الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات العراق إلى أين...؟

العراق إلى أين...؟

بقلم| نور العبيدي (كاتبة وناشطة عراقية)

أكتب مقالي الأول من هذه السلسلة، ليس بوصفي ناشطة أو كاتبة وإنما بوصفي عراقية عانت الأمرّين من بعد سقوط العراق في أيدي الطواغيت الأمريكان وما أتى بعده من أحداث متتالية...

نبذة عراقيـة...

في ليلة من ليالي تموز التي لم يظهر فيها قمر لـسنة 2006، تلك السنة التي كانت مؤلمة جدًا ومرت كأنها دهرٌ على العراقيين وخاصة السُنة العرب الذين عانوا من تهجير وإقصاء واستيلاء على ممتلكاتهم؛ دقّ باب بيتنا أشخاصٌ كنا نظن أنهم أصدقاء والدي أو من جيراننا لأنهم لطالما كانوا يأتون إلى والدي لطلب المساعدة؛ لهذا خرج إليهم وقال لهم: "حياكم الله تفضلوا." فـسألوه هل أنت فُلان، فـأجابهم بـفخر واعتزاز: "نعم، أنا هو" لكنهم وفجأة انهالوا عليه بالضرب حتى كُسرت يده، ثم وضعوه في صندوق سيارتهم الخاصة واقتادوه إلى جهة مجهولة.

بعد أن اقتادوا والدي، جاء عدد من رجال الميليشيا مسلحين ودخلوا البيت، وكنا نحن فقط نساء. وعندما رأتهم والدتي كبّرت وقالت لهم خذوا ما شأتم من البيت من نقود وممتلكات واتركوا بناتي وشأنهم؛ وهذا ما فعلوه. ظننا وقتها أن موتنا محتم لا محالة؛ ولكن مشيئة الله فوق كل شيء...

وبعد التدقيق الذي أجرته الشرطة، علمنا يقينًا أنهم ميليشيا (جيش المهدي) التابعة لإيران... ومع حلول الساعة الثانية فجراً، اعتقدنا أن والدي قد قُتل دون شك. وكانت الساعات تمر كأنها دهرٌ ونقضيها بالانتظار على أمل أن يأتينا خبر من الشرطة بـأنهم وصلوا إلى شيء ويخبروننا بـأن والدي على قيد الحياة.

وفي الساعة الرابعة فجراً، أتت مفرزة من الشرطة وقالوا لأمي التي كانت في حالة هلع وصدمة مما جرى إنهم وجدوا والدي ملقى في أحد الشوارع يصارع الموت، وجسده غارق بالدماء، لكنه ما يزال يتنفس. وقتها أفاق أبي في سيارة الشرطة وهم في طريقهم إلى المستشفى لإسعافه؛ لكنه قال لهم خذوني إلى البيت لأطمئن على بناتي وزوجتي، فنفذوا طلبه وأتوا به إلى البيت.

وفي ذلك الحين، جاءني شرطي وقال لي إن أباكِ ينتظر في سيارة الشرطة، حينها لم أعرف ماذا أفعل، أأفرح أم أبكي لأن والدي عاد إلينا. فلما ذهبت إليه، وجدت الدماء تسيل من كل أنحاء جسده، والحروق تنهشهُ ألماً، وساقه التي ضُربت بالحديد قد كسرت، وإبهام يده ملفوف بخرقـة بعد أن قطعوه؛ لكنه قال لي رغم ألمه: "هل أنتن بخير؟ هل فعلوا بكنّ شيئاً؟ هل آذوكنّ بشيء؟" قلت له هدئ نفسك، فـالذي حماك حمانا، إنّ الله أكبر من أن تطالنا يد الغدر والإجرام. وقتها ابتسم والدي ابتسامة ارتياح وحمد الله تعالى.

وجاء أفراد الشرطة يسألون والدي إن كان سيذهب إلى المستشفى بعد أن اطمأن على أهل بيته، لكنه قال: "أنزلوني من السيارة، ولن أذهب إلى أي مكان." وكأنه يقول لهم اذهبوا فقد برؤ ألمي بعد رؤية بناتي وزوجتي. وفعلا ارتجل والدي من السيارة وكان يتوكأ على كتفي وكتف أختي، فدخلنا إلى البيت.

ولما خلا بيتنا من الشرطة والجيران، لم ندرِ ماذا نفعل، أنبكي على جروح والدي البليغة أم نفرح لأنه ما زال حياً يرزق. مرّ الوقت وأنا وأخواتي نداوي جراح أبي البليغة وننظفها، وهو يأنّ من شدة الألم لدرجة أفقدته الوعي. وحين بزغ فجر يوم جديد، اتصلت والدتي بـأعمامي وقالت لهم تعالوا خذوا زوجي، فقد أصابنا كذا وكذا. وخلال ساعات، أتوا وطلبوا منا الذهاب معهم إلى مكان آمن، لكنا رفضنا وطلبنا منهم أن يخرجوا والدي على الفور، فنحن نساء ولن يصيبنا سوء.

وفعلاً أخذوه معهم وذهبوا به إلى المستشفى الذي مكث فيه فترة علاج دامت شهورًا كثيرة كنا خلالها نتحرق شوقاً لرؤيته معافى وسماع صوته دون أنين. وقتها كنا أنا وأمي وأخواتي نجمع أغراض بيتنا لنخرج منه لأننا تعرضنا للتهديد، لكننا نأمل أن نرجع إليه لاحقا.

كان معنا ابن خالي وقد أتى بسيارة نقل أثاث، وأثناء حمله الأثاث طوقت المنطقة قوة من ميليشيا (جيش المهدي) وترجلوا من سيارتهم وكانوا مسلحين. اقتربوا من ابن خالي وطلبوا منه مهددين أن يخرج من المنطقة دون أن يأخذنا معه، لكنه أبى أن ينصاع إليهم وقال اتركوا النساء يخرجن وأنا بديل عنهنّ. فلما سمعت والدتي هذا الكلام، فزعت وقالت له ارجع إلى بيتك ولن يضرونا بشئ، لكنه لم يصغِ إلى عمته وقال لها إن بناتك هنّ أخواتي ولن أتركهن حتى يخرجن من المنطقة بـأمان. وفعلاً أخرجنا من المنطقة ولم نأخذ معنا شيئا سوى ما كنا نرتديه من الملابس.

لكن كان لابن خالي نصيب من الموت المحتم ليحمينا؛ فـبعد تدميرهم والدي، قتلوا ابن خالي ورموا جثته في إحدى مكبات النفايات، وأحرقوا بيتنا وسرقوا ممتلكاتنا. ومن هنا بدأت مرحلة الألم والمعاناة...

سردت قصتي وقلبي يدميه الألم لما حصل لنا وما زال يحصل، فطوال السنين الثمان عشر لم نرَ إلا الموت والدمار والجوع والتهجير والإقصاء على أيدي شرذمة إيران التي لطالما أرادت أن تجعل من العراق مسرحاً للدم والجريمة، وأن تجعله محافظة تابعة لطهران، وحصل فعلا كل هذا بفضل الخونة والموالين لها، فـأصبح العراق تدميه الصراعات العرقية والمذهبية التي نهشت أشلاءه وقطعت أوصاله العريقة حتى أصبح فتاتا تقتات عليه زمر الشر والخراب.

لكننا نعلم أن بلدنا العظيم، مهد الحضارات والأمجاد، سينهض من جديد لـينثر غبار الموت ويستعيد عافيته ويعيد أمجاده وبطولاته لدحض يد الشر والدمار وتمزيقها كل ممزق، فنحن مؤمنون بالله وعظمته، وبأنه لن يترك رمحهُ ينكسر...

مقالات متعلقة