الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات القضاء في العراق بين الاستقلالية .. وسطوة الأحزاب

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي

(كاتبة وصحيفية)

عشرات الجرائم في العراق المتعلقة بالفساد المالي وانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم التطهير العرقي بدوافع طائفية، وجرائم تصنف في دائرة الخيانة العظمى تواجه مسؤولين في العراق، لكنها مركونة في المحاكم العراقية لا أحد يستطيع تحريكها لأسباب سياسية؛ وهو ما يجعل "استقلال القضاء" في العراق أمام مهب الريح في ظل تدخل الجهات السياسية والمسلحة في عمله حتى أصبح كثير من القضاة (خاصرة رخوة) أمام تدخل الميليشيات الطائفية، إما خوفا على حياتهم، أو طمعًا في مكاسب مادية شخصية مقابل الرضوخ لرغبات الأحزاب والميليشيات.

التدخل السياسي في القضاء بل تسييس القضاء ساهم في إفساده، حتى رسم صورة سلبية حتى عند المواطن البسيط، الذي كان يثق بالقضاء العراقي قبل احتلال العراق بنسبة كبيرة جدا، إلا أن خضوع القضاء لعملية المحاصصة الطائفية والسياسية، تسبب في خلخلة بنيانه وإضعاف دوره، وتسلط الأحزاب المتنفذة عليه؛ ولذلك يوصف القضاة في العراق بالفاسدين وإن كان التعميم غير دقيق إلا أن نسبة الفساد في أوساط القضاة مرتفعة بنسبة كبيرة جدا، والحقيقة أن وضعهم هو انعكاس لطبيعة مؤسسات الدولة التي بنيت على المحاصصة الطائفية والحزبية بعد الاحتلال الأمريكي، إلا أن هذا لا يمنع من وجود فئة وإن كانت قليلة بعيدة عن صفقات الفساد والإجرام أو التنازل عن قراراتهم ونزاهتهم؛ وهؤلاء دفعوا ثمن مواقفهم بعدم مشاركتهم في صناعة القرار داخل السلطة القضائية.

القضاة الفاسدون والمرتشون قدموا خدمات كبيرة للمجرمين من السياسيين والميليشيات؛ حتى أنهم تسببوا بإحجام المواطنين والمظلومين والضحايا عن تقديم شكاوى ضد المجرمين؛ بسبب تواطؤ القضاة والمحققين مع الميليشيات والمجرمين وتصفية الضحايا. فضلا عن القضايا السياسية والانحياز لأصحاب النفوذ والقوة؛ حتى أصبح القضاة من كبار أصحاب العقارات والمشاريع التجارية في بغداد وأربيل وعمان ودبي وإسطنبول وغيرها، ومع شيوع هذا الفساد إلا أنه يحظى بتكتم إعلامي كبير؛ بذريعة عدم المساس بالمؤسسة القضائية التي نخرها الفساد والتسيس فحتى مجلس القضاء الأعلى متهم بالفساد واستلامه رشاوى كبيرة من مسؤولين ومتنفذين مقابل تعيين بعض الأشخاص في السلك القضائي قضاة، على حساب هذه المؤسسة العريقة وحقوق الشعب العراقي؛ وهو ما يجعل هذه المؤسسة الأكثر فساداً وإضرارا بالعراق وشعبه.

ومن هنا يمكن للعراقيين أن يفهموا السعي الحثيث للمؤسسات الإعلامية التابعة لأحزاب السلطة إلى رسم صورة زاهية عن القضاء في العراق، وتصويره على أنه المؤسسة التي لم تستطع السياسة إفسادها، هذه الحملة تسير بتوجيهات مباشرة من قيادات حزبية متنفذة بالاتفاق مع مسؤولين في المجلس، ضمن صفقات متبادلة استطاعت توفير الحماية للفاسدين والقتلة على مدار عدة سنوات ماضية.

ولكي تكتمل الصورة فهناك الكثير من القضاة يتجنبون الوقوف في وجه عمليات الفساد خوفًا على حياتهم وحياة عائلاتهم من الاستهداف الميليشياوي والحزبي، وقد استُهدِف بعض القضاة فعلا، ومنهم من تصله التهديدات باستمرار لإجباره على الانحياز لبعض الأطراف في الصراعات التي تدور رحاها يوميًا في ساحات المحاكم؛ فهل هذا الاستهداف والتهديد مبرر لسكوتهم؟ الكثير من العراقيين لا يقبلون بهذا التبرير لأن وضيفة القاضي ومنصبه تستدعي منه الانحياز إلى الحق مهما كانت العواقب، خصوصا أنه يقسم على احترام الدستور والقانون، وعدم الانحياز إلى أي طرف على حساب الحقيقة، وواجبهم هو قول الحق وإنزال الحكم على الفاسدين والظالمين، ولذلك فإن بعض القضاة فضلوا الاستقالة والانسحاب من عملهم بعدما وجدوا أنفسهم محاصرين بجيوش من الفاسدين والمجرمين، الذين تجاوزوا على أحكام الدستور والقانون، وقد أجريت حوارا مع أحد القضاة الكبار ونشر في جريدة المساء فسألته: كيف تنظرون لحال القضاء العراقي عامة وقضاء كردستان خاص؟

فأجابني قائلا: كنت أتمنى أن يكون القضاء العراقي بأحسن حال، ولكن هو ليس بخير لا بل يسير نحو الأسوأ كما أرى ..! ولذلك انسحب هذا القاضي من محاكمة أركان النظام السابق؛ عندما تدخلت الأحزاب وبعض من جاء مع المحتل لإصدار حكم بدون اتباع الإجراءات القانونية اللازمة.

لقد سجل القضاء وطوال فترة (19) عاما انتهاكات دستورية ومجاملات كثيرة لصالح الأحزاب المتنفذة والحاكمة التي أصبحت تتدخل في قرارته وتمنع تفعيل الكثير من الملفات، وتعطليها من أجل إبقاء سيطرتها وهيمنتها لصالح عناوينها السياسية، وغالبا من يتم التدخل من خلال القضاة الذين يتم تعيينهم في المحاكم عن طريق الأحزاب، بالاعتماد على المكونات والنسب على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية!!

أمام هذا التدخل السافر في القضاء أصبح لزاما على المعنيين بفضح الفاسدين من القضاة والسياسيين أمام الشعب العراقي وتكوين رأي عام شعبي للضغط على القضاء وفتح ملفات الفساد والإجرام والتعامل معها باستقلالية تامة تنفيذا لرؤية أن الشعب هو مصدر السلطات. خصوصا أن هناك ملفات فساد وجرائم مرتكبة بعد 2003 كثيرة تم التحقيق فيها تتعلّق بمسؤولين كبار في السلطة من شيعة وسنة وكرد متورطين بشكل مباشر فيها.

فمثلاً ملفّ الموصل وحده والمجمّد من قبل القضاء، تسبّب بمقتل وإصابة ما لا يقلّ عن ربع مليون عراقي، واختفاء نحو 40 ألفا آخرين، فضلاً عن الدمار الهائل الذي قدّر بنحو 88 مليار دولار في مدن شمال وغرب ووسط البلاد، وتهجير قرابة الستة مليون عراقي داخل البلاد وخارجها. وتغييب عشرات الآلاف من جهات معلومة الهوية والدلائل الدامغة تثبت تورطها في تغييبهم وتصفيتهم، لم يحاسب أحد على كل هذه الجرائم بل ولم يقدم شخص واحد للمحاكم!! ويأتي ذلك فيما يواجه المالكي ونحو 40 مسؤولاً آخرين، بينهم قيادات عسكرية، تهم بالخيانة العظمى والفرار من المعركة خلال اجتياح تنظيم داعش العراقَ، ومع كل هذه الكوارث والجرائم إلا أنّ القضاء لم يفتح أياً من تلك القضايا ويرفض من الأساس التحدّث للصحافيين بشأنها، كما أنّ البعض يتحاشى التصادم مع القضاء خوفاً من كسب عداوته وبالتالي الإيقاع بهم كما حصل مع آخرين

فشل القضاء في العراقي في رسم صورة إيجابية أو مستقلة له داخل الشارع العراقي، فتهم التحيز لجهات سياسية دون غيرها ظلت مرافقة له.

والسؤال اليوم الذي يشغل العراقيين متى سيشهد العراق مستقبلا مشرقا وقضاء عادلا مستقلا نزيها يقف بوجه المتسلطين والفاسدين والمجرمين ليحاسبهم ويوقع سيف العدل عليهم، وينصف المظلومين القابعين في غياهب السجون!، متى يتم إبعاد الهيمنة الحزبية والتدخلات الميليشياوية في قرارات المحاكم، حتى تكون بارقة أمل في وسط الظلام الحالك من أجل وضع أول لبنة في بناء الدولة وتعزيز المواطنة والكفاءة والنزاهة؛ وكلنا يعلم أن استمرار العملية السياسية البائسة ونظام المحاصصة يقف حائلا أمام بناء الدولة العراقية التي يحلم بها كل مواطن عراقي يحرص على وحدة أرضه وشعبه واستثمار خيرات بلاده.

مقالات متعلقة