بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)
لم يعد يخفى على أحد أن من أهم المخاطر الكبيرة التي تواجه العراق هو هيكلة مؤسسات الدولة وطرحها للمساهمة ليتسنى للمستثمرين الخارجيين والداخليين شراء هذه المؤسسات وفرض التحكم فيها وتحويلها إلى قبضة احتكارية تتحكم بكافة مفاصل البلد والتي ستؤدي بالنهاية إلى إفلاس الدولة وجعلها تحت وطأة تحكم الاقطاعيين، فضلا عن استنزاف الأموال الناتجة عن خصخصة هذه المؤسسات بمشاريع ترقيعية تشغيلية يملئوها الفساد الذي ينخر بالبلد والذي أضاع المليارات من الدولارات منذ بدء الاحتلال وحتى الآن.
إن خطوة الحكومة بالقيام بخصخصة المصارف الحكومية هي الخطوة الأولى ليس بإصلاح القطاع المصرفي العراقي الحكومي, بل بداية انهيار الدولة وبيع مؤسساتها إلى أطراف داخلية وخارجية (الداخلية هم الأحزاب وواجهاتهم الاقتصادية التي تمثل حكم العوائل الفاسدة), والجهات الخارجية (هم مستثمرون من دول إقليمية يتسابقون لفرض السيطرة على المؤسسات العراقية العامة والخاصة), ثم ستتيح هذه الخطوة للمستثمرين بالتحكم وفرض السيطرة على المؤسسات الحكومية بعد خصخصتها في ظل تنامي نفوذ المستثمرين بالتدخل في أدق شؤون البلد حالياً من خلال المؤسسات الخاصة العراقية التي استحوذوا عليها, فماذا لو تمت السيطرة على المؤسسات الحكومية العريقة؟
إن هذه الخطوة ليست بإصلاحية ولن تحل مشكلات القطاع المصرفي ولا المشكلات المالية والنقدية والاقتصادية التي تعصف بالبلد إطلاقاً, بل هي خطوة جاءت كشرط خليجي للدخول والاستثمار في العراق والذي طلب رفع شعار الإصلاحات الاقتصادية من خلال تقديم خصخصة القطاعات الحكومية وبيعها للمستثمرين ليتسنى لهم شراءها والانتفاع منها على حساب تدمير العراق والاستحواذ على مؤسساته, وقد عقد اجتماع في تركيا جمع أطراف خليجية مع أحد اللاهثين لتسنم منصب محافظ البنك المركزي وهو الذي سال لعابه لنيل المنصب فقدم لهم وعداً بقوله (ادعموني أصير محافظ البنك المركزي وآني أدخلكم للتملك بالمؤسسات العامة والخاصة) والذي أوصل طلب الخليجيين إلى حكومة الإطار, كما أن البنك الدولي وأدواته الإجرامية هي الأخرى تدفع نحو قيام العراق بخصخصة المؤسسات الحكومية بدءًا من المصارف ثم تعقبها خصخصة أخرى لمؤسسات صناعية وحتى بيع أراضي الدولة والمؤسسات النفطية العراقية لجعل الدولة كاملة رهينة للمستثمرين الاحتكاريين الأجانب والمحليين وبذلك يقضى على أي أمل لانتشال العراق.
إن هذه الخطوة لم تكن الأولى, بل سبقها خطوات خطيرة كانت من خلال بيع مؤسسات القطاع الخاص للأجانب وبدأ بالقطاع المصرفي أيضاً، إذ بيعت خمسة مصارف خاصة استملك الخليجيين والعرب النسبة الأكبر فيها رغم أن القانون العراقي يفرض على أن تكون نسبة امتلاك المستثمر الأجنبي لا تتجاوز (49%) لكي يبقى القرار والاستفادة للعراق, لكن المالكي هو العراب الأول لتدمير هذا القطاع هو من مهد الطريق لبيع هذه المصارف على شرط أن تبقى تمول الميليشيات وإيران وهي بالفعل ملتزمة بهذا الشرط وتمارس أنشطة كثيرة مخالفة لقواعد الامتثال لكنها مغطاة بدعم من جهات محلية ودولية لها نصيب من النهب الذي تقوم به هذه الدكاكين المصرفية التي لم يجني منها العراق إلا الدمار ولم تدعم أو تمول أي مشروع حتى اللحظة, وكانت هذه الخطوة هي الممهد الأساسي للوصول إلى اللحظة الحالية التي تعمل عليها الحكومة بتوجيه من البنك الدولي وجهات خليجية.
إن هيكلة مؤسسات الدولة وبيعها للمستثمرين تعد جريمة كبرى ويجب أن لا ترهن الدولة وتباع مؤسساتها لأن إذا تم بيعها في ظل اقتصاد ريعي متهالك ومديونية عالية وانعدام القطاعات الانتاجية فهذا يعني انهيار العراق بشكل كامل خصوصاً وأن جولات التراخيص التي تقوم بها الحكومة هي إعادة الشركات الاحتكارية للهيمنة على القطاع النفطي فضلاً عن فرض عمالة أجنبية في ظل ملئ العراق بالبطالة, كل ذلك سوف يدفع العراق نحو التدمير الشامل الذي لا يمكن انتشاله لأن بيع أصول الدولة التي تستند عليها بأي حجة يعد كارثة اقتصادية ومالية وسياسية وحتى أمنية, علماً أن الحلول لمشكلة العراق الاقتصادية والمالية متوافرة وهي إعادة تنشيط القطاعات الانتاجية وإيقاف هدر الواردات النفطية من خلال نافذة بيع الدولار التي تعتاش عليها دول إقليمية وكذلك القضاء على الفساد المالي والإداري وتنشيط الاستثمار وإعادة ملكية المصارف الخاصة إلى العراق وإعادة نسب امتلاك الأجانب فيها على 30% وما دون.
