تتطور شيئا فشيئا، ومع التنامي المتواصل لهذه المقاومة بقيت الروح الشعبية طاغية عليها، فلم تنضو تحت قيادة مركزية موحدة، ولم يربط بين معظم تنظيماتها رابط، وكان هناك جزء كبير منها عبارة عن خلايا تعمل في مختلف ربوع الوطن بأعداد قليلة لكل منها، وبلا عنوان، وأحيانا تتكون الخلية الواحدة من أربعين عنصرا أو ثلاثين وهكذا نزولا حتى تصل الخلية الواحدة إلى خمسة أشخاص فقط، أو أربعة، أو ثلاثة، أو اثنين، أو شخص واحد، وثمة من يرى أن أعداد هذه الخلايا كان الأكبر قياسا بالخلايا المنظمة للمقاومة العراقية، التي أخذت عناوين، وعرفت عبر وسائل الإعلام، ولذلك حار الأمريكيون كثيرا في كنه المقاومة في بداية انطلاقتها، وفهم من يقف وراءها، وما يجري من فعالياتها.
كان شغل المقاومة الشاغل هو كسر إرادة المحتل وإجباره على مغادرة الوطن، ولذا لم تظهر لها في بداية المسيرة أي أدبيات سياسية، وتقف وراء ذلك أسباب في مقدمتها ما بيناه آنفا وهو الانشغال بإدارة المعركة، ومن هذه الأسباب: تعذر امتلاك المقاومة العراقية فرصة للظهور سياسيًا وإعلاميًا آنذاك، بسبب أن عدوها هو القطب الأوحد في العالم، وهو المهيمن على المنظمات الدولية، وعلى معظم وسائل الإعلام في العالم فلم يجرؤ أحد على إبداء أي تعاطف أو تقديم أي إسناد لها، أو توفير ملاذات آمنة لقياداتها أو منحها فرصا إعلامية للظهور، والحديث عن أدبياتها السياسية، ولذا عرفت بوصف ( المقاومة اليتيمة).
وقد لاحظت ذلك هيئة علماء المسلمين في وقت مبكر، ورأت أنها في موقع يملي عليها أن تكون المؤازر لهذه المقاومة بكل ما لديها من قدرة، وأن تكون صوتها السياسي والإعلامي؛ وأن تعمل على إبداء ما تسعى الآلة الإعلامية الأمريكية الضخمة لإخفائه من فعاليات هذه المقاومة، وأهدافها، وأدبياتها، ولاحظت ذلك أيضا قوى وطنية أخرى، فتم ملء هذا الفراغ.
وبعد تطور واقع فصائل المقاومة العراقية فظهر لها لها أسماء معلنة، وفعاليات مصورة، وصار لها ناطقون رسميون ومواقع على الانترنت، بدأت تظهر أدبيات سياسية على لسان هذا الفصيل أو ذاك، وخطابات توحي بوجود تباين بين مختلف الفصائل في الرؤية السياسية للمشهد العراقي بعد التحرير، وهنا دخلت على الخط هيئة علماء المسلمين مرة أخرى من خلال رسالتها الشهيرة التي وجهتها إلى فصائل المقاومة تحت عنوان: (رسالة مفتوحة من هيئة علماء المسلمين في العراق، إلى أبنائنا وإخواننا المجاهدين، الصابرين المرابطين على أرض العراق)، واهتمت وسائل الإعلام بهذه الرسالة كثيرا، وتم تداولها على نطاق واسع، خاطبت الهيئة عبر هذه الرسالة فصائل المقاومة كفاحا لأول مرة، وناقشت معهم قضايا عديدة بالغة الأهمية، وكان من أهمها لفت أنظارهم إلى ضرورة الاتفاق على مستقبل العراق السياسي ومراعاة واقعه، والابتعاد عن فكرة الاحتكار والإقصاء، وكانت صريحة وواضحة للغاية، وسأذكر هنا بعض ما ورد في هذا الصدد من رسالتها مختصرا بما يناسب المقام:
ــ أنتم -والخطاب موجه إلى فصائل المقاومة- بحاجة أولًا إلى أن تتفقوا على برنامج سياسي موحد، ترسمون من خلاله مستقبل هذا البلد الذي وثق أهله بكم، وعقدوا من أجل الخلاص من المأزق الذي هم فيه آمالا عليكم.
ـ نحن حين نتابع أطروحاتكم نجد أن لديكم برامج واضحة، ولكن هناك خلافا في الرؤية حول ما ينبغي أن يكون عليه مستقبل العراق. هذا الخلاف يجب أن يسوى من الآن، وقبل أن يخرج المحتل.
ـ يجب أن تدركوا حقيقة مهمة للغاية، وهي: أنكم لستم وحدكم من يمثل الشعب العراقي، وأن لكم شركاء في ذلك، ومن هؤلاء:
أ ــ القوى السياسية وغير السياسية الرافضة للاحتلال.
ب ـ أصحاب الوظائف والأعمال والكفاءات من السلك العسكري والمدني بكل صنوفهما، الذين رفضوا العمل في ظل الاحتلال.
ج ـ عامة الشعب بكل طوائفه وأعراقه.. هؤلاء الصابرون المحتسبون الذين لم يظهروا عداء لكم، ولم يتبرموا من جهادكم.. هم شركاء لكم في العمل الجهادي المقاوم.
ـ حين يكون هؤلاء شركاء لكم جميعا، فلا يمكنكم أن تتجاهلوا إرادتهم في رسم مستقبل العراق، وأنتم مدعوون إلى التعرف على طموحاتهم، وأطروحاتهم بهذا الصدد، ومطالبون -في الوقت ذاته- ألا تتجاوزوهم في أي مشروع سياسي قادم، لاسيما أنهم أغلبية، ولابد أن يكون في حسبانكم أن أي مشروع لا يحظى بنسبة تأييد غالبة منهم، لن يكتب له النجاح، وستكون في طريق نجاحه عقبات ومشكلات.
ـ لابد أن تضعوا في عين الاعتبار حال اختياركم أي مشروع سياسي خصوصيات المنطقة، والوضع الدولي القائم، لأن أي قادم على سدة الحكم في هذا البلد لا يستطيع أن يتجاهل المحيط من حوله، أو الوضع الدولي القائم في عصره.
ـ عليكم أن تعملوا على كسب ثقة جميع المخلصين والشرفاء من كل أبناء الشعب على اختلاف طوائفهم، وأعراقهم، وأديانهم، وتمدوا الجسور معهم، لتضمنوا تفاعلهم معكم، ومشاركتهم لكم في بناء البلد، فالخبرات والكفاءات موزعة فيهم.
ـ لابد أن تنبهوا إخوانكم أنه ليس كل من حمل السلاح في وجه العدو قادر على أن يتسلم شأنا من شؤون الدولة، سياسيا كان أم عسكريا أم مدنيا.
ـ يفترض لضمان نجاح المشروع السياسي الذي يقع اختياركم عليه، أن يكون له نموذج تم تطبيقه، ومعرفة مواطن القوة والضعف فيه على نحو تجريبي، أو تكون لديكم نماذج عديدة قابلة للانتفاع منها، والتعويل على تجربتها، لأن اعتماد نموذج نظري لم يسبق له أن امتحن على أرض الواقع، فيه مجازفة كبيرة.
ـ نوصيكم خيرا بهذا الشعب من شماله إلى جنوبه، وبكل أطيافه وطوائفه، وإنكم أهل لذلك، ولكنها التذكرة التي ينفع تكرارها، ولا يضر سماعها، فهذا الشعب أثبت أنه على رأس الشعوب المتحضرة، وأنه الأكثر وعيا، والأنضج قيما وأخلاقا، فقد تسامى على الجراح على نحو مثير للإعجاب، وتجاوز -حتى اللحظة- أفخاخ تمزيقه طائفيا وعرقيا على الرغم من قسوتها، وتحلى بأعظم صور الصبر على الظلم والإيذاء.
كانت هذه بعض نصائحنا لفصائل المقاومة في العراق، ولم نجد نكيرا منها، أو اعتراضا على مضامينها.. بعد ذلك قمنا بقيادة العمل على صياغة مشروع وطني بالتشاور مع معظم القوى الوطنية، وانتهينا إلى صيغ تم الاتفاق عليها ضمنّاها في الكتاب الذي صدر من القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين وطبع سنة 2011م وكان بعنوان: (هيئة علماء المسلمين والمشروع الوطني، مع مدخل مهم في مشاريع الإنقاذ) ثم طرحنا في سنة 2015 مشروع العراق الجامع، ومن رحمه خرج ما يعرف اليوم بالميثاق الوطني، الذي تعد صحيفتكم ناطقة باسمه.
وفي كل المراحل لم يعترض علينا أحد من قبل فصائل المقاومة العراقية، بل إن بعضها خول الأمين العام الأسبق للهيئة الدكتور حارث الضاري للحوار مع الدول ذات العلاقة بهذا الشأن، وبعضها أحاطنا برسائل الدعم والتأييد، ولذلك فالزعم بأن المقاومة العراقية ليس لديها مشروع سياسي ليس دقيقا.
نعم.. المقاومة العراقية بعد خروج القوات الأمريكية نهاية سنة 2011م وضعت السلاح جانبا.. ولم تكمل المسيرة في ضرب حكومات الاحتلال، وهذا مقصود منها لأنها ترفض استهداف العراقيين، وكانت ومازالت تعول على الشعب العراقي نفسه في إحداث التغيير، وهذا يحسب للمقاومة العراقية، ولا ينبغي أن يحسب عليها؛ وهناك من يظن أن المقاومة توقفت لأنها عاجزة عن مواجهة الحكومات واجهزتها الأمنية وميليشيات أحزابها، وهذا من المفارقات، لأن الذي أجبر قوات دولة عظمى على الرحيل، في وقت كانت جميع هذه الأجهزة والميليشيات تقف في صف دولة الاحتلال وداعمة لها، لن يعجز بعد رحيلها عن استهداف الآخرين!
الميثاق: لماذا كانت المقاومة العراقية من دون دعم على عكس حركات التحرر في العالم التي لم تخلو من داعم وملاذ آمن؟
د. الفيضي: هذا السؤال تمت الإجابة عليه في كتابي الذي سيرى النور قريبا بإذن الله (اضطرام الوغى) وهو الجزء الثاني من سلسلة: ذكريات وتاريخ، ويمكنني هنا ايجاز الجواب على ذلك من خلال الآتي:
لقد قدر الله سبحانه أن تكون المقاومة العراقية يتيمة بحق، لا ناصر لها سواه، وكفى بالله ناصرا ومعينا، وهذا -بطبيعة الحال- له أسبابه الموضوعية، فعبر التاريخ كان العالم متعدد الأقطاب أعني أن مراكز القوة فيه متعددة، فإذا ما قدر لشعب أن يتم احتلاله من أي قطب منها، وقرر مقاومة ذلك القطب فإنه سيجد من الأقطاب الأخرى من له مصلحة في دعمه لحسابات المنافسة بين الأقطاب، وتحقيق المكاسب، وضمان المصالح، وما يعرف بسنة التدافع، وعلى سبيل المثال لا الحصر دعمت بريطانيا من قبلُ ديغول ضد الاحتلال الألماني لفرنسا في بداية الحرب العالمية الثانية العام 1940م، وقدم الاتحاد السوفيتي ودول كثيرة أخرى الدعم الواسع والمطلق للمقاومة الفيتنامية ضد الاحتلال الأمريكي، ووقفت الدول العربية وفي طليعتها مصر إلى جانب المقاومين الجزائريين لتحرير بلادهم من الاحتلال الفرنسي، وحصلت المقاومة الفلسطينية على دعم واسع وكبير من الدول العربية ومن دول كثيرة أخرى، وهكذا.
أما بالنسبة للمقاومة العراقية فقد كانت محرومة من ذلك كله لأن الدولة العظمى المهيمنة على الأمم المتحدة والعالم في معظمه، وهي الولايات المتحدة الأمريكية كانت هي الخصم الرئيسي للمقاومة، ولذلك حالت دون أي إسناد للمقاومة من دول العالم، أو دول الإقليم المجاورة للعراق أو تلك الواقعة في منطقة التأثير جغرافيا. ولذلك حوصرت المقاومة العراقية إقليميا ودوليا، ولم تجد من يقف إلى جوارها أو يقدم لها دعما أو مساندة، بل كانت تعمل لوحدها، ولوحدها فقط، وعلى سبيل المثال نجد أن المقاوم العراقي على الصعيد المادي كان ينفق من جيبه لاسيما في المرحلة الأولى من انطلاق المقاومة، أما بالنسبة للسلاح، فقد اعتمدت المقاومة العراقية على مخازن السلاح الكبرى للجيش العراقي السابق، ومن حسن الحظ أن القوات الأمريكية في بداية الاحتلال سمحت للناس بأخذ هذه الأسلحة -على اختلاف أنواعها الخفيف والمتوسط والثقيل- من مخازنها، لغايات في نفسها، فتحول هذا السلاح إلى أيدي المقاومة العراقية لتحارب به الأمريكيين أنفسهم، وكان السلاح كثيرا لأن الرئيس السابق كان يعدّه لخوض معارك طويلة الأمد مع إسرائيل في سبيل تحرير فلسطين، فضلا عن أن الحرب الطويلة مع إيران فرضت على البلاد سياسة الاستعداد الدائم للمواجهة، وهذا كله كان يتطلب وجود سلاح كثير، وقدر الله سبحانه -وهذا من فضله- أن يكون ذلك لصالح المقاومة العراقية
أما بالنسبة لدول الجوار، فلم يكن يصل المقاومة العراقية منها شيء، بل كان هناك حصار كامل على هذه المقاومة من الدول المحيطة بالعراق عن سابق عمد وإصرار، بل إن بعض هذه الدول كانت تشاطر الأمريكيين العمل في فرض طوق على تحرك المقاومة وعملها، وملاحقة أبنائها، واستهدافهم، ومع ذلك انتصرت المقاومة وحققت أهدافها لأن إرادة الشعوب لا تقهر، وحسابات الكثرة والقلة لا وزن لها أمام قدرة الله سبحانه، وهو القائل: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله).
الميثاق: هناك أدعياء للمقاومة لم تستهدفهم أمريكا.. كيف تقيم ادعاءاتهم، ولماذا يروجونها في هذا الوقت؟
د. الفيضي: في كل زمان ومكان، هناك من يصطاد في الماء العكر، ويحاول استغفال الناس والتاريخ، فينسب لنفسه ما ليس لها، ليجلب مديحا لا يستحقه، وقد ذم الله سبحانه هذا الطراز من الناس فقال في سورة آل عمران (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وهناك أخي الكريم هدف مضمر لدى هؤلاء، وهو أن المقاومة كانت زرعا طيبا ومباركا، وحان الآن وقت الحصاد، فمن أجل ان يكون لهؤلاء نصيب فيه طفقوا يرفعون رؤوسهم ويزعمون أن لهم باعا في ذلك الزرع، وهذا وهم، فنحن أولًا في زمن التكنلوجيا وتطور وسائل الإعلام التي وثقت فعاليات المقاومة بالصوت والصورة، ووثقت المواقف لمختلف شرائح المجتمع، فمن جهة عرف العالم من كان يبذل مهجته في سبيل تحرير وطنه من الاحتلال، ورفض ممالأة الأجنبي، ومن وضع يده بيد المحتل، ووظف الإمكانات لخدمته، وكان طوع أمره وخادما لأجندته ليزيد من أرباحه، وعرف من جهة أخرى من كان يقاتل ليل نهار، وعلى مدار عقد من أجل تحرير البلاد، ومن كان يطل برأسه بين آونة وأخرى، في أوقات منتقاة ومحسوبة على طريقة من يصطاد في الماء العكر ليرهن البلاد لصالح أجنبي آخر.