الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية بغداد على شفا بيروت!


جهاد بشير

منذ وقت مبكّر من احتلال العراق؛ جرى الحديث عمّا سُمّي بـ”لبننة العراق” في إشارة إلى المنهجية الطائفية ونمط المحاصصة اللذيْن بُني عليها النظام السياسي ببغداد، وتشبيهًا بواقع حال لبنان ومعاناته في ظل منظومة الحكم التي قادت البلاد نحو مزيد من الفوضى على صعيدي السياسة والاقتصاد، فضلاً عن الأمن.

وربما خفتت الأضواء في بعض الأحيان عن حقيقة مجريات الأحداث في لبنان بعد احتلال العراق، وأثناء الحرب في سورية، وتطورات المشهد في العالم العربي، لكن واقع الحال كان يشهد سيرًا حثيثًا بالبلاد نحو موقع أكثر عمقًا في دوامة الكارثة، وإذ تفجّرت مؤخرًا على نحو غير مسبوق نتيجة الأزمة الاقتصادية؛ إلا أن مؤشرات أكثر خطورة بدت قبل ذلك حينما اتخذت إيران خطوة جديدة في سياق مشروعها التوسعي في المنطقة، بتصريحها أن طهران تسيطر على أربع عواصم عربية من بينها بيروت وبغداد.

الحديث عن الشأن اللبناني ومقارنته بنظيره العراقي متلازم ولا ينبغي إغفاله، تمامًا كما هو الحال مع الملف السوري، لأن المشهد واحد والقضية متجانسة ومترابطة، على الأقل من ناحية وجود الطرف الإيراني المشترك بينها، باعتباره ثاني اثنين من مشاريع التحكم بالمنطقة صحبة الولايات المتحدة، بيد أن الأخيرة تعد العامل الفارق في تباين المواقف الرسمية وغيرها بما يعطي انطباعًا للقضية العراقية مغايرًا للقضايا الأخرى.

اللافت للأنظار أن الموقف الإيراني الرسمي من تفجير مرفأ بيروت يكاد يكون معدومًا، إذ اقتصر على عناوين عامة في عدد من الصحف الإيرانية، وتصريحات محللين وإعلاميين ومقالات صحفية محدودة تنطلق من نظرية التحريض الأجنبي ضد إيران؛ وذلك على الرغم من وجود اتجاهات عديدة اتهمت “حزب الله” ذراع طهران في لبنان بالتسبب بشكل مباشر أو غير مباشر بالانفجار الذي ما يزال حديث العالم أجمع.

ثمة مؤشرات لا ينقصها الوضوح تشير إلى أن “طبخة غربية” بلباس جديد يجري الإعداد لها، تهدف في ظاهرها إلى تقليم أظافر إيران بتحييد نفوذ “حزب الله” بلبنان والذي تتخذه الولايات المتحدة ودول الغرب عامة ذريعة للحديث عن ضرورة “تأمين مصالح إسرائيل” ولاسيما في إطار مشروع “صفقة القرن”؛ إذ جاء تفجير مرفأ بيروت ممهدًا لانشغال الرأي العام ثم بدخول فرنسا سريعًا على الخط بتصريحات رئيسها بإمكانية إعادة قوّات عسكرية إلى المنطقة تحت غطاء المساعدات، بموازاة ما أعلنته مصادر في الأمم المتحدة عن أن جلسة مجلس الأمن التي من المقرر عقدها أواخر شهر آب/أغسطس الجاري؛ سوف تعلن عن قرار عدم التجديد لقوات الطوارئ الدولية في لبنان “يونيفيل”.

وحتى لا يتم الإخلال بتوازنات المنطقة، يقتضي الحراك الدولي الجديد فيها تحديث محطة للنفوذ الأوروبي ـ ممثلاً بفرنسا ـ على البحر المتوسط باعتبار باريس لم تشترك فعليًا باحتلال العراق، وبقيت سنوات تنتظر نصيبها وهديتها للموقف الذي تصنّعته تجاه الحرب؛ فضلاً عن كونها حليفًا تأريخيًا قويًا لطهران يمكنه تقييد أنشطتها بعدما أنجزت عملاً مرحليًا بتفويض غربي؛ تجاوزت فيه صلاحيتها كثيرًا، فكأن الوقت قد حان لإلزامها الحد.

وبمقابل ذلك؛ فإن منح إيران امتيازات إضافية خاصة في العراق، وارد؛ لأن مما هو معلوم بالضرورة؛ أن طهران و”حزب الله” ومن يتحدث بلغة “الممانعة” في فلكهما؛ لم ولن يشكلوا أي تهيد لـ”إسرائيل” ولا للولايات المتحدة، سوى ما هو حاصل في ميدان التصريحات الصاخبة ومباريات الظواهر الصوتية التي يُراد منها كسب مواقف سياسية لا تخرج عن محددات علاقات التخادم من جهة، ولا يُسمح للأطراف المحلية أن تتجاوز صلاحيتها و”استحقاقاتها” من جهة أخرى.

ولعل ما جرى تداوله بعد ساعات من انفجار بيروت؛ بأن بغداد والعديد من مناطق العراق أمست قنبلة موقوتة بسبب مخازن سلاح الميليشيات والمواد الخطرة شديدة التفجير التي تحتويها وهي منتشرة بين السكّان؛ يجعل المشهد العراقي على شفا تصعيد جديد، قد يمهد لإيران جولة أخرى من السطوة تسمح فيها واشنطن لشريكتها قبض ثمن انتزاع شيء من طموحها المتعلق بالوصول إلى البحر المتوسط، وترضيتها بشيء محدود ـ لا يُرضيها بطبيعة الحال ـ لأن دولاً أخرى في المنطقة مُنحت مؤخرًا الضوء الأخضر لتقوية علاقاتها ببغدا

مقالات متعلقة