الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات قصة سيدة الكيمياء الأولى في التاريخ عطر العراق المعتق

قصة سيدة الكيمياء الأولى في التاريخ عطر العراق المعتق

(الجزء الثاني)

بقلم| ياسر التركي (باحث في حضارة العراق)

عالمة الآشوريات جو داي من جامعة دبلن تقول إنّ "عطر الدخان كان طريقة شائعة لتغذية للآلهة" بينما ترى جوني ميرفي، أستاذة الكلاسيكيات في جامعة شمال كارولينا الأمريكية في كتابها "Pylian Aromatics" إنّ "العطر المستخلص في صورته النهائية يكون حكرًا على الملك" مشيرة إلى أنّ "استخدام عطر يضعه الملك يعني بالضرورة القرب من البلاط" وعليه يبدو أنّ تابوتي كانت على مكانة مهمة لدى البلاط الآشوري

وبالعودة إلى تحليل الاسم فإنّ "تابوتي" يشير إلى مرتبة عليا أما الجزء الآخر "بيليت إكاليم" فيعني "سيدة القصر" هو لقب مرتبط بالآلهة الذين يحمون الأسر الملكية

وفقًا للمؤرخ جاك ساسون من جامعة شمال كارولينا الأمريكية، يمكن أن يكون هذا اللقب "بيليت إكاليم" لسيدة تشغل دورًا إداريًا مهمًا

في المقابل يعكس النص المسماري أن لدى "تابوتي" سلطة وإمكانية للوصول إلى أفضل المواد وأجودها حيث تنص السطور 2-4 في اللوح الطيني من وصفتها لزيت القصب العطري على "مياه عذبة وعالية الجودة من بئر القصر في آشور"

جو داي تقول إنّ "الوصول إلى المكونات النباتية الغريبة المستخدمة في صنع بعض العطور كان مؤشرًا على مكانة النخبة في المجتمع" حيث تذكر بيانات النسخ في وصفة تابوتي أنّ العطر الناتج "مناسب للملك"

أرادت تابوتي من خبرتها العملية ومعرفتها بالمواد والعمليات الكيميائية أن تصل إلى الآخرين حيث تقول في لوحها الطيني "هذه هي قياساتك"

ولم تكن تابوتي صانعة العطور الوحيدة في ذلك الوقت إذ تحتوي مكتبة "توكولتي - نينورتا" صانعة أخرى لم يبق من اسمها سوى مقطع قصير نينو (ninu)

وتشير الدلائل إلى أن صانعي العطور ربما صنعوا أشياء أخرى غير العطور ففي بحثها الخاص بنساء بلاد ما بين النهرين، لاحظت عالمة الآشوريات ناتالي نعومي وجود تداخل كبير بين صانعي العطور والصيادلة

وتتطلب كلتا المهنتين مهارات عدة لاستخراج المكونات من الزيوت والأخشاب والمواد الطبية والتلاعب بالعناصر للحصول على مركب مفيد

وتشير السجلات المتزامنة مع وصفة تابوتي إلى هؤلاء المحترفين متعددي الحرف ففي السنة الخامسة عشرة من حكمه اختار "توكولتي نينورتا" الانطلاق في رحلة وتدون سجلات البلاط الرسمية، على أن تنضم كل من "صانعات العطور" و"رئيسة صانعات العطور" إلى الرحلة مع الملك الآشوري في رحلته

ويمكن التكهن فقط بمجموعة الوظائف التي قد تؤديها هؤلاء النساء من صنع العطور السماوية لاسترضاء الآلهة ورعاية المرضى والمساعدة في الحفاظ على معسكر الملك صحيًا

ولم تنته مكانة صانعات العطور بل استمرت المهمة نفسها حتى بعد قرن من حكم الملك الآشوري "توكولتي نينورتا" الأول إذ قام العاملون في بلاط الملك البابلي "نبوخذ نصر الثاني" على توزيع ست لترات من الزيوت على صانعات العطور في القصر وفق لوح طيني وجد في الجزء الجنوبي من القصر البابلي

ومع مرور القرون ظلت صانعات العطور جزءًا مهمًا من إدارة القصر استمرت النساء في الازدهار ككيميائيات ومبدعات وجزءًا لا يتجزأ من البلاط الملكي في الشرق الأدنى القديم خلال العصرين الآشوري والبابلي الحديث

وتعد "تابوتي" وزميلاتها من صانعات العطور من أوائل النساء المعروفات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ويتجاوز إرثهن العالم القديم، ويظهر لنا أنّ النساء كن دائمًا عالمات - إذا كن على استعداد لتعديل تصوراتنا عن السعي العلمي

مقالات متعلقة