وتكمن أهم مخاطر بيع أصول الدولة بما يلي:-
1. أن الأموال الناتجة عن بيع أصول الدولة لن تكفي لسد النقص ولن تحل المشاكل المالية والاقتصادية, بل العكس سوف تعمق من المشكلات المالية وتضيف مشاكل أخرى تفرض تحديات لا يمكن تجاوزها على الإطلاق، منها تفاقم عجز الموازنة بشكل أكبر، وتراجع حاد بقيمة العملة وانهيار اقتصادي مريع.
2. ذهاب أرباح هذه المصارف إلى المستثمرين والتي سيخرجونها فوراً من العراق بالدولار خصوصاً المستثمرين الخارجيين وهذا سوف يؤدي إلى نقص كبير في إيرادات الدولة خصوصاً الغير نفطية كونها تخرج من أرباح الدولة والإيرادات إلى المستثمرين وبالتالي تفاقم الأزمة المالية والنقدية من خلال إخراج العملة الصعبة وبالتالي تراجع حاد جداً لقيمة الدينار العراقي والذي ستتولد عنه مشكلات جديدة.
3. بيع الأصول الحيوية التي تمثل مصدر مهم للهيمنة على الدولار والذي يرغب المستثمرين السيطرة عليه وإخراجه من العراق إلى دولهم, لذلك تم ترشيح البدء بخصخصة المصارف الحكومية لتكون نافذتهم المباشرة الرديف للمصارف الخاصة والسوق الموازي لنهب الدولار المتأتي من بيع النفط العراقي وبذلك تهدر واردات النفط أكثر مما هي مهدورة الآن وتفريغ العراق من الدولار وستعجز الدولة عن دفع الرواتب.
4. انخفاض واردات الدولة الغير النفطية مما سيؤدي إلى تفاقم العجز في الموازنة العامة مع العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات وإبقاء العراق يترنح تحت وطأة الاقتصاد الريعي المتهالك, علماً أن الحل لمشكلات العراق الاقتصادية والمالية والنقدية الحالية هو بتعظيم الواردات الغير النفطية.
5. احتكار إدارة المؤسسات الحيوية بيد المستثمرين وبالتالي فلتان مؤسسات الدولة ويحق للمستثمرين اتخاذ القرارات التي تناسبهم حتى وإن كانت تضر الدولة وتعارض توجهاتها ولنا في المصارف المملوكة لهذه الدول الخليجية والعربية مثال والتي تتمرد على قرارات البنك المركزي.
6. حدوث أضرار مضاعفة للمواطن جراء قرار بيع أصول حكومية للمستثمرين والذي سيفاقم كافة المشكلات التي تعصف بالعراق الآن مع فرض مشكلات جديدة ستتشابك جميعها لتشكل انهيار الدولة بالكامل وإدخال العراق في نفق العجز التام الحكومي والشعبي.
إن خطوة بيع أصول الدولة التي فرضها البنك الدولي والخليجيين والذي قرر أن البدء يكون بالقطاع المصرفي يعزز ما كنا دوماً نقوله من إن نافذة بيع العملة تعتاش عليها دول وأن السوق الموازي تتحكم به دول وأجهزتها المخابراتية لذلك عجز البنك المركزي عن معالجته والسيطرة عليه, بل هو من فرض سيطرته على البنك المركزي, ثم أن التسابق المحموم نحو نهب الدولار من العراق خسر العراق خمسة مصارف خاصة امتلك الخليجيون والعرب لها ثم تبعها رخص فتح فروع لمصارف عربية وإيرانية وأوروبية ساهمت بنهب الدولار من العراق وإدخاله بدوامة سعر الصرف والعجز بواردات الدولة كون خزينة الدولة تخسر سنوياً أكثر من 6 مليار دولار جراء فرق بين سعر الصرف الرسمي والموازي وتذهب هذه المليارات إلى المضاربين أغلبهم خارجيين, ثم تأتي خطوة بيع أصول الدولة لتشكل المسمار الأخير بنعش العراق لتتوافق مع كارثة بيع السندات والتي بأموالها تسير النفقات التشغيلية ولا تقام بها المشاريع الانتاجية وهذا سوف يجعل الدولة عاجزة عن إعادة أموال حاملي السندات مع فوائدها وبالتالي إفلاس الدولة ثم تأتي خطوة بيع الأصول لتفلس ما بقي من الدولة وترهن أصولها للمستثمرين لتصبح الدولة منهارة وخاوية على عرشها.
بالختام (هل تعلم الدولة ما تقوم به المصارف المملوكة لجهات خارجية من جرائم مالية والإتجار بالنساء؟).