إنهم الكلاب البوليسية للاحتلال
بقلم| أ.د. عبد الرزاق محمد الدليمي (أستاذ علم الاجتماع- جامعة بغداد)
انشق أحد كبار مساعدي هتلر في الحرب العالمية الثانية ولجأ إلى بريطانيا، فرحبت به ترحيبا كبيرا وأعلنت الخبر في وسائل الاتصال آنذاك، وأنزلوه في أفخم القصور، وفي الأسبوع الأول من استقباله طلبت منه المخابرات البريطانية، تحديد الأهداف المهمة في ألمانيا.. فرفض وقال قولته المشهورة (انفصلت عن هتلر وليس عن ألمانيا) فتم إعدامه وهو يضحك قائلا (للأوطان حرمة ...لا يبيعها إلا الأنذال) ونقل عن هتلر قوله (أحقر الأشخاص الذين قابلتهم هم هؤلاء الذين ساعدوني على احتلال بلدانهم)، في مقابلة تلفزيونية للسيد سليم الإمام، والذي كان مع إياد علاوي يقول (سألت السيد إياد بعد احتلال العراق ووصولنا إليه، وما دورنا الآن؟ فأجابني بأن دورهم الآن مثل الكلاب البوليسية لقوات الاحتلال. يقول وهذا أصدق كلام قاله إياد علاوي.
الخيانة والفساد في العراق المحتل
لا أحد يصدق أن مسؤولا يمتلك ذرة من الشرف والحياء والمروءة أن يمد يده على أموال اليتامى والفقراء والمعاقين.. ألم يفكر هؤلاء بأن هذا المال تبنى به المدارس والجامعات والمستشفيات ونشتري به الخبز ونصفي به الماء ..حتى المجرمين واللصوص لديهم بقايا رحمة عندما يعرفون أن ما سرقوه يعود إلى مرضى وأطفال ونساء ومساكين .. وما يتحدث به يومياً كل السياسيين الذي جاء بهم الاحتلال في كل مناسبة أو بدون مناسبة من خلال المؤتمرات الصحفية والإعلامية إنهم ينتقدون الفساد وأهله.. وكلهم يتحدثون عن تورط المسؤولين في صفقات مشبوهة وعمولات وسرقات، وهم جميعا فاسدون ومسؤولون عن كل الكوارث التي تحدث في العراق .. ولم يبقى أمامهم سوى أن يتهموا الشعب العراقي بمسؤولية الفساد الذي ضرب ونخر المجتمع العراقي بشكل غير مسبوق.
الخونة في عالمنا العربي كثيرون، لقد كانوا في الماضي، وهم موجودون في الحاضر، والكل يعلم بقتل العلماء العراقيين، الذي تم من قبل ذيول وعملاء الاحتلال (الأمريكي البريطاني الصفوي)، ولم يستطيعوا تنفيذ جرائمهم لولا مساعدة الخونة، وسوف يظل الخونة موجودين في عالمنا العربي وفي العراق حتى قيام الساعة.
الخيانة متأصلة في بعضهم
خونة الماضي ذكرهم لنا التاريخ، وخونة الحاضر سوف يعريهم الشعب مثلما سيبقى التاريخ يذكرهم بسواد وجوههم وأفعالهم؛ ومن أبرز أمثلة الخونة في تاريخنا العربي والإسلامي، الخائن الأول من العصر الجاهلي، أبو رغال، فهو الذي أرشد إبرهة إلى مسلك الطريق إلى مكة مقابل المال، حينما عزم إبرهة على هدم الكعبة المشرفة، والكل يعلم نهايته، فقد ذكر الله قصته بالقرآن الكريم، وقد حدثت في سنة 570م، وسمي بعام الفيل، وقد ولد فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم.
وقبر أبو رغال صارت العرب ترجمه بالحجارة حينما يقصدون مكة المكرمة، أما الخائن الثاني فهو ابن العلقمي، وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله، حيث كان يراسل هولاكو المغولي بالسر، ويطلب منه أن يحتل بغداد، حتى يكون له حكم العراق، فعمل ابن العلقمي على إضعاف الجيش فسرح تسعين ألفاً من الجنود، وأبقى عشرة آلاف جندي لحماية بغداد؛ بحجة تقليص النفقات، ثم أعطى الضوء الأخضر لهولاكو بالهجوم على بغداد، ولما وصل هولاكو أسوار بغداد، أقنع ابن العلقمي الخليفة أن يذهب بنفسه مع الأمراء والأعيان، والهدايا الثمينة إلى هولاكو، استرضاء لهولاكو، فذهب الخليفة بحاشية من 700 فرد، فقتلهم هولاكو جميعا أمام عيون الخليفة، ثم قتل الخليفة، فكان سقوط الدولة العباسية، أمام أنظار ابن العلقمي عام 1258م، ثم قتل هولاكو قرابة المليون فردا، ودمر بغداد تدميراً شاملاً بشرياً وثقافياً، أما ابن العلقمي فلم يحصل على شيء من هولاكو سوى البقاء حيا ذليلا يسير في شوارع بغداد حتى مات بعد فترة قصيرة كمدا وقهراً.
أما الخائن الثالث فهو الملك صالح إسماعيل الأيوبي، حيث كان يحكم دمشق وفلسطين، فطمع في ضم مصر إلى مملكته، وكانت مصر يحكمها ابن أخيه الملك صالح أيوب زوجته شجرة الدر. فجهز جيشاً كبيراً، فطلب الملك صالح إسماعيل من بعض ملوك الممالك الصليبية مساعدته على حرب ابن أخيه، فاشترطوا عليه التنازل لهم عن القدس مقابل المساعدة، فوافق على ذلك وأعطاهم فوق ذلك مدينة عسقلان، ودارت معركة شرسة بين الجيشين، وموقع المعركة كان عند مدينة غزة، وفي نهاية المعركة انتصر الملك صالح أيوب على جيش الملك إسماعيل والجيوش الصليبية، ففرت الجيوش الصليبية هاربة إلى مدنها مخلفة وراءها ثلاثين ألف قتيل، أما الملك صالح فواصل تقدمه إلى مدينة القدس وحررها، وظلت القدس عربية حتى احتلت مرة أخرى من قبل اليهود، وهذه الخيانة تمت بعد موت صلاح الدين خلال أشهر قليلة من وفاته، هذه جوانب مظلمة من تاريخ أمتنا العزيزة .
وجوه الاحتلال وأدواته
إن الاحتلال بوجوهه الأمريكي البريطاني الصفوي الصهيوني، يتربص بنا بخططه التآمرية مستغلين ذيولهم سيما منهم العاملين في بعض الصحف والمجلات والإذاعات والقنوات العميلة، وهم في الحقيقة أعداء حاقدون، نراهم ونشاهدهم في القنوات وأعمدة الصحافة يسرحون ويمرحون يعملون طوابيراً منظمة ومدعومة من الاحتلال وداعمة له، ولا زالت وسائل الاتصال الصفراء تنشر الأفكار السوداء مثل وجوه أصحابها حتى أصبحت تشن حرباً مستمرة على العراق وشعبه هدفها هدم قيمنا وتدمير مفاهيمنا.
إن الخيانة التي نتحدث عنها هنا ليست قيام بعض الأشخاص بالتجسس لصالح العدو وقت السلم أو وقت الحرب فمثل أولئك يعرفهم الناس وتلفظهم الشعوب, ويحتقرهم كل عاقل ..إن الخيانة التي نعنيها هي التي يقوم بها أناس حسبوا ظلما علينا ويتحدثون بلساننا ويكيدون في نفوسهم الغل والعداء والحقد على العراق وشعبه، وهؤلاء منهم من نصبهم الاحتلال حكاماً أو وزراء وفي بقية المواقع في دولة الاحتلال وعبثوا في العراق قتلا وظلما وفسادا ولم يتركوا شيئا مقيتا إلا وفعلوه، علما أن الخيانة فعل حقير متأصل بأصحابها مهما كانت دوافعه و أسبابه، مهما مر الزمان.
تنص قوانين العديد من الدول على أنواع مختلفة من الخيانة. وتمثل "الجرائم المتعلقة بالتمرد" خيانة داخلية، وقد تتضمن الانقلاب، فيما تمثل "الجرائم المتعلقة بالعدوان الأجنبي" خيانة التعاون مع العدوان الخارجي بشكل إيجابي بغض النظر عن محل إقامة المواطن بالداخل أو الخارج. أما "الجرائم المتعلقة باستمالة العدوان الأجنبي" فهي جريمة التواصل مع الأجانب سرا للقيام بعدوان أو تهديد أجنبي. وفي بعض البلدان تُضاف نظرية المؤامرة إلى ذلك. في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي، كانت محاولة الإطاحة بحكومة عادلة أو شن حرب ضد الدولة هو الشكل الوحيد لخيانة الوطن، ووفقاً للتقاليد الإسلامية، فقد تراوحت العقوبات المنصوص عليها بين التعزير والإعدام اعتماداً على شدة الجريمة ومصلحة الأمة.
تختلف تهمة الخيانة بحسب أحداثها وشخوصها وأماكنها لكنها تتفق على أمر واحد أن الخائن يبيع قيمته كإنسان مقابل ثمن ما، فالخائن يبيع شرفه أو ذمته أو دينه أو وطنه، علما أن من اشتروا ذمة الخائن لا يمكن أن يثقوا به، وهو بالنسبة لهم مجرد طعم في المصيدة يحققون من خلاله هدفا في أحد مخططاتهم، وحين ينتهون من خيانته يرمونه في أقرب مزبلة للتاريخ.
الخيانة الوطنية
الخيانة الوطنية هي أعلى مراحل الخيانة، ولهذا يطلق عليها في كل دول العالم "الخيانة العظمى" والخيانة الوطنية لها كما يعلم الكل صور وأشكال شتى. من صورها، إفشاء أسرار الدولة ونقل المعلومات عن الأوضاع الداخلية إلى دول وقوى أجنبية كما يفعل الجواسيس أو أشخاص وقوى سياسية، ومنها التآمر مع دول وقوى أجنبية ضد الوطن. ومنها التعاون مع العدو أو أحيانا القتال في صفوفه ضد الوطن.. وهكذا.
وفي السنوات الطويلة الماضية، عرفنا في العراق صورا من الخيانة الوطنية جديدة ومستحدثة ويتم تصويرها على أنها مشروعة وعلنية. ليس هذا فحسب، بل إنها تتم وسط إشادات وترحيب وتصويرها على أنها من أعمال الإصلاح والتغيير. ونعني هنا ما فعلته أمريكا مثلا حين أنشأت جمعيات ومنظمات في دولنا تضم قوى عميلة مباشرة لأمريكا، مهمتها تنفيذ أجندات تخريبية تدمر المصلحة الوطنية وتلحق أفدح الأضرار بالأمن الوطني. وعلى الرغم من هذا الدور التخريبي المدمر الذي يعتبر عملا من أعمال الخيانة، تم تقديم هذه القوى على أنها قوى ساعية إلى الديمقراطية والإصلاح.. وهكذا.
ونفس الأمر ينطبق على القوى والجماعات الطائفية الموالية لإيران في دولنا. هذه القوى تسعى لتنفيذ أجندة النظام الإيراني المعادية للمصالح الوطنية، وتتبنى مواقف وسياسات تشعل الفتن الطائفية وتدمر المصلحة الوطنية. ومع هذا تقدم نفسها أيضا ويتم تصويرها على أنها قوى ديمقراطية إصلاحية؛ إذن صور وأشكال الخيانة الوطنية تتعدد وتتطور وتأخذ أشكالا جديدة، غير أننا نشهد اليوم تطورا جديدا ليست له سوابق كثيرة نعرفها في تاريخ العالم كله، وهو أن الخونة أصبحوا هم الحكام، والعراق يقدم مثالا غريبا جدا في هذا الشأن.
شعب بلا نظام ونظام بلا شعب
أمضى العراق حتى الآن أكثر من عشرة أشهر من دون حكومة جديدة، وهو رقم قياسي في حقبة ما بعد الاحتلال، وتزيد المواجهة من الفشل السياسي في بلد يعاني من تردي الخدمات العامة وارتفاع معدل الفقر وانتشار البطالة على الرغم من الثروة النفطية الهائلة وعدم وجود صراع كبير منذ هزيمة تنظيم "داعش" قبل خمس سنوات، وفي الوقت الذي أدى فيه ارتفاع أسعار النفط الخام إلى زيادة عائدات النفط العراقية إلى مستويات قياسية، لا توجد ميزانية حكومية لعام 2022، كما تأجل الإنفاق على مشاريع البنية التحتية التي تشتد الحاجة إليها والإصلاحات الاقتصادية وفي غضون ذلك يعاني العراقيون العاديون من انقطاع الكهرباء والمياه، يقول برنامج الأغذية العالمي إن 2.4 مليون من السكان البالغ عددهم 39 مليون نسمة في حاجة ماسة إلى الغذاء والمساعدة في توفير سبل العيش، ويصرف هذا الشلل الانتباه عن مشكلات مثل ارتفاع أسعار الغذاء العالمية والجفاف والتهديد المستمر الذي يشكله وجود المليشيات الولائية لإيران المسلحة و"داعش".
التوقعات
وأثارت الدعوات التنافسية لاستعراض القوة بين الإطار التنسيقي ومجاميع الصدر مخاوف من حدوث مواجهة بينهما ودعت الأمم المتحدة إلى وقف التصعيد قائلة إن "أصوات العقل والحكمة ضرورية لمنع المزيد من العنف"، رغم أن بلاسخارت ومن خلفها ما يسمى بالأمم المتحدة كانوا ولايزالوا شهود زور وهم خصم للشعب العراقي وأحد أهم أسباب ما حصل فيه من نكبات ونوائب منذ 1990 ولاتزال هذه المنظمة الخاضعة بالكامل لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية ولعل تحركات بلاسخارت الأخيرة تدلل على جزء من عمليات التدليس والمراوغة لإحياء العملية السياسية الفاشلة سيئة الصيت هي وكل من شارك أو سيشارك فيها.
إن الشيء الملفت بكل ما حدث ويحدث منذ الاحتلال لحد الآن يدلل على أن جميع الأطراف التي ساهمت واشتركت باحتلال العراق وما لحق به من دمار وفساد وقتل وتغييب ... جميعهم يتصرفون بشكل يدلل أنهم لا يقيمون وزنا لشعب العراق أو إرادته أو تطلعاته أو حريته أو مستقبله، في حين أطلقت أمريكا وبريطانيا كامل اليد لنظام طهران لأن يؤدي أدواره الهدامة في تدمير العراق بغل وحقد على العراقيين الذين أوقفوا زحف هذا النظام وتصدير ثورته المزعومة؟؟!! إلا أن نظام طهران أصبح بمساعدة الاحتلال صاحب نفوذ كبير في العراق من خلال حلفائها وعملائه منذ أن أطاحت الولايات المتحدة بخصمها النظام في العراق.