بقلم| مكي النزال (عضو اللجنة العليا للميثاق)
يحتفي الناس بالمطر في أرجاء المعمورة جميعًا ومن يتأخر عليه هطوله يخرج مستسقيًا ومعه الصالحون المتضرعون إلى الله أن ينعم عليهم بالغيث ولا يجعلهم من القانطين.
إلا أهل العراق
فرجاله ونساؤه وأطفاله يدعون قائلين: "اللهم حوالينا ولا علينا" قبل أن تسقط أول قطرة!
إنهم يرون في هذه النعمة ابتلاء ونقمة فالمطر يعني انقطاع الطرق وتوقف الأرزاق، والأدهى والأمر فهو يعني غرق البيوت وإتلاف ما فيها من أجهزة لم تسدد أقساطها بعد وأثاث هو أصلًا متهالك وواجب استبداله (حين يتحسن الوضع الاقتصادي للبلد) وهل سيتحسن الوضع في البلد؟
نقول الطرق ونعرف أنها منتهية الصلاحية بالضبط مثل حكوماتنا التي ليس لها من اسمها نصيب فلا هي معنية بالطرق ولا بالماشين عليها على أرجلهم أو في سياراتهم السائرة على خوف وحذر من الحفر والمطبات (الطبيعية والصناعية الحامية لبيوت المسؤولين ومولاتهم)، أما الوحل فهو خير معبّر عن واقع أليم وقع فيه العراق بعد احتلاله ونهب مقدراته وأمواله.
ولقد قالها بدر شاكر السياب قبل سبعين سنة مستشرفًا ما يجري الآن
"أتعلمين أي حزن ٍ يبعث المطر؟ وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟ كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام.. بأن أمه التي أفاق منذ عام؛ فلم يجدها .. ثم حين لج في السؤال .. قالوا له بعد غد ٍ تعود لابد أن تعود .. فتستفيق ملء روحي نشوة البكاء.. ورعشة وحشية تعانق السماء.. كرعشة الطفل إذا خاف من القمر . مطر.. مطر.. مطر "
إنه سؤال في الصميم: أتعلمون أي حزن يبعث المطر؟ عدا أن أطفالنا وكبارنا لا يخافون من القمر يا بدر وإنما من المطر وكلهم يحلمون بأم غير هذه التي تركتهم للجوع والتخبط قبل عشرين من الأعوام وجلست في منطقة خضراء يحلو بها المطر!
المطر الذي أحزنك يا سياب يحزنهم ويخيفهم ويضر بهم ويزيد طينهم بلة وحياتهم قلقًا واضطرابًا وإرباكًا وخوفًا من مجهول أصبح معلومًا ومعروف النتائج.
وعَودًا على بدء بين قوسين (حين يتحسن الوضع الاقتصادي للبلد) يتساءل العلماء والخبراء والبؤساء:
متى يتحسن الوضع الاقتصادي والسياسي والصحي والدراسي والأمني للبلد؟
بل متى يعود لأهله هذا البلد؟
ومتى سيحتفل العراقيون بالمطر؟