بقلم| زينب زكي غائب
" أكل السحت"، أكبر جريمة يرتكبها الإنسان عند ارتكابه لهذا الفعل الشنيع، وأكبر قبحا عند تبرير قبحهم وذنبهم بشتى الأسباب والأعذار، وهذا الفعل أصبح يُرتكب من قِبل الأغلبية دون ضمير أو رادع في سبيل كسب القليل من المال لتأمين قوت يومه أو قوت عائلته دون التفكير في العواقب اللاحقة بعدئذٍ.
ما هو "أكل السُحت"؟
كلمة "السحت" تُطلق على كل حرام يُرتكبْ، الحرام الذي يأتي من أكل مال الغير، والاختلاس، والرشوة والسرقة، والرِبا وكل بيع فاسد وارتكاب الفاحشة وتلاعب بالأعراض، وكل كسب غير مشروع.
وفي الدين الإسلامي لا تقتصر العبادات على أمور تعبدية فقط بل الإسلام وضع قواعد وأسس دينية ودنيوية حتى تعدى ذلك وشمل القضايا المالية أيضا، فحرّم المُمارسات التي لا تصّب في مصلحة البشرية وانهيار النظام الاجتماعي فضلاً عن عواقب أخروية لا مفر منها، ومع ذلك تَفَشّتْ ظاهرة أكل السُحت في المجتمع وخصوصا عند أغلبية العوائل، وبتنا نرى الغش والخداع وتلاعُب بالأعراض والخمر والمخدرات، وتسيير الأعمال بالكذب والخداع، دون خوف من الخالق أو حتى الخَجل من النَفس الأمّارة بالسوء، وأصبحَ التفاخُر بذلك مُبرر مُستغلين ذلك بمنصابهم أو طبقتهم الاجتماعية وغيرها من الأمور التي تُسهِّل ممارسة الأفعال المحرمة، ناهيك أن الله سبحانهُ يُمكن أن يسلبَ من الإنسان نعمته، فهو يهب وهو يسلب ويقول لكل شيء "كُن فيكون"
وفي القرآن ذُكر "أكل السُحت" مرات عدة ذمّا من الله سبحانه لآكلي الحرام مهما كان نوعه والفساد المُنتشر الذي يهدد المجتمع ويهدم المبادئ والقيم المثالية التي زرعها الله في النفوس البشرية لإتمام مكارم الأخلاق على عباده ويُزيل أدناس الجاهلية
وقد وصل الحال إلى أن نرى بعض العوائل تتعاون فيما بينها على الإثم والعدوان، وتتهاون أمام الخوف الإلهي بغض النظر عن المذهب أو الاعتقاد خصوصا في الآونة الأخيرة حتى أصبحنا نرى مشاكل بسبب توزيع الميراث بين الإخوة وظلم الأخوات وعدم توزيع الميراث بالعدل فيما بينهم رغم وجود القوانين إلا أن التعدي على الحقوق بالقوة أصبحَ سيفا قاطعا وعدم المبالاة بالطرف الضعيف وفي بعض المواقف يكون التعدي بالضرب والتهديد بالقتل من أجل كسب بعض القروش هو الحل النهائي.
وقصة إحدى المظلومات العراقيات في شمال العراق تشير بوضوح إلى ذلك، وهي أن أُميّة لا تعرف القراءة والكتابة تعرضت للظلم والضرب على يد إخوانها لتتنازل عن حقها في الميراث؛ وعند رفضها أخذوها قسرا إلى كاتب العدل وبصموها على ورقة تنازُل عن كافة حقوقها المشروعة ووكالة عامة تسمح لهم التصرف بحقوقها لمصلحتهم الشخصية، دون معرفتها وعلمها بمحتوى الورقة، وذكرت المرأة المسكينة أن كاتب العدل لم يقرأ أو يوضّح مضمون الوثيقة؛ بسبب علاقته مع إخوانها. وعند عِلم أولادها بذلك قاموا بإلغاء الوكالة المأخوذة ولكن الإخوان سُرعان ما سافروا وبحوزتهم تلك المستندات "الوكالة" إلى دولة قريبة من العراق ليقوموا بعملية احتيال ويسرقوا حقها من الأموال التي كانت باسمها، وتابعت المفجوعة سرد قصتها المؤلمة وفِعل إخوانها المشين وهي تنهال بالبكاء في كل دقيقة؛ ومما زاد الأمر ظلما وسوءا تعرّضها للانتهاكات اللفظية من قبل زوجات إخوانها لمطالبتها بأوراقها الثبوتية الباقية لديهم ورفضهم إعطائها أي ورقة رسمية أو حتى نُسخة عن شهادة وفاة والدها وشقيقتها المتوفاة، فأصبح ممارسة الحرام سهلاً تحت مبرر وذريعة: أنهم ليسوا الوحيدين من يواقعون ذلك.
هذه القصة تُمثّل مئات الحالات الموجودة بسبب عدم نزاهة بعض الجهات وعدم مصداقيتهم في العمل، وعدم مخافة الله في أعمالهم وممارساتهم، واستلام بعض النقود لتدمير عائلات بأكملها، هذه نتيجة تحايل وعدم وجود رقابة صارمة، وتلك القصة حدثت مع سيدة عراقية أُخرى رفضت كشف اسمها وهويتها لتشابه أحداثها لتلك القصة، فمن المسؤول عن كل هذا؟! القصص تتكرر كل سنة والحال على ما هو عليه حتى نجد الرشوة والسرقة والحلف كذبا والعلاقات التي تقوم على مبدأ المصلحة في كل مكان!
والقصة التالية لرجل من إحدى القرى تحدث عن قصته التي باتت مألوفة بسبب تكرارها في كل محافظات العراق عند من أعمى الطمع ضمائرهم وساد الجشع والقسوة والغلظة على قلوبهم، الرجل يمتلك أرضا زراعية وعاش خارج البلاد وعند عودته بعد سعدة سنوات تفاجأ الرجل بأن أملاكه قد اغتصبها أبناء عمومته بعد تزويرهم الأوراق الرسمية لصالحهم واستغلال وارداتها والتصرف فيها أمام أنظار الجميع دون خوف أو رادع؛ وعند مطالبة صاحب الحق بحقه؛ تم تهديده بالقتل ومازال الرجل يُصارع من أجل حقه ولكن لا قانون يحميه أو يعيد حقه في ظل تدهور الأوضاع السياسية والأمنية والقانونية في العراق.
فما أجمل لباس التقوى وما أجمل أن تطلب رزقك بالطريقة الصحيحة، ولكن يبدو أن الحلال بات يفقد قوته وتماسكه بفعل مرتكبي المعاصي، فأصبح سهلاً أن نرى بيوتا يُرتكب الحرام فيها وعلى مرأى ومَسمع الجميع وبيوت ومزارع يُقام فيها مجالس الفحش والبغضاء، وأصبحنا نرى السارق والزاني والخائن يتكلم بالوفاء والطيبة في وسائل التواصل الاجتماعي بينما هم وحوش بشرية ترتكب كل ما حرمّ الله تعالى دون خَجَل أو وَجَل فهؤلاء أشد خطرا على القيم والمبادئ والفضائل.
"فمن نبت لحمه من السحت فالنار أولى به"
ما كان لله يبقى، وما يُبغض الله لا يحل كسبه، والحرام لا يجلب سوى الهلاك لصاحبه ومن اقتطع حق مسلمٍ وجبَ عليه النار وغضب الجبار عز وجل، فلا تملئوا بطونكم وقلوبكم حراما، وردّوا الحقوق إلى أصحابها ولا تتّبعوا خطوات الشيطان فالرزق مضمون وكل إنسان سيكسب نصيبه، فكم من عائلة تدمّرت من أجل المال والدماء أُريقت والفواحش ارتكبت وفُرّقَ بين الأخ وأخيه وأخته وقطعت صلة الرحم حتى أصبح المال غاية للتواصل أو المُعاداة. مع أننا في دار أيامها معدودة متاعها زائل، وسنُسأل عن كل صغيرة وكبيرة ويفضح العاصين في الدنيا قبل الآخرة سواء في شقائهم في الدنيا أو عذابهم في الآخرة